قتيل أم شهيد؟

قتيل أم شهيد؟

22-02-2024 10:26 PM

العاملون في وسائل الإعلام يتناقشون بشكلٍ مستمر حول التسميات الصحيحة للأحداث والحالات التي تواجههم. السبب بسيطٌ؛ فكلُّ تسمية تحمل دلالاتٍ معينة تؤثر على القارئ أو المشاهد أو المستمع. ولكنَّ الجدلَ حول «قتيل أم شهيد» هو أسهلُها، ومع هذا فهو أكثرُ جدلٍ يثير غضبَ كثيرين في منطقتنا تحديداً، ولكنَّه لا يكاد يُسمع في وسائل الإعلام في دول أخرى ولا يستدعي حتى التفكير.

في الصحافة دورنا أن نعطي التوصيفَ الدقيقَ للحالة من دون أي إضافات دينية أو سياسية أو آيديولوجية، ولهذا عندما يقتل شخصٌ نصف الحادثة بأنَّها حادثة «قتل»، وبأنَّ الضحية «قتيل». هذا هو التوصيفُ الواضحُ والدقيق، ولكنَّ الاعتراضَ يأتي من طرف يقول لماذا لا يوصف بأنَّه «شهيد»؟ هنا ينتهي دورُ الصحافة ويبدأ دور رجل الدين الذي يرى في المقتول شهيداً أو لا، وليس دورنا نحن الصحافيين. فعلُ العكسِ سيجعلنا نلعب دوراً غيرَ دورنا وهذا خطأ. وقد يكون فعلاً المقتول شهيداً، بحسب المعنى الديني، ولكنَّ هذا ما يجب أن يُعلنَ عنه الدعاة أو الفقهاء لا الصحافيون. ولو فرضنا وذكرنا أنَّه شهيدٌ، فهل سيعني أنَّه فعلاً شهيدٌ؟ الأمر عند اللهِ تعالى فقط. بالطبع من حق أهل الضحية المكلومين أن يروا في ابنهم المقتولِ شهيداً، وكذلك الدولة التي ترى الجندي الذي قُتل في جبهة الحرب شهيداً، ولكنَّ الصحافة دورها أن تلتزمَ وصفَ الحادثة كما جرت في الواقع والبقية متروكة للآخرين، ولو فعلت العكس لفقدتِ البوصلة، ودخلت مساحاتٍ ليست من اختصاصها، واستخدمت صلاحيات لا تمتلكها ولا حتى تفهمها.

ثانياً: لا يقصد بوصف «القتيل» أي إساءة على الإطلاق، ولكنَّ عملَنا يتطلَّب منا ذلك. مثلما يقول الطبيب للشخص المراجع عنده «المريض». هل يعني أنَّه يسيء له؟ بالتأكيد لا، ولكنَّه يصف حالته الصحية. وهناك من يقولون لماذا لا تقولون وفاة وتخرجون من هذه الإشكالية؟ ولكنَّ الوفاة تعني الوفاة الطبيعية، وعندما أقول للشخص المقتول إنَّه توفي، فهذا يعني أنَّني أنقلُ معلومة مغلوطة للمشاهد، وعملنا الرئيسي يلتزم تقديمَ معلومة دقيقة وتوضيح الصورة وليس تشويشها. وهناك من يستخدم مصطلح «ارتقى» أي ارتقاء للسماء، وهذا أيضاً وصفٌ ملتبسٌ ويحمل دلالات دينية ليست من اختصاص الصحافة.

ثالثاً: وصف «قتيل» لا يحمل أي إساءة في معناه، فهو ببساطة توصيف لما جرى. ولا يتطلب أن نستدعي آياتٍ قرآنية أو أحاديثَ نبوية ذكرت القتل حتى عن الرسول الكريم، لأنَّه أمرٌ طبيعي ولا يستحق التفكير، لأنَّه عملياً لا يسيء ولا ينتقص بأي حال من الأحوال. الإشكالية المختلقة لدينا أنَّه تم شحن هذا المصطلح بدلالات سلبية جارحة لكرامة الميت، لدرجة أنَّنا نسينا معناه الأساسي وأصبح يفجر الغضبَ والحساسياتِ بلا داعي. أضف إلى ذلك أنَّ وسائل إعلام عديدة أصبحت تستخدم مصطلح «الشهادة» لأسبابٍ سياسية وآيديولوجية حتى اعتاد عليه الناس ونجّسوا مصطلح «القتل» وعدُّوه انتقاصاً من المقتول الذي يرتبطون معه في الدين أو العرق أو الوطن.

وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة: وهي استخدام وسائل الإعلام لمصطلح «شهيد» فهو يدخلها في إشكالية مهنية، لأنَّها خرجت عن المعايير الصحافية، وبعضها تفعل ذلك لأسباب لا علاقة لها بالمهنة. ولكن لو استخدمنا المنطق ذاته وافترضنا أنَّ قتالاً اندلع بين «فتح» و«حماس» (وقد حدث سابقاً)، فمن يكون الشهيد بينهما؟!

الصحيح أنَّنا نقول كلهم قتلى، ومن حق الطرفين أن يطلقوا على قتلاهم «شهداء!». الشيء ذاته يمكن تطبيقه على القتال الدائر بين الجيش السوداني والدعم السريع، ماذا نقول عن الضحايا من الطرفين؟ مرة أخرى التوصيف الصحيح «قتلى»، ومن حق ذويهم أن يطلقوا عليهم الألقاب التي يرونها ولا اعتراض على ذلك. والشيء نفسه يحدث في ليبيا واليمن وغيرهما. ولو تم استخدام «شهيد» فيجب أن يعتمد في كل الحروب والنزاعات والصراعات وليس عملية انتقائية. وهذا ما لا تستخدمه وسائل إعلام تسمي الضحايا على يد القوات الإسرائيلية «شهداء»، ولكن عندما تقتلهم الميليشيات في سوريا، أو العراق، أو «حزب الله»، أو «القاعدة»، يتحولون إلى «قتلى»، رغم أن الجميع أبرياء مدنيون قتلوا ظلماً بطريقة مرعبة ووحشية. مرة أخرى، القتل توصيف وليس حكماً أخلاقياً على المقتول ولا تبرئة للقاتل، وبعض الصحافيين يرون أن هؤلاء القتلى الأبرياء شهداء ويتألمون لمصيرهم، ولكن إذا ارتدوا قبعة الصحافي يمارسون عملهم بناء على معايير محددة، مثل الطبيب الذي يزيح مشاعره قبل دخول غرفة العمليات، ورغم أنَّ الفكرة بسيطة ولا تحتاج لتوضيح، فإنها تثير بشكل مؤسف غضب البعض، وهذا أيضاً مفهوم لأنَّ المشاعرَ تغلي في حالات القتل، ومفهوم أيضاً أنَّ المصدومين يبحثون عن مكان لأحبابهم في الجنة حتى يشعروا بالاطمئنان ويسعى البعض ليجد كبش فداء يفرغ فيه غضبه ولا يرى أمامه، لسوء حظنا، إلا غيرنا – العاملين - في الإعلام. والصحافيون لا يتعمدون أي إساءة أو انتقاص أو إهانة، ولكنَّهم في النهاية يقومون بعملهم حسب التقاليد والأصول التي تعلّموها. من مصلحة الجميع أن يحصلَ على المعلومة الدقيقة والوصف الصحيح والإخلال بهذه الشروط مضر، لأنَّ المجتمع يحتاج إلى مصادر موثوقة للمعلومة الدقيقة وسط سيل من الأخبار الزائفة الذي يجتاحنا من كل مكان. وهذا ما يلتزمه الصحافيون، فاتركوهم يقومون بعملهم كما يعرفونه.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مجلس النواب: التصعيد في الضفة يجسد إرهاب الاحتلال

سميرات: المرحلة المقبلة ستشهد مواصلة تطوير الخدمات عبر تطبيق سند

مهرجان العسل الأردني حقق مبيعات بقيمة 140 ألف دينار

رويترز: مقترح عُماني لإيران بشأن مضيق هرمز يحظى بدعم إقليمي

واشنطن تؤكد عقد محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل في روما

عراقجي يبحث أمن مضيق هرمز مع نظيريه السعودي والعماني

الجيش يسقط طائرة مسيّرة في الصحراء الشرقية بعد اختراقها الأجواء الأردنية

الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار والأنظار تتجه لاجتماع الاحتياطي الاتحادي

النفط يواصل انخفاضه مع توقف الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران

‏نجوم الأغنية الأردنية يحيون أمسية غنائية ضمن فعاليات مهرجان جرش

نتنياهو في واشنطن للقاء ترامب لأول مرة منذ بدء الحرب مع إيران

مجلس النواب يناقش اليوم معدّل قانون الملكية العقارية

الولايات المتحدة تبدأ مراجعة وجودها العسكري في أوروبا

طقس صيفي حتى الخميس وحار الجمعة

تصعيد متواصل في الضفة .. اقتحامات إسرائيلية وهجمات للمستوطنين

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

إيقاف القسائم البلاستيكية .. مهم بشأن رخص القيادة والمركبات

تدهورت صحته وضعف بصره .. فنان مصري يعتزل التمثيل

اتحاد منتجي الدواجن: نظام "الطيبات" يفاقم خسائر القطاع في مصر