ما سر توجه أمريكا اللاتينية نحو اليمين

ما سر توجه أمريكا اللاتينية نحو اليمين

09-01-2026 12:56 AM

في 12 ديسمبر 2025 طرح في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مشروع قرار حول الحل السلمي للقضية الفلسطينية، حسبما جاء في “إعلان نيويورك” الذي تبنى حل الدولتين برعاية سعودية فرنسية. وقد صوّت لصالح القرار 142 دولة بينما صوتت عشر دول ضده من بينها بوليفيا، إلى جانب جوقة المعترضين على كل ما يتعلق بفلسطين.
كان لتصويت بوليفيا ضد فلسطين، لأول مرة منذ أكثر من عشرين سنة وقع الصدمة، بوليفيا التي اعترفت بفلسطين عام 2010 وصنفت إسرائيل دولة إرهابية عام 2014 ورفع سقف تأييدها لفلسطين عاليا أثناء عضويتها غير الدائمة لمجلس الأمن عامي 2017-2018، حيث كان السفير ساكا سيرجيو لورنتي، يعتمر الكوفية أحيانا داخل المجلس وهو يلقي بياناته القوية ضد الكيان الإسرائيلي.
ما الذي تغير في دول أمريكا اللاتينية حتى أصبح اليسار في وضع الانحسار، واليمين في حالة نهوض غير مسبوق إلا في ثمانينيات القرن الماضي؟ في بدايات القرن الواحد والعشرين أفرزت الانتخابات في أمريكا اللاتينية حكومات يسارية في معظم أنحاء القارة، من البرازيل إلى الأرجنتين، ومن بوليفيا إلى فنزويلا ومن نيكاراغوا إلى تشيلي. لم تبق كوبا كاسترو ونيكاراغو السنادنيستا وحيدتين. شاهدنا صعود لولا في البرازيل، وميشيل باشيليه في تشيلي، وكريستينا فرنانديز في الأرجنتين، وهوغو تشافيز في فنزويلا، يؤازره إيفو موراليس في بوليفيا، وبدا وكأن اليسار على وشك الانتصار الحاسم في كل دول أمريكا اللاتينية. لكن الانتخابات في العقد الأخير بدأت تتجه نحو اليمين، خاصة خلال دورة ترامب الأولى (يناير 2017- 2021). انتخب بولسينارو في البرازيل، ونجيب بوكيلة في السلفادور، وتبعهم رؤساء الأرجنتين ميلي، وأوروغواي وغواتيمالا وإكوادور، وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة انتخب ثلاثة رؤساء يمينيين في بوليفيا وهندوراس وتشيلي (تبدأ ولاياتهم في مارس 2026) والانتخابات القادمة في 2026 قد تطيح برئيس كولومبيا اليساري، ولولا دي سيلفا البرازيلي. وبعد الإطاحة برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، صباح السبت الثالث من يناير الحالي، بطريقة البلطجة والخطف المافيوي من مقر إقامته في بلاده، ستترك كوبا ونيكاراغوا وحيدتين، الأولى لا تأثير لها في أمريكا الوسطي فما بالك في أمريكا اللاتينية، أما كوبا فليس من المستبعد أن تتعرض للانهيار الاقتصادي بعد توقف منحة النفط المجاني من فنزويلا. أما رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم ذات التوجهات اليسارية المعتدلة فما زال أمامها أربع سنوات للانتخابات القادمة.
الشعوب في أمريكا اللاتينية تدور همومها الأساسية حول ثلاثة أهداف: تعافي الاقتصاد، وقف تجارة المخدرات، خاصة الكوكايين، وخفض نسبة الجريمة المرتبطة بهشاشة الاقتصاد وتجارة المخدرات. في عام 2013 أنتج العالم 902 طن من الكوكايين، بينما في عام 2023 وصل حجم الإنتاج 3700 طن، معظم المادة الخام (كوكا) تنتج في ثلاث دول: كولومبيا وبوليفيا والبيرو. يستهلك السوق الأمريكي 27% منها وأوروبا 24%.
أما عن الجرائم فقد أصبحت المدن الكولومبية والمكسيكية مسرحا لأكثر الجرائم الفظيعة في العالم. في كولومبيا تم اغتيال المرشح الرئاسي ميغيل أوريبي في يونيو 2025، واغتيال عمدة مشهور في المكسيك في نوفمبر المعروف بنقده للجريمة، كما خطف صحافيون أمام عيون الناس في إكوادور. لقد أصبحت مدينة دوران في الإكوادور من أخطر المدن في العالم، كما أشارت الإحصائيات إلى ارتفاع الجريمة في كوستا ريكا، المعروفة بأنها الأكثر أمنا، بنسبة 50%، وقال 85% من الشعب في تشيلي أنهم لا يفضلون الخروج من بيوتهم في الليل. هذه صورة عن انتشار الجريمة، وخلطها بتجارة المخدرات وتراجع المؤسسات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية، ما قