«كبرج مراقبة نشط» .. سيرة الغائب الأشدّ حضورا
عندما كنت أعدّ كتابي «مادحات الرسول» لفتتني قصيدة للشاعرة السورية هند هارون، خالفت المألوف من قصائد المديح النبوي، إذ قدمت لقصيدتها – وهي إحدى معارضات البردة – بقرابة مئة بيت تناجي فيها ربها وتبثه شكواها من المطلع: (وَجدي يَمرُّ على الأحزانِ كالنّسَمِ… دمعي يؤلِّقُهُ الإشراقُ في الألمِ/ ما دامَ يطعنُهُ ثَكلٌ يُمزّقني … ما دمْتُ أمًّا تعيشُ العمرَ بالوَصَمِ) وتجد في مناجاة الله ومدح النبيّ عزاء عن فقد وحيدها عمّار الذي كتبت فيه ديوانين كاملين، حتى لقبت بخنساء سوريا، ومن الغبن الذي كتبتُ عنه أكثر من مرة، أننا حتى في فقد الأبناء نستحضر قصائد الرجال مثل عينية أبي ذؤيب الهذلي أو رثاء ابن الرومي لابنه الأوسط، ونغفل عن قصائد النساء في بكاء فلذات أكبادهن بدءا من أمّ الشاعر الجاهلي السّليك بن السّلكة وأبياتها الموجعة: (ليتَ قلبي ساعةً… صَبرةٌ عنكَ مَلكْ/ ليتَ نفسيِ قُدِّمتْ…..للمنايا بدَلكْ) مرورا بالأعرابية التي قالت في ولدها (يا قرحة القلب والأحشاء والكبد… يا ليت أمّك لم تحبل ولم تلد) وصولا إلى عائشة التيمورية التي رثت ابنتها بقصيدة تقطر ألما.
استرجعت مراثي هند هارون وأخواتها وأنا أقرأ ديوان الشاعرة اليمنية هدى أبلان «كبرج مراقبة نشط (كتاب أحمد)»، الصادر عن دار غايا في القاهرة، وهو قصيدة نثر طويلة مؤلفة من 54 مقطعا مرقّما في 235 صفحة ترثي فيها بكرها أحمد. ومن المصادفات أنني حين استضفت هدى أبلان في برنامجي «نلتقي مع بروين» سنة 2010 كان أول سؤال طرحته عليها عن إهداء ديوانها «اشتغالات الفائض» إلى روح أخيها أحمد المتوفى. وما بين موت الأحمدين انقضت سنوات طويلة تجددت فيها المواجع ونُكأت الأحزان بأشدّ مما كانت، فكان الشعر بلسما يواسي أحزان الأم الثكلى لعلها تجد فيه بعض العزاء.. وهيهات.
قبل ديوانها الأخير أصدرت هدى أبلان ستة دواوين شعرية منها «وردة شقية الملامح» و»كي لا تتسع ضحكة الجحيم» وشغلت مناصب مهمة في بلدها اليمن فكانت أمينة عامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ورئيسة عامة للمؤسسة العامة للمسرح والسينما، وبعدها ترقت إلى منصب نائب وزير الثقافة، لكن «كتاب أحمد» محطة مختلفة تماما في مسيرتها الشعرية، كتبته في رثاء ابنها الذي توفي العام الماضي وهو في الحادية والعشرين من عمره، بعد إصابته بمرض لم يمهله طويلا، ودفن في القاهرة التي اتخذتها الشاعرة مكان إقامة دائم مبررة ذلك بقولها «لا أريد أن أترك أحمد وحيدا»، فهذا القرب المكاني يسهّل على أحمد أن يحيطها برعايته كما ذكرتْ في مرثيتها (حتى وأنا في الأعلى/ لن تكون معي على الطائرة/ تمضي بنا إلى مصر/ حيث يشع رفاتك/ كبرج مراقبة نشط) ومن هذه التشبيه المبتكر صنعت عنوان ديوانها. ويمكن تأويل العنوان بطريقة مغايرة، حيث تصبح فيه الشاعرة نفسها برجَ المراقبة النشط، الذي يراقب كل صغيرة وكبيرة من التصرفات والأحداث والمشاعر، مع اهتمام بأدق التفاصيل لتذكّر المأساة لا نسيانها (وأنا على سجادتي/ أسأل الله أن يلهمني التذكّر).
لا تهيئ هدى أبلان قارئها للفجيعة التي حلّت بها، بل من الإهداء تشركه معها وتسلمه مفتاح مرثيتها وتعطيه فكرة مركزية عن علاقتها بالمدينة التي شكلت معها ومع ابنها ثالوثا قام عليه معمار ديوانها فكتبت «إلى كلِّ أُمٍّ فقدتْ فلذة كبدها تحت أي ظرف أو عنوان، وتذوقت مرارة الفقد وحرقة الغياب، وإلى القاهرة التي ضمّت أوجاعه ورفاته أهدي أشلاء كلمات»، ولم تكتف بهذا، بل كتبت ملاحظة في أول ديوانها وضعت القارئ في مواجهة الموت «مات أحمد عن 21 عاما» وتنبهنا مسبقا أن ما نقرأه ليس سوى مقدمة لمتن كبير مقبل فـ»ربما في السرديات المقبلة تكتمل الصورة» لأن ما لديها من تفاصيل وما تركه ابنها من إلهام يحتاج مساحة أوسع من الكلمات. وهذه الصدمة الأولى لا يخف أثرها حين نوغل في القراءة فأول جملة في كتابها تحاصرنا بغول الموت (باب من مخالب الموت الكبرى/ يضيء أحشاءك بالبياض/ ويمدد أوجاع الجهات/ ولا يبالي). ولأن رأسمال الشاعرة الكلمات تغدو وفاة ابنها مجالا منداحاً للقول، وقد كانت واعية بهذه الحظوة والقدرة على أن تلبس روح المعنى جسدَ القصيدة، فكتبت (ما معنى أن يموت ابن الشاعر/ سيتكوّر الخيال على ركبتيه/ ويغطي وجهه من التقاط صور مجازية مع الألم) وهي مدركة تماماً أن في الشعر مواساة لروحها المنكسرة، بل تراه السبيل الوحيدة للتواصل مع ابن أصبح في عالم آخر (ليس لي غير الشعر/ بوصلة توصلني بالغيب/ ومحيط من الحضور الحميم)، كما أنه الوسيلة الوحيدة المتاحة لتخليد ذكر ابنها، بل ولخلودها هي رغم مخالب الموت التي ترصدتها مرارا فكتبت بتحدٍّ (سأثبت أني أمّ وشاعرة تنسج خلودها من خيوط الفناء)، ووعدت أن تجعل من قبر ابنها ملاذا للكلمات، حيث سيتطلع النقاد لتحليل طينته. غير أنها في بعض لحظات الحزن القاسية تكفر حتى بالشعر حين يعجز عن مرافقتها في درب الآلام، فتتخلى عنه وتذهب لملاقاة ابنها وحيدة (سآتيك خالية الوفاض/ … حتى من الشعر/ سأعطيه عامل النفايات/ يملأ في قوالبه مآسيه)، بل هي مستعدة للتخلي عن حياتها، إن كان ذلك سيجمعها ببكرها في ما يشبه الرغبة في الانتحار (ربما أعدّ نفسي للموت معك/ أرمي أدوية الضغط والسكّر/ أصعد في فضاء الملح/ وأغوص في حلاوة الروح) لأنها أصبحت ترى الموت اتساعا والتصاقا بالأحبة وجسرا يحملها إلى جوار ابنها، بل يدفعها التفكير – في الأيام التي تغرقها في الحزن وهي بلا قارب ابنها ينتشلها- إلى أن تطلب ممن حولها في لحظة تخلٍّ (دسوا لي قليلا من السم/ أسرعوا في رصاصة الرحمة). فمبرر وجودها على قيد الحياة انتهى، لأنها خُلقت – كما تعتقد – لتهندم حضور أحمد وتصفف شعره الطائش وتربط شاله على رأسه وتكون ظله في المسافات القاسية، وبابه عند اشتداد الريح، وبما أنه لم يعد موجودا كتبت بيأس (كم أصبحت أحب الموت بعدما ذقته معك).
