علم السابقين وعلم اللاحقين

علم السابقين وعلم اللاحقين

28-12-2023 11:53 PM

أبرز الردود على مقال الأسبوع الماضي، كانَ سؤالاً استنكارياً يتناول «مبدأ» ترجيح الحاضر على الماضي. وقد شرح أحد الزملاء وجهة نظره على الوجه التالي: إذا كنَّا سنقدّم الماضي على الحاضر في كل الأحوال، فلماذا نبجّل أمواتاً مثل أرسطو والمتنبي وإيمانويل كانط وابن سينا وآينشتاين وسواهم؟

ويظهر لي أن هذا النوع من الأسئلة منبعثٌ مما نسميه قلق الهوية، أي ذلك الشعور العفوي بأنَّ تبجيل الحاضر يقود، موضوعياً، للتهوين من قيمة الموروث القيمي، الذي يوجّه جانباً مهماً من سلوكنا اليومي.

مع ذلك، فهو سؤال مشروع، أياً كان رأينا في موضوعه. فهو يشير إلى عيب مهم في نقاشاتنا الثقافية، يتمثل في إطلاق القول بأن زمناً ما خير من الأزمان الأخرى. ولعلَّ بعض القراء مطلع على الجدل المتعلق بالرواية المنسوبة للنبي «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم». وهي رواية لا تنطوي على تكليف عملي ولا تحدد واجباً، إلا أنها تشير – ضمنياً – إلى أن خيرية الزمان (أو أهله) تسير باتجاه تناقصي.

لكن نسبة هذه الرواية للنبي هي التي توجب التوقف عندها للتأمل والتأويل. ولولا هذا لما توقف عندها أحد. في الحقيقة فإن هذه النسبة هي سبب الجدل حول ما سميناه «مبدأ» في أول المقال. لأن كثيراً من الناس يسألون مستنكرين: هل نسمع قول النبي ثم نمضي دون اكتراث؟

حسناً، دعنا نرتب النقاش، فنسأل أولاً عن معنى أن يكون زمان خيراً من زمان آخر، فالواضح أن المقصود به هو الناس. لكن ما معنى أن يكون أهل زمن خيراً من غيرهم؟ سوف نستعمل هنا المقاييس المادية المتعارفة عند البشر كافة، فهم يفضلون شريحة من الناس على غيرهم تبعاً لما عندهم من علم أو قوة اقتصادية أو بدنية أو سياسية، أو لما يملكون من فضائل روحية/أخلاقية، أو لما بذلوه من جهد في ظرف استثنائي.

ويظهر لي أن الخيرية المقصودة، صحيحة في الحالتين الأخيرتين فحسب. فالواضح أن أهل الأزمنة التالية، ولا سيما عصرنا الحاضر، أكثر علماً وقوة وثروة.

الفضائل الأخلاقية والإخلاص والاجتهاد في العمل تحسب لصاحبها وترفع منزلته. لكنها – بطبيعة الحال – لا تجعله أكثر علماً. حين نحتاج إلى دليل علمي، فلن نبحث عنه عند سابق أو لاحق، بل عند شخص متخصص في مجاله، سواء انتمى إلى عصر قديم أو جديد، وسواء كان مؤمناً أو لم يكن.

ينبغي أن أشير هنا لما ذكره المرحوم الدكتور محمد عابد الجابري عن ميل غالبية العرب، بصورة عفوية في الغالب، إلى اعتبار الماضي مخزناً للقيم العليا، وهو ميل ينطوي أحياناً على خلط للمعارف بالقيم، حيث نعد الشيء صحيحاً لأن زيداً من السلف قاله، ولعل زيداً هذا ليس من أهل العلم، أو لعلّ علمه لا يجاري علم أحد الأحياء. ربما كان زيد قوي الإيمان، ربما كان شجاعاً كريماً نبيل الخلق، فهل هذا يجعل رأيه في مسألة علمية، مقدماً على رأي المختص فيها؟

من هذا نعرف أن تفضيل أهل بلد، أو أهل زمان، أو أبناء مجتمع، على غيرهم، تقييمات شخصية وليست موضوعية، أي أنها لا ترجح رأيهم في قضايا العلم ولا تجعلها مساوية لرأي المختصين.

أظن أن هذا يوضح أيضاً سبب ترجيحنا لعلوم عصرنا على علوم الأولين، في العموم وليس التفصيل. وفحواه بإيجاز هو أن طبيعة العلم التوسع والتعمق بصورة تراكمية. كل زمن يضيف لبنة إلى بناء العلم، حتى يرتفع البناء ويتكامل. اكتشاف نواقص السابق هو الذي أطلق شرارة الاكتشاف الحاضر، ولولا اكتشاف النقص لما عرفنا الحاجة إلى علم جديد. فهل يعقل أن نعود إلى ما عرفنا نقصه، مع وجود الأكمل؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

حين تحوّل وزارة البيئة منصاتها إلى ساحة سجال ..

‎الغذاء والدواء: حبوب مونجارو المتداولة غير مجازة في الأردن

الاستقلال والسيادة المؤجلة: الأردن بين المديونية والمساعدات الخارجية وارتهان القرار السياسي

سنتكوم: إجبار 108 سفن على تغيير مسارها ضمن إجراءات حصار إيران

المنطقة العسكرية الشمالية تحبط محاولة تسلل 5 أشخاص

بنك التنمية الإفريقي يتوقع تباطؤ النمو بالقارة إلى 4.2 بالمئة في 2026

إسرائيل تعلن استهداف محمد عودة قائد القسام الجديد

موعد صلاة عيد الأضحى والمصلى الأقرب لك .. تفاصيل

الصين تأمل أن تتمكن أطراف النزاع في الشأن الإيراني من التوصل لحل وسط

ترامب بعد فحصه الطبي السنوي: صحتي “ممتازة”

7 شهداء بغارات إسرائيلية على غزة عشية عيد الأضحى

ترامب يختبر نفوذه مجددا في انتخابات تمهيدية بتكساس

بزشكيان: إيران مستعدة لاتفاق مشرف لإنهاء التوترات في المنطقة

منتخب إيران يواصل معسكره في أنطاليا استعدادا للمونديال

الملكة رانيا تهنئ بعيد الأضحى المبارك