ليسَ وقتًا للهزيمة .. لكنّه «اعترافٌ بالعار»

ليسَ وقتًا للهزيمة ..  لكنّه «اعترافٌ بالعار»

19-10-2023 06:37 PM

 

لا أعرفُ إنْ ظلّ أحدٌ لم يهرس "الشّعور بالهزيمة" عظامَه، لا أعرفُ إنْ كانَ أحدٌ نجا من موتِ شيءٍ داخله منذُ مساء الثّلاثاء، أو نجا من أن يُصبِح حجرًا حرفيًا. ليسَ مناسبًا هذا الوقتُ للهزيمة.. ولا للشّعر، لكنّه شعور بالعار نحملُه كلّنا..، إنّني الآن أفهم ما هو العار وما هي الهزيمة التي أدّت بخليل حاوي إلى (النّجاة التّامة) عندما دخل جيش الاحتلال بيروت عام 1982، أفهمُ شعورَه "أنّه يحمل كلّ هذا العار وحده" أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

ليسَ وقتًا للهزيمة.. ليسَ وقتًا للشّعر.. لكنْ ماذا يحسّ الجالسونَ تحت الطائرات تمامًا؟، ماذا يفعلُ الشّاكُ بوجود دقيقةٍ قادمة؟، ماذا يفعلُ الماشي من موتٍ مقسَّم إلى موتٍ تام؟.. ماذا يفعلُ الحاملُ أطفاله متفحّمين من تحت الرّدم؟ أو الذي يلملم أشلاءهم من الطّرق؟ كم شخصًا سيخرجُ من الحرب ليسَ بلا عائلة أو بلا يدٍ أو قدم فقط.. بل أيضًا بلا قلب.. بلا منطِق.. بلا قدرة على استيعاب ما يجري وجرى.. بلا قدرة أيضًا على النّظر إلينا. نحنُ "الآمنون المهزومونَ" نكادُ نجنُّ.. نكادُ نفقد عقولنا.. نحنُ الذين ننظر في عينِ دمهم عبر الشّاشات تحجّرنا.. نحنُ فقدنا يقيننا بنا.. وبكلّ شيء.. نفقدُ شبه اتّزاننا.. كنتُ أخجل حتّى يصل خجلي السّماء.. وأردد: "الخجل عاطفة ثوريّة"، وأبكي.. الآن.. لا ينفعُ الخجل ولا البكاء ولا الصراخ المكتوب المكتوم السّخيف... إنّ صوتي يختنق في فمي.

إنّ صوتي يختنقُ.. فأعيدُ مشاهدة مشاهد اليقين القادِمة من غزّة.. إنّ غزّة لا تغسُل عارنا.. وتحملُ همّنا.. وتعطي دمها وحدها (فداءً) لدمِنا وصمتنا وتخاذُلنا فحسب، بل إنّها تكملُ "رسالتها فينَا" حينَ تعطينا هي القوّة، تعطينا آيات في اليقينِ المطلق.. في الثّبات.. والثّقة.. والحقّ..: "تعيطش".. "فدا الوطن".. "رائحة المسك".. وطفل يلقّن أخاه الشّهادتين، ومشاهد من التّجاسُر فوقَ قدرةِ البشريّ.. فوقَ قدرة البشر يا الله، وإنّ لديهم يقينًا يفوق الوصف. إنّنا نحمّلها أكثر من طاقتها.. وهي تقول "وسوى الرّوم خلفَ ظهركَ رومٌ".. إنّنا نأخذُ حتّى "التّصبّر" و"النّصر" منها.. ولا نرى إلّا بمقدارَ ما تتسعُ له الكاميرا فقط. هذا ليسَ وقتًا للهزيمة.. ليسَ وقتًا للشّعر.. لكنّه اعتراف بالعارِ الذي أحسّ به.. منّي ومِنّا ومن كل مَن لم يحسّ بالعار يحرقُ قلبه.

"اقتلوه.. إنّنا نحملُ دمه في رقْبتنا".. قالَت الجموعُ، مجازًا، يومَ إعدام الحلّاج على لسان صلاح عبد الصّبور، اليومَ.. لا أحدَ يقول "إنّ دمهم في رقبتنا" حتّى، إنّ غزّة تموتُ على البثِّ المباشِر، إنّ مشاهدَ المخيّمات وخيام اللاجئينَ تدمي وجوهنا. وإنّ الضفّة الغربيّة تقطّع أوصالها المقطّعة أصلًا، فما بينَ مشاهد تجعلنا ندفنُ رأسنا في التّراب، وما بينَ مشاهدِ عزّة لمقاومين ينقصهم كلُّ عَتادٍ إلّا الإيمان بفلسطينَ الكاملة، وما بينَ عدوانٍ مستمرٍّ للاحتلال، واعتقالاتٍ وصلت نحوَ 5000 معتقلٍ منذُ السّابع من أكتوبر الجاري. إنّ العالم أزالَ اللثامَ عن وجهِهِ، وتعرّى أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، ولم يَعُد يكلّف نفسه بالكذب بشكلٍ مقنعٍ حتّى. نحنُ الآنَ نصبحُ أرقامًا.. وأقتبس من إبراهيم جابر إبراهيم: "أنتَ الآنَ رقمٌ في سجلات اللاجئين، وفي نشراتِ الأخبار، وفي اجتماعات اللِّجان ومساعي الوفود، وفي قصائد الشعراء الذين يستفيدون من قتلى المعارك أكثر مما يستفيد عُمّال المقابر".

ليسَ وقتًا للهزيمة.. ليسَ وقتًا للشّعر. لكنه اعترافٌ بالعار. وأبدأ بنفسي.  

 

* كاتب فلسطيني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

لتجنب إشارة التسفير .. تحذير مهم للعمالة غير الأردنية

العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم

بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن

الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن

بطريقة رومانسية .. خطوبة النجمين الأردنيين النجار والعوضي تتصدر