في مرثية هدى أبلان تفاصيل موجعة مثل التّربي في مدافن أكتوبر الذي أخبرها أنه فقد خاتمه الفضي وهو يدفن ابنها ويحتاج إلى فتح القبر ثانية، فترجّته ألا يفعل وعوّضته عن خاتمه المفقود وخاطبته في قصيدتها (دع خاتمك نائما مع أحمد ليكمل أناقته/ حلكة أحمد تحتاج ضوء فضتك). ومثل ابن البواب الذي كانت تسلمه إيجار بيتها مقسطا لا لقلة ذات يدها، بل ليصعد إليها كثيرا وتتذكر من خلال حضوره شباب ابنها. أما تفاصيل المكان فكثيرة حيث تحضر القاهرة بدءا من الإهداء بشوارعها مثل شارعي عرابي والسودان ومناطقها مثل المعادي والمنيل، مع حضور لافت للنيل الذي كتبت عنه (أنظر إلى النيل الذي أحب/ أعاتبه في كلتا الضفتين/ إياك أن تحزنّي/ وتقبض ضحكة أحمد)، ولعل المكان الوحيد الذي يثير مواجعها هو جسر كوبري الجامعة، ورغم أنها منذ طفولتها كانت تعشق أخذ صورة عليه حذفته من قلبها لأنه كان ممرها اليومي إلى حيث كان ابنها يصارع مخالب الموت، فأصبحت تحمل خريطة القاهرة في قلبها -كما كتبت- لكنها خالية من كوبري الجامعة.
كتبت هدى أبلان مرثيتها بلغة جارحة تناصّت فيها مع قصة يوسف (أستعيذ من القمصان الكثيرة/ التي تراود الذئب عن نفسها/ وتملأ بئرا من الهلع) ومع حمّى المتنبي (الحمى تلوذ بالارتعاش/ والتعرّق خجلا من أمومتي/ وتقيم في عظامي/ كسيرة شعر بدأها المتنبي) ومع ابن نوح (أنت نوح تمضي إلى النجاة/ وأنا عمله غير الصالح). وطرحت في ديوانها قضايا وجودية كبيرة منطلقة من مأساتها الشخصية مثل آثار الحرب وما تخلفه من ضحايا كذلك الشاب الذي (مات غدرا/ قيل إن صاروخا شطره نصفين/ في شارع مفخخ بالفجيعة) فترى نفسها أفضل حالا من أهله إذ (ليس له قبر يضم رفاته/ حمدت الله وقبّلت قبرك). كما تتساءل عن الذين تسببوا في هذه الحروب (ماذا يفعل الطغاة حين يموت أبناؤهم؟ هل هم مثلي ينقسم حزنهم في دربي المتاهة واليقين؟ هل يتذوق الطغاة غصة أن يتراكم في أيديهم التراب وتكبر صخرة الصبر؟) دون أن تعطينا الإجابة، فقد أصبح كلّ همها ما ختمت به ديوانها (أدوّن ارتمائي بين أقدامك الخشبية وأبكيك/ كأيّ مصلوب في رحلة الارتقاء). فهل اكتفت من التدوين أم لا يزال وجع الفقد يصرخ: هل من مزيد؟
شاعرة وإعلامية من البحرين
فن الشارع من التخريب الى الاعتراف العالمي
علامات نقص الفيتامينات في الجسم
«كبرج مراقبة نشط» .. سيرة الغائب الأشدّ حضورا
إحياء النشاط السياسي داخل السودان
خطورة تحالف التطرف الإسرائيلي والهندي
موجة أمطار مرتقبة بالأسبوع الأول من آذار
ترامب: الحرب ضد إيران ربما تستمر لمدة 4 أسابيع مقبلة
الحرس الثوري الإيراني يضرب حاملة أمريكية وناقلات نفط
تصعيد خطير في الشرق الأوسط بعد الهجوم الأمريكي
جامعة الدول العربية تدين استهداف إيران دولا عربية
إصابات بحادث سير على شارع الأردن .. وشهود: شظية صاروخ .. فيديو
ترامب: الولايات المتحدة ستثأر لقتلاها وعلى الحرس الثوري إلقاء السلاح
زيت تونسي بأسعار تفضيلية .. مهم للمتقاعدين العسكريين
ليلى عبد اللطيف: منتصف 2026 بلا دراسة ولا امتحانات يثير جدلاً واسعاً
فتح القبول المباشر في جامعات وكليات رسمية .. أسماء
الثلاجة ليست دائمًا الحل .. أطعمة تفقد جودتها عند التبريد
نقيب الصحفيين يؤكد أهمية الدور الأردني بالملفات الإقليمية
وزير الخارجية يبحث مع لامولا التطورات الإقليمية
وزير الأوقاف: فتح عيادات في باحات المسجد الأقصى لخدمة المصلين
بحث تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين اليرموك والجامعات الروسية
بعد سرقة جواهر التاج الفرنسي .. استقالة مديرة اللوفر
الصفدي يبحث مع رئيس الوزراء العراقي تعزيز التعاون
نظارات الواقع الافتراضي ومستقبلها
