محمد حربي/ الجندي الأخير في معركة الحقّ

محمد حربي/ الجندي الأخير في معركة الحقّ

07-01-2026 01:31 AM

قد يبدو العنوان مستفزاً قليلاً وكأن الجزائر خلت من جند الحق تاريخياً، لكن القصد هو أن المؤرخ والمناضل الكبير محمد حربي ذهب وراء قناعاته حتى النهاية، بالقياس إلى أبناء جيله، لم ينتظر أي شيء من الدولة؛ عندما نرى كيف يتم العبث بالتاريخ الوطني وزجه في مثالية غير صحيحة، أو في مظلمة تنزع للجزائري حقه في تاريخه، كان حربي من الجيل الذي رفض هذا التعليب والانغلاق في دوائر تضع الموضوعية خارج مدارات المناقشة والتأمل. كل تاريخ كيفما كان ليس مطلقاً، فهو معرض للتغيرات وفق المستجدات الوثائقية. مثال بسيط عن مقتل المناضل عبان رمضان، قدمت عنه سردية مثالية في الجهاد وفي الإيثار لإنقاذ رفاقه قبل أن يكتشف الجميع، من خلال شهادات الفاعلين الحقيقيين، الحقيقة المرة، وهي أن السردية كلها مغلوطة، وأن عبان رمضان قتل من طرف رفاقه بسبب خلافات حول توجه الثورة في فترة حرجة. وهذا يحدث في كل الثورات. ألم يعدم روبيسبيير أكثر رفاقه وفاء وتضحية في فترة الثورة الفرنسية، دانتون؟ ليجهز البرلمان البورجوازي في وقت لاحق على روبيسبيير نفسه، ويعدم بنفس الطريقة التي قتل بها رفيقه: المقصلة. لا يوجد تاريخ مطلق، ولكن يوجد تلاعب بالتاريخ لخدمة المصالح. محمد حربي وضع نفسه خارج هذه المدارات وأولى اهتماماته القصوى لجمع هذا الميراث العظيم ومحاولة فهمه. من هذا الباب، فهم شخصية كبيرة ولها أعداء كثر من طرف سدنة التاريخ، سوى أنهم لا يستطيعون المراوغة معه أو اللعب في ميدانه التاريخي، فقد كان ثورياً حاملاً للسلاح، وكان من بين العاملين مع كريم بلقاسم، الذي يعدّ مهندس اتفاقيات إيفيان والذي أدى إلى استقلال الجزائر. كان يؤمن بالتحول الديمقراطي خارج الانقلابات، وأنه يمكن تكوين نموذج عربي في الإدارة السياسية، ووجد في ابن بيلا أهم رفيق، فعمل في ديوانه.
محمد حربي شخصية كبيرة لم تدرك قيمتها، لا تحتاج إلى تقديم. يظل واحداً من أهم مؤرخي للثورة الجزائرية، وأكثرهم عمقاً. توفي عن عمر ناهز 93 سمة (ولد بسكيكة في 1933) بسبب التهاب رئوي حفر فيه عميقاً منذ أيام السجن والعزلة والمطاردة. عانى من العزل والنسيان الرسميين. لم يحظ بأي دعوة رسمية ولا أي تكريم على الرغم من مناسبتي الثورة والاستقلال المتكررة سنوياً، أو كان يمكن للدولة أن تقوم بمبادرة ما تجاهه، لكن ذلك لم يحدث. توفي في الصمت الكلي وكأن وجوده حياً كان يزعج. يا للأسف، المثل الشعبي ما يزال قائماً: كي كان شوقوه في تمرة/ كي مات علقوا لو عرجون. (عندما كان حياً اشتاق إلى تمرة، وعندما مات علقوا له عرجون تمر).
على الرغم من قسوة المنفى الباريسي، ظل مؤرخاً صادقاً، وكثيراً ما تناقض مع الخطاب الرسمي في تأويلاته التاريخية. كان من رواد الموضوعية التاريخية التي تعتمد على الوثيقة التاريخية وإيصال الحقيقة للجمهور الذي يريد خطاباً آخر، غير ذلك المتداول الذي كثيراً ما صنع بطولات من ورق. وما كشفته وزارة المجاهدين في السنوات الأخيرة من تزوير، دليل على أن البلاد كانت في حاجة إلى طريق آخر غير الذي سلكته.
يوم زرته في بيته في باريس مع الدكتورة زينب لعوج، كان متعباً صحياً. سألته سؤالاً بسيطاً: كيفك أستاذنا محمد؟ صمت قليلاً، ثم قال وهو ينطق الكلمات بصعوبة: لست على ما يرام. راكمت من السنوات الماضية أمراضاً لا تحصى، من الأحسن ألا نذكرها، منها أكبر كارثة: قصور البصر. مخاطره الكبرى أنه يمنعني من الكتابة، من الخروج لرؤية العالم، من الحديث مع الأشياء ورؤية وجوه الذين نحبهم. الكثيرون يلومونني أنني لم أعد أكتب. تخيل شخصاً تنزع يديه ثم تسأله لماذا لا تكتب؟ الماضي فقد كتبته كمؤرخ بغض النظر كل شيء. أنا مؤرخ ولست سياسياً بالمعنى التقليدي. وظيفتي أن أكون صادقاً فيما أقوله بعد اختباره. في ظل الوسائط الاجتماعية الحديثة، تحتاج إلى جهود كبيرة للإقناع. مسؤولية المؤرخ أكبر من مسؤولية الحاكم. الحاكم يأتي ويمضي وقد لا نتذكر حتى اسمه بعد نصف قرن، بالخصوص إذا كان مكروهاً، أما المؤرخ فيبقى أبداً؛ لأنه يتعامل مع مادة قد يشكل هو مرجعها الوحيد أو الأقدم. انظر المؤرخين الذين لا بديل لهم إنسانياً: تيت لايف Tite Lve الذي روى تاريخ روما وحروبها، أو الإغريقي هيرودوت Herodote ، أبو التاريخ، الذي روى التاريخ من خلال رحلاته، مثلاً. من ينكرهما؟ من يتذكر الحكام في زمانهما؟ ندين اليوم بالكثير من المعلومات لما خلفاه وراءهما. بعد القهوة التي حضرتها زينب، سألته عن ثقل المنفى، فقال: المنفى مثل المرض العضال، لا خيار لنا أمامه سوى الإيمان بأننا سنشفى منه يوماً ما. علينا تحمله والعمل على تخطيه أو تخفيف آلامه. هو محنة قاسية، لكننا يمكن أن نتحكم في هذه المحنة بمواصلة العمل بكل الطاقة التي نملكها. رفضت انقلاب بومدين في 1965. وربما كان الأشد توريطاً لنا هو تأسيس المنظمة الشعبية للمقاومة، فقد كنا نرى فيه انقلاباً على الشرعية وعلى الحكومة المدينة، ويبدو لي أن البلاد صارت في الطريق الغلط منذ ذلك الوقت؛ فقد تم توريط الجيش في الحكم وكان بإمكانه أن يظل في منأى عن الصراعات السياسية. طبعاً، كان من نتيجة ذلك السجن والإقامة الجبرية بمنطقة الصحراء، الجنوب الجزائري. في 1973 غادرت البلاد نهائياً، لم يعد لي مكان في ظل الشعبوية التي لم تفد البلاد في شيء، بل انتهت إلى مافيات مهيكلة داخل الدولة. ما سمي لاحقاً بالدولة العميقة.
هذه المواقف وغيرها جعلته المؤرخ غير المرغوب فيه. فتم تغييبه كلياً من السردية التاريخية الوطنية وكأنه لم يوجد أبداً ولم يسهم في تاريخ البلاد قبل وبعد الاستقلال. الخطابات الوحيدة التي تم تقبلها هي الخطابات المتناسقة مع الخطاب الرسمي الذي يريد خطاباً مفصلاً على المقاس، وهو ما رفضه محمد حربي كلياً. الرجل كان سياسياً مناضلاً وأكاديمياً ولم يكن تابعاً لأي حلقة من حلقات النظام. برحيله، تكون الجزائر قد فقدت شخصية تاريخية عالمية وأمينة على ما كانت ترويه وتكتبه. لم يكن شخصية عادية، فقد مارس السياسة، ولكن في أفق التاريخ وإعادة قراءة الأرشيف الذي كان يملك جزءاً منه. مناضل من الرعيل الأول، بصفوف الثورة التحريرية، وإطار حيوي في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. لم يناصب وطنه العداء، فقد ظل محللاً للظاهرة الثورية وامتداداتها بعد الاستقلال، وتشكل القوى الحاكمة من وموقع الشرعية التاريخية. في النهاية، أخفقت الجزائر في الحفاظ عليه وعلى غيره من المثقفين الذين كانوا وقود الثورة وانتهوا في المنافي الباردة. ومثل الكثيرين من أبناء جيله الذين عاشوا محنة الخيبة الكبرى، لم يحصل محمد حربي على شبر في وطنه بحجم قبر، ودفن في باريس. فقد كان الجندي الأخير في معركة الحق.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد