الجزر المحتلة ومشاريع الهيمنة

الجزر المحتلة ومشاريع الهيمنة

23-06-2025 12:33 AM

في زمن تتكاثر فيه الشعارات الرنانة عن "المقاومة" و"الصمود" و"الممانعة"، وتُرفع فيه رايات الدفاع عن الأمة وقضاياها، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة على جدران الصمت الانتقائي والمواقف مزدوجة المعايير.

أحد هذه الأسئلة، وربما أكثرها وضوحًا وإحراجًا، يتعلق بجزر الإمارات العربية المتحدة الثلاث المحتلة من قبل إيران: أبو موسى، طنب الكبرى، وطنب الصغرى.

الجغرافيا لا تنسى

تعود جذور النزاع حول هذه الجزر إلى عام 1971، عندما انسحبت القوات البريطانية من الخليج العربي، فسارعت إيران، بقيادة الشاه آنذاك، إلى احتلال الجزر الثلاث عشية إعلان استقلال دولة الإمارات. ومنذ ذلك الحين، تمارس طهران سيادتها المفروضة على هذه الأراضي، رافضة أي حل تفاوضي أو تحكيم دولي، في تجاهل صارخ لمبادئ حسن الجوار وميثاق الأمم المتحدة.

تُصر دولة الإمارات على أن هذه الجزر جزء لا يتجزأ من أراضيها، وتطالب باستعادتها عبر السبل السلمية، بينما يُصر جيرانها في الشمال على التعامل مع الجغرافيا وكأنها ملكية خاصة، وليست حقًا تاريخيًا لشعب ودولة ذات سيادة.

يتصدّر الخطاب الإيراني في المنطقة شعارات المقاومة والدفاع عن المستضعفين، ويرفع رايات الدفاع عن القضايا العربية، من فلسطين إلى اليمن. ولكن، إذا كانت طهران صادقة في هذا التوجه، فلماذا لا تبدأ أولًا بتصحيح ما بين يديها؟ لماذا لا تبادر بانسحاب واضح وصريح من الجزر الإماراتية كبادرة حسن نية تجاه العرب والمسلمين؟

إن هذا الاحتلال الصامت لا ينسجم بأي حال مع خطاب دعم حقوق الشعوب، ولا مع دعوات احترام السيادة، التي كثيرًا ما تُكرَّر في المنابر والمحافل الدولية.

العراق ولبنان واليمن… متى تتركون الشعوب تُقرر؟

يتكرر المشهد ذاته في بلدان عربية أخرى، حيث تتداخل السياسات الإيرانية في القرار السيادي لدول مثل العراق، ولبنان، واليمن. وليس من باب المبالغة القول إن هذه التدخلات تعمّق الأزمات وتطيل أمد الصراعات. فكيف يمكن الحديث عن دعم الاستقرار، بينما تُسند المليشيات وتُغذى الانقسامات الطائفية وتُدار الدول بالوكالة؟

الازدواجية لا تقف عند حدود التدخل السياسي، بل تمتد إلى الداخل الإيراني ذاته. ففي الوقت الذي تتمتع فيه قوميات كالأكراد في العراق بالحكم الذاتي، يُحرم العرب الأحواز – وهم أصحاب أرض وتاريخ وهوية – من أبسط حقوقهم الثقافية والسياسية. تُفرض عليهم القيود في التعليم والإعلام، وتُقمع لغتهم وتُختزل هويتهم، وكأن حقوق الإنسان تُمنح بالتجزئة، وفق الجغرافيا والانتماء.

ليست إيران وحدها التي تحاول إعادة رسم خرائط النفوذ، فهناك أيضًا مشاريع إقليمية أخرى من دول كتركيا، تُروَّج تحت مسميات عثمانية جديدة، ومشاريع اقتصادية صاعدة من قِبل الصين، تمرّر عبر "طريق الحرير" ولكن بأثمان سياسية لاحقًا.

كلها، رغم اختلاف أدواتها، تشترك في محاولة إخضاع القرار العربي وإضعاف الدولة الوطنية، تحت شعارات التنمية أو الأخوة أو المقاومة.

لقد آن الأوان لأن تخرج الأمة العربية من دائرة التبعية لمشاريع غير عربية، ترتدي عباءات مذهبية أو قومية أو اقتصادية. وآن أوان التصدي الصريح لكل أشكال الهيمنة، أكانت إيرانية أم تركية أم غيرها، وإعادة بناء خطاب عربي مستقل، قائم على السيادة الوطنية والمصالح المشتركة لا على الانخراط في حروب بالوكالة أو خنادق الآخرين.



احتلال الجزر الإماراتية الثلاث ليس مسألة إماراتية فقط، بل هو قضية عربية بامتياز، واختبار حقيقي لصدق الشعارات.
فمن أراد أن يكون صادقًا في مقاومته، فليبدأ بإزالة احتلاله، ومن أراد أن يدافع عن كرامة الأمة، فليتركها تقرر مصيرها دون وصاية.

فالكرامة لا تتجزأ، والسيادة لا تُقسم، وحقوق الشعوب لا تُمنح مشروطة بولاءات ومصالح خارجية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

وفاة بلوغر بعد سقوطها من الطابق الـ27 في دبي .. صورة

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف