لا تصفقوا للميليشيات

لا تصفقوا للميليشيات

09-03-2024 05:37 PM

ليس هناك أدنى شك بأن «الدولة» من أعظم اختراعات العقل البشري عبر التاريخ، ولولا ذلك الاختراع العظيم لبقي العالم مجرد غابات وأدغال تحكمها عصابات متوحشة.
وبينما تُطور الشعوب مفهوم الدولة باستمرار ليتماشى مع التقدم البشري، نرى في العالم العربي نكوصاً مستمراً نحو مرحلة ما قبل الدولة بكل تخلفها وانحطاطها، وأكبر دليل على ذلك أننا تركنا الحبل على الغارب لميليشيات منحطة تتحكم بمصير بلدان وشعوب عربية عديدة في اليمن ولبنان والعراق وسوريا وليبيا والسودان. كم هم سخفاء ومغفلون أولئك الذين يصفقون للميليشيات بحجة أنها ترفع شعارات المقاومة والتصدي للأعداء أو تتمرد على هذا النظام أو ذاك، بينما هي في الواقع ألد أعداء الشعوب والأوطان بحكم عقليتها وتكوينها وبدائيتها وتخلفها، مهما رفعت من شعارات وعنتريات، لأنها أكبر وصمة عار في جبين بلادنا ومؤشر خطير على مدى الانحطاط السياسي الذي وصلنا إليه. ولا ننسى أن أسوأ دولة في العالم تبقى أفضل من حكم الميليشيات.
هل ثار الشعب اليمني على نظام علي عبد الله صالح مثلاً كي يسقط في براثن عصابات كانت تقاتل النظام منذ عقود ثم تمكنت لاحقاً بدعم إيران وأمريكا وإسرائيل والغرب عموماً من رقبة اليمن؟ هل هذا ما ثار اليمنيون من أجله، أن ينتقلوا من تحت الدلفة إلى تحت المزراب؟ أليس وضعهم اليوم كوضع المستجير من الرمضاء بالنار؟ من المستفيد من ميليشيا الحوثي اليوم في اليمن سوى القوى الإقليمية والدولية التي تستثمر بخراب اليمن وآلام شعبه لنهب ثرواته وتفتيته واستغلاله لمصالحها الخاصة، بينما يعيش أصحاب الأرض أنفسهم في جحيم لا يطاق على كل الأصعدة؟ ألا يستحق الشعب اليمني اليوم بعد التضحيات الجسام التي قدمها على مدى السنوات الماضية نظاماً سياسياً حضارياً ينتشل البلاد من قبضة العصابات المارقة التي تعمل بوظيفة مرتزقة وقطاع طرق لصالح مشغليها في الخارج؟ ماذا تمتلك تلك الميليشيات في اليمن من عقلية الدولة؟ لا شيء مطلقاً، وهي نافعة فقط لكل أعداء اليمن. نعم هناك قوى مختلفة تتكالب على البلاد، لكن هل تعتقدون أن الحل يكمن في تسليم اليمن لميليشيا متخلفة والتصفيق لعنترياتها السخيفة؟ متى تدركون أن المتكالبين على اليمن يجدون في الميليشيات الحاكمة أكبر استثمار، وهم مستعدون أن يدعموها لعقود وعقود لأنها تسهل لهم نهب اليمن وتقسيمه والتنكيل بشعبه؟ هل تصدقون أن أمريكا وأوروبا يخشون من الحوثي، أم هم أكبر الداعمين له من وراء الستار؟ قبل أن تنخدعوا بشعارات الدعم الحوثي لفلسطين، فتشوا في خفاياها، فستجدون أن أكبر مستفيد من مسرحيات الحوثي وداعميه ليسوا الفلسطينيين ولا اليمنيين.
ماذا استفاد لبنان الذي كان بمثابة سويسرا الشرق بدوره من حكم الميليشيا؟ ألم تتحول بيروت عروسة المدائن في ظل حكم الميليشيا إلى أكبر مزبلة في الشرق الأوسط؟ هل هذا يزعج أعداء لبنان أم أنهم سعيدون جداً بحكم ما يسمى (المقاومة) التي حولت لبنان إلى دولة فاشلة على كل الأصعدة بعد أن كان منارة ثقافية وإعلامية ومالية وحضارية تخشاها إسرائيل؟
انظروا وضع العراق بعد أن سقط في براثن الميليشيات الطائفية؟ لقد تقسم إلى ملل ونحل وصارت بغداد في عهد الميليشيات أوسخ عاصمة في العالم بشهادة الأمم المتحدة. كما صار العراق نفسه مضرباً للمثل في الفساد والدولة الفاشلة، وبات ملايين العراقيين يتحسرون على أيام الديكتاتورية الخوالي لأنه على الأقل كان هناك دولة وليست عصابات ميليشياوية عميلة للخارج كالتي تحكم العراق اليوم وتتحكم بموارده وشعبه المكلوم.
صحيح أن في سوريا بقايا دولة مهترئة مفلسة تحكمها عدة عصابات، إلا أن اليد الطولى اليوم للميليشيات الإيرانية التي تتغلغل في كل مفاصل البلاد، ويزيد عددها عن مائة ميليشيا تعيث خراباً وفساداً فيما تبقى من سوريا. وقد شاهدنا في الآونة الأخيرة عدد قادة العصابات الذين اصطادتهم إسرائيل في أكثر من منطقة بسوريا.
وبدورها لم تسلم ليبيا من حكم العصابات والميليشيات المرتزقة في الشرق والغرب، ومعظمها يعمل لصالح قوى خارجية تنهش الجسد الليبي، مما يجعل شبه الدولة التي كان يديرها القذافي قبل سقوطه حلماً للعديد من الليبيين بعد أن أصبحت الميليشيات تحاصرهم وتنكل بها وتستبيح البلاد والعباد من كل حدب وصوب.
وقد شاهدنا ماذا حصل للسودان في الأشهر الماضية بسبب ترك الحبل على الغارب لميليشيا الدعم السريع التي كان يستخدمها النظام للأعمال القذرة والسيطرة على البلاد. انظروا كيف نمت ثم تمردت على الدولة ودخلت في صراع خطير مع الجيش، فشردت ملايين السودانيين وقتلت الآلاف، وأحرقت الأخضر واليابس في السودان، وهي مرشحة اليوم للسيطرة على البلاد بعد أن أصبح العديد من الدول يتعامل مع زعيمها كحاكم بدل قائد عصابة.
هل لدى الميليشيات التي تتحكم برقاب الشعوب اليوم مشاريع وطنية، أم إنها مجرد أدوات في أيدي مشغليها لتحقيق مشاريع خارجية، وليذهب الداخل إلى الجحيم؟ ألم يقل حسن نصرالله ذات يوم بعظمة لسانه إنه: «جندي في جيش الولي الفقيه»؟ وهكذا الأمر بالنسبة لبقية الميليشيات التي تتاجر بمآسي بلدانها خدمة لكفلائها في الخارج؟


