عن إسرائيل والدور الوظيفي

mainThumb

29-11-2023 11:40 PM

من النتائج المتوقعة لهذه الحرب، ولكن على المدى الطويل، أنَّ مكانة إسرائيل ستتراجع، بسبب اختلال دورها الوظيفي؛ فإسرائيل كما هو معروف نشأت في سياق مشروع إمبريالي عالمي، بدعم وإشراف مباشر من قبل الدول الإمبريالية لتؤدي أدواراً وظيفية محددة؛ يمكن إجمالها بالآتي:
في البدايات الأولى، عندما كانت بريطانيا رأس الإمبريالية العالمية أُريد من إسرائيل أن تكون رأس جسر يمثل ويحمي المصالح البريطانية في المنطقة، وللحيلولة دون وقوع المنطقة العربية تحت النفوذ الألماني، ولحماية قناة السويس، وتأمين طرق التجارة البريطانية إلى الهند وشرق آسيا، إضافة إلى دورها المركزي في منع قيام وحدة عربية، ولمواجهة وقمع أي محاولة نهوض عربي.
ولما صارت أميركا هي رأس الإمبريالية العالمية صار دور إسرائيل الوظيفي حماية المصالح الأميركية، ولتكون قاعدة أميركية متقدمة تهدد وتضرب بها خصومها، في سياق الحرب الباردة وفي مواجهة الاتحاد السوفيتي.
اليوم، كل شيء تغير؛ بريطانيا لم تعد إمبراطورية، وهي الآن بالكاد ملحق بالخارجية الأميركية، وألمانيا حتى لو كانت عملاقاً اقتصادياً فهي قزم سياسي، والهند لم تعد مستعمرة، وقناة السويس رغم أهميتها في الطرق التجارية إلا أنها بالنسبة لأميركا أقل أهمية مقارنة بما كانت تمثله بالنسبة لبريطانيا، والوحدة العربية لم تعد خطرا قائما بعد أن صارت القطرية واقعاً من الصعب تجاوزه، وصارت الدولة الوطنية بديلاً مقبولاً للنخب وحتى للشعوب.
الاتحاد السوفيتي اختفى، وانتهت الحرب الباردة، وبعد حرب الخليج الأولى صارت أميركا تحمي مصالحها بنفسها، بسبب تواجدها المباشر في المنطقة.
لكن إسرائيل (التي لا تستطيع العيش بدون حماية المركز الإمبريالي) استطاعت في كل مرة وبعد كل تحول في النظام الدولي أن تتكيف مع التغيرات الجديدة، وأن تخلق لنفسها دوراً وظيفياً مهماً؛ فبمجرد شعورها ببدء أفول بريطانيا تحولت فوراً إلى التبعية الأميركية (مؤتمر بالتيمور 1942)، وبعد نهاية الحرب الباردة خلقت لنفسها أدوارا في سياق ما يسمى الحرب على الإرهاب، وها هي الآن تمد جسوراً خفية مع الصين (وحتى مع الهند) لتكون جاهزة في خدمة أي سيد جديد للنظام الدولي. وفي محاولة منها لتقليل اعتمادها وارتهانها لمركز إمبريالي واحد.
ومع كل ما سبق من السذاجة الاعتقاد بأن أميركا ستتخلى عن إسرائيل بهذه السهولة، بعد أن أنفقت عليها تريليونات الدولارات، فما زالت إسرائيل مهمة وحيوية بالنسبة للمشروع الإمبريالي، لأنها جزء أساسي منه، وهناك الكثير من المهمات والواجبات ملقاة على عاتقها، والكثير من الأدوار التي عليها تأديتها.
لكن الحرب الحالية على غزة خلقت حقائق جديدة، فإسرائيل التي يُطلب منها حماية المصالح الغربية في المنطقة باتت عاجزة عن حماية نفسها، وقد تكشف ضعفها في مواجهة تنظيم صغير (حماس)، أو تنظيم أقوى قليلاً (حزب الله)، الأمر الذي استدعى قدوم أساطيل الناتو إلى المنطقة لحمايتها وضمان أمنها.
ومن أجل ضمان تفوقها صارت أميركا مجبرة مرة بعد مرة على زيادة المنح المالية المقدمة لها، بمعنى أن تكاليف رعاية وحماية إسرائيل صارت مكلفة جدا على الخزينة الأميركية، وفي النهاية الاقتصاد والمنفعة هما المحرك الرئيسي والحقيقي للدول.. كما أن المواطن دافع الضريبة الأميركي بات متنبها ومنزعجا من هذا الأمر.
أما الانحياز الأميركي (والأوروبي) السافر والمفضوح إلى جانب إسرائيل فقد أدى إلى سقوط وانفضاح كل القيم والمفاهيم التي تقوم عليها الدعاية الغربية، والتي من خلالها تسوّق سياساتها الخارجية وباسمها تشن حروبها (الديمقراطية، حقوق الإنسان، القانون الدولي، دور المنظمات الدولية..) بسبب فظاعة الجرائم الإسرائيلية وقتلها المدنيين والأطفال وقصفها للمنشآت المدنية المحمية بالقانون الدولي كالمستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة ومراكز الإيواء.. وهذا السقوط سيضر كثيرا بمكانة أميركا وحلفائها في العالم، فليس الفلسطينيون وحدهم من صُدموا بازدواجية المعايير الغربية، وبهذا الانحياز الأعمى لإسرائيل، وهذا التواطؤ المريب مع جرائمها، جميع شعوب الأرض صُدمت وتنبهت لهذا السقوط، بما في ذلك شعوب أميركا وأوروبا. وبالتالي وجد الغرب نفسه أمام امتحان عسير، وباتت كل قيمه على المحك، وإذا أراد إثبات صدقيته واسترجاع مكانته سيكون مجبراً على الضغط على إسرائيل ولجم عدوانها، وإجبارها على الانصياع للقانون الدولي، والقبول بتسوية سياسية عادلة.
وقد وضعت إسرائيل نفسها في مأزق، فإما أن توقف الحرب وتنسحب، وهذه هزيمة، وإما الإمعان في القتل والإجرام، وكلما أمعنت في قتل الفلسطينيين فإنها في الوقت نفسه تقتل صورتها، وتقتل صورة حلفائها.. وفي الحالتين هي مهزومة.
بمعنى آخر، صارت إسرائيل عبئاً اقتصادياً وأمنياً وأخلاقياً على حلفائها الغربيين، وهذا العبء سيخلق للدول الغربية مشاكل لا حصر لها، أمام شعوبها، وأمام العالم، وقد تؤدي تطورات الأوضاع مستقبلاً لظهور جيل جديد ونظام جديد ستجد فيه إسرائيل نفسها عبارة عن دولة دينية عنصرية منغلقة على نفسها، غارقة في خرافاتها الدينية وطقوسها المتخلفة، ومنبوذة، ومتهمة بأنها نظام أبارتهايد، وستكون خارج سياق العصر الجديد.
وسيسجل التاريخ أن الجيش الإسرائيلي المتخم بالقوة كان يبحث عن صورة نصر، ولم يجدها إلا بانتصاره على مجموعة أطفال خدج، وأنه جوّعهم وقتلهم.. وتلك الوصمة المخزية لن تزول، وستظل دماء أطفال غزة تلعنهم أبد الدهر.

 

(الأيام الفلسطينية)



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد