الحقْ بأنفي من فضلك
13-09-2025 12:37 AM
الكل يعاني بلا شك، والمعاناة تتفاوت من شخص لآخر ومن طبقة لأخرى. وبسبب تلك المعاناة، تنتاب الأفراد كوابيس كثيرة، قد تكون من محض الخيال أو مشتقَّة من الواقع الذي يحسبه الفرد أليماً ولا يراعي متطلَّباته. قد يستهين البعض بما ينتاب الآخر من هواجس، بل وحتى قد يقلل من أهميتها، لكن المتَّفق عليه أنه لا يوجد فرد واحد على مرّ الزمان أراد أن يبدل مصيبته بمصيبة أي شخص آخر؛ وهذا لأن كل واحد قد علم الطريقة المُثلى للتعامل مع ابتلائه.
بيد أنَّ المصيبة التي تُرعب الجميع بلا استثناء هي تلك التي تصيب الصحة أو الحالة الجسدية. وبالرغم من هذا، قد يعتاد الفرد والمجتمع على وجود ذاك الابتلاء أيضًا. ومع ظهور مسرح اللامعقول Theatre of the Absurd في خمسينيات القرن الماضي، عمد الكتاب على إثارة الضحك على المصائب مع الارتعاد خوفًا من الكوابيس التي لا يمكن الخلاص أو حتى الفرار منها، ولو للحظات، كما قدَّمت مسرحيات «جون جينيه» Jean Genet و«يوجين يونسكو» Eugene Ionesco، وغيرهما من كتَّاب مسرح اللامعقول ومسرح القسوة Theatre of Cruelty.
وقد يظنّ البعض أن «فرانس كافكا» Franz Kafka هو من أرسى دعائم ذاك اللون الأدبي، وينظر إلى جميع أعماله التي تدور في فلك هذا الإطار، وبالأخصّ قصَّته القصيرة «التحوُّل»Metamorphosis على أساس أنها نقطة الانطلاق الحقيقية لمسرح اللامعقول وتوابعه، وهذا لتوافر عنصر الفكاهة الممزوج بالرعب الناجم من وضع كابوسي والسخرية من وضع الإنسان داخل مجتمعه. فعلى سبيل المثال، في قصة «التحوُّل» يصحو فرد من نومه فيجد نفسه قد تحوَّل إلى «صرصار»، ثم يسهب «كافكا» في وصف معاناة الفرد ومحاولاته غير المُجدية للتأقلم مع واقعه الجديد المرير.
وبالبحث أكثر في أعماق الأدب العالمي، يُلاحظ أن احتفاء العالم بما تركه «كافكا» من ميراث أدبي فريد يعزى الفضل فيه لمعلِّمه الذي أثرى خياله وخيال كتَّاب وفنانين كُثر ذاع صيتهم في دول مختلفة من العالم، وهذا المعلِّم هو الكاتب الروسي النابغة «نيكولاي جوجول» Nicholai Gogol (1809-1852) الذي كان سوء الحظ رفيق الدرب له، وكانت نهايته في ريعان شبابه أيضًا أكثر مأساوية من «كافكا». ولعل أبلغ دليل على سوء حظّه هو عدم اكتشاف ريادته لهذا الفن لقرون عديدة، ما أفسح المجال لجاره التشيكي «كافكا» لأن ينتشر على نطاق عالمي؛ ويعزى ذلك لأن «كافكا» كان إنتاجه الأدبي مكتوبًا باللغة الألمانية، والتي كانت ترجمتها للإنجليزية والفرنسية أكثر تداولًا، لحد بعيد، من اللغة الروسية التي كتب بها «جوجول» أعماله.
وواحدة من أشهر أعمال «نيكولاي جوجول» التي تلقَّفها المجتمع الدولي عند ترجمتها، ناهيك عن الاحتفاء الكبير بها عندما قدَّمها في روسيا القيصرية عام 1836 كانت قصَّته القصيرة «الأنف» Hoc (باللغة الروسية)، والتي أعيد تقديمها في روسيا في شكل أوبرا عام 1930، وتناقلت بين عواصم ودول العالم أجمع، فقدَّموها في شكل أفلام قصيرة وأفلام طويلة ومسرحيات، ومؤخَّرًا في شكل فيلم كارتون عام 2020. أضف إلى ذلك أن القصة تم تحويلها إلى مسرحية موسيقية فازت بجائزة «جرامي» Grammy عام 1990. ومن أهم الأسباب لهذا الاحتفاء العالمي لمجرَّد قصَّة قصيرة هو أنها ترقى لخليط غير مألوف من الأجناس الأدبية مع عبقرية مفرطة في الأسلوب السردي، وأضف إلى كل هذا أنها تمزج بين أسس مسرح اللامعقول والجنس الأدبي الذي يسمَّى «كوميديا من أجل الكوميديا» أو ما يطلق عليه أيضًا «كوميديا الفارس».