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

فريق كفرنجة بطلا لدوري تحت سن 16 لكرة اليد

زيلينسكي يزور بريطانيا لإجراء محادثات مع ستارمر وماكرون وميرتس

23 اقتحاما للأقصى ومنع رفع الأذان بالمسجد الإبراهيمي 74 مرة في مايو

الكويت تقدم رسالة احتجاج ثانية إلى "الطيران المدني الدولي" ضد إيران

غزة: مغادرة 30 مريضا و51 مرافقا لتلقي العلاج خارج قطاع غزة عبر رفح

أوبك+ ترفع إنتاج النفط في يوليو 188 ألف برميل يوميا

البيروفيون يختارون رئيسهم للمرة التاسعة خلال عقد

24 مليون دينار قروض زراعية منذ بداية العام وحتى نهاية أيار

الأستاذ عمر القضاة .. مبارك التخرج

إغلاق جزئي لنفق الشميساني لتركيب وحدات إنارة ذكية (LED)

ترامب: لن أرفع تجميد الأصول الإيرانية قبل إبرام اتفاق

بحث الإجراءات المتخذة لخصخصة قطاع إدارة النفايات الصلبة في إقليم الشمال

إرادة ملكية بترفيع عدد من ضباط الجيش والأجهزة الأمنية .. أسماء

نقابة الفنانين: قرابة 300 فنان يشاركون في فعاليات النقابة

البيئة وأورنج الأردن تنفذان مبادرة تطوعية بمناسبة يوم البيئة العالمي