ولنقد المجتمع الروسي في ذاك الوقت بقسوة مفرطة، لم يلجأ «جوجول» إلى الرمزية الكابوسية التي تجعل القلوب تقطر دمًا، كما في قصته القصيرة «المعطف»، بل إنه وظَّف الرمزية ودمجها بعنصر اللامعقول الغريب Grotesque لكي يجعل المُشاهد والقارئ يضحك ويستمتع. وفي الوقت نفسه، يفكِّر في المغزى الحقيقي للقصَّة التي تشبه الكابوس. وعلى الجانب الآخر، يقف الكاتب بعيدًا عن سير الأحداث ويترك التعليق بضمير الغائب على الأحداث أو شرح المواقف إلى راوي القصة، إلَّا أنَّ «جوجول» من وقت يطل في بعض الأحيان بكونه الكاتب ليعلِّق بسخرية على المواقف.
والقصَّة تقع في ثلاثة أجزاء، وتدور حول الشخصية المحورية في الأحداث الرائد «كوفاليوف» Major Kovalayov الذي يستيقظ من نومه يومًا ليجد أن أنفه غير موجود في وجهه. والأغرب من هذا، أن البطل الضد في القصة هو الأنف ذاته.
والجزء الأوَّل من القصة يلقي الضوء على حلَّاق يصحو بعد ليلة عاقر فيها الخمر ولا يتذكَّر ما حدث له فيها، وعند تقديم زوجته الفطور له، يهم بفتح الخبز الطازج، لكي يجد أنفًا بداخل الرغيف. دون أدنى شك، ترتعد الزوجة من وجودها، وتصرّ على وجوب تخلُّص زوجها من ذلك الأنف بأقصى سرعة. وفي ذاك الوقت، يذهب الزوج إلى النهر ليلقي بالأنف، لكن يقبض عليه شرطي بعد إلقاء الأنف؛ لرغبة الشرطي في معرفة ماذا ألقى هذا الرجل في النهر.
وفي الجزء الثَّاني من القصة، يستيقظ الشاب المغرور «كوفاليوف» الذي يشغل رتبة مدنية لتقييم الأمور وترجمتها «المُقَيِّم الجامع»، لكنه يفضل أن يناديه الآخرون بالرتبة التي تقابلها في الحياة العسكرية، ألا وهي «رائد»، ويعزى السبب لأن الرُّتب العسكرية أرقى من نظيرتها المدنية وتنقل الفرد لمكانة اجتماعية أفضل. وهنا ينتقد «جوجول» وضع عامة الشعب الذين فتح لهم الإمبراطور الرَّاقي «بطرس العظيم» الارتقاء في الحياة العسكرية والتمتُّع بالرتب التي كانت فيما سبق لا يمكن منحها إلَّا لطبقة النبلاء، وهذا على سبيل تحقيق المساواة بين جميع أفراد الشعب. لكن ما حدث أن من تمتَّع بتلك الرُّتب أصابه الجشع المصحوب بالغرور والتعالي على الآخرين. ويوضِّح «جوجول» هذا في سلوك «كوفاليوف» مع الحلَّاق الذي كان يكيل له السُّباب، ولم يدافع الرجل عن نفسه أو حتى يُظهر أمارات الامتعاض. وتظهر الجوانب الأخرى من شخصية «كوفاليوف» السيئة عند تعامله مع النساء الذين ينعتهم بالساقطات، وعلاقته معهم أنه لا ينفك عن ملاحقتهم ويرغب في أن يصطحب كل من يغازلها إلى منزله. أضف إلى هذا كله، أن هدفه الأوحد هو الإيقاع بامرأة ثرية في حبائله ليتزوَّجها ويحظى بمكانة اجتماعية أكبر.
لكن صدمته المفجعة يتلقَّاها عندما يستيقظ من نومه ولا يجد أنفه عندما ينظر لوجهه في المرآة، وحينها يبدأ بنعي اختفاءه، لا يهمه في الأمر إلَّا أن أنفه كان جميلاً ويكمل بهاء طلَّته التي يغوي بها الفتيات. ولهذا السبب يقرر أن يبحث عنها. وبعد أن يغطي وجهه بمنديل حتى لا يظهر نقصه، يذهب لقسم الشرطة ليبلغ عن أنفه المفقود، فيطرده الضابط. فيتوجَّه لصحيفة لينشر إعلاناً عن ضياع أنفه، لكن الموظف يرفض لغرابة الموضوع. وعند النزول للشارع مرَّة أخرى، يجد «كوفاليوف» أنفه يمر من أمامه وهو في طريقه للدخول إلى الكنيسة لتأدية الصلوات، لكنه يخشى الاقتراب منه لأنه يرتدي بزَّة عسكرية لرتبة تفوق رتبته. ولا تقف غرابة الأمر عند هذا الحد، فالأنف يكبر ويصغر حسب المواقف، ويتخفَّى أيضًا في صورة طبيب. وحتى عندما يقبض رجل البوليس عليها، لا يستطيع الطبيب لصقه مرَّة أخرى في وجه «كوفاليوف»، وأخيرًا، ينصحه بالتخلِّي عنه ويعرض عليه شراءه بمبلغ مُرض.
وفي تلك الأثناء، يحاول أيضًا «جوجول» تحويل غياب الأنف إلى كابوس مُزعج، وخاصة عندما يُقدَّم العُطاس إلى «كوفاليوف» ولا يستطيع استنشاقه لغياب أنفه.
وتستمر الأحداث على ذاك المنوال اللامعقول والغريب، إلى أن يفتح الجزء الثالث من القصَّة على «كوفاليوف» الذي يستيقظ ليجد أنفه في محلَّه ويعلم أن كل ما مرّ به كان مجرَّد حلم. ونهاية القصة، كان مذكورًا في عنوان القصة كلمة «Hoc» بعبقرية، التي إذا تمت قراءتها بطريقة عكسية «Coh» تعني «حلم»، بالطبع باللغة الروسية.
ولقد اختار «جوجول» الأنف لأنه في الثقافة الروسية، والعديد من الثقافات، رمزًا للتعالي والتكبُّر وكذلك الكرامة. وأمَّا أحداث الرواية، فهو يقصد بها إلقاء الضوء على التفاهة التي صارت نهجًا في المجتمع الروسي في ذاك الوقت، وكيف يعمل الموظفون الحكوميون على استغلال مناصبهم في قهر عامة الشعب.
لقد كان «جوجول» يردد دائمًا: «لا جدوى من إلقاء اللوم على المرآة إذا كان وجهك قبيحًا». ويقصد أنه لا يجب إلقاء كل اللوم على الظروف والمجتمع، فيجب على الفرد أوَّلًا أن يصلح من نفسه. والسبب الحقيقي في تقديمه الكوميديا المفرطة الممزوجة بالغريب واللامعقول هو إيمانه بأن «التمعُّن في التفكير الحذر في القصص التي تثير الضحك يجعل الفرد يُدرك أنها تثير الشعور بالحزن»، وهذا ما يستهدفه «جوجول» عندما يمتع قارئه، ثم يطلق له عنان أفكاره لنقد الأمور غير السوية في المجتمع.
الأعمال العبقرية والكتَّاب الموهوبون لا تموت أعمالهم مهما تغيَّرت الظروف وتوالت الأزمنة، ولقد استطاع «جوجول» أن يحفر لنفسه تلك المكانة، ولا تزال قصته تحذِّر العالم من هجرة الأنوف.
الأردن وقطر والخليج في موقف واحد بعد استهداف السعودية
بعد مصادقة الملك .. نشر قانون معدل للملكية العقارية
نقابة الصحفيين و"أبو غزالة" توثقان التعاون في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي
بوتين يطالب بتمثيل أكبر لآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في مجلس الأمن
تمكين المزارعات في الأغوار الجنوبيّة .. تفاصيل
سكنٌ للمواطن حلم .. وللغريب استثمار
الجيش اليمني يستهدف شاحنات حوثية محملة بالصواريخ
بزشكيان يطالب دول بريكس بمواجهة العقوبات الأمريكية على إيران
الصفدي ونظيره القطري يبحثان عدداً من القضايا الإقليمية
وقف دوام السبت في 6 مكاتب بعمّان
الأردن والسعودية يدعمان جهود إنهاء التصعيد بالمنطقة
ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال
هو الذي رأى اهوال الحكاية فيما لم يرو لا فيما سمعنا او رأينا
إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث
إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً
تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة
حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم
إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو
جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل
إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته
فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها
من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو
بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ
القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم
إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي
بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات
من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله
مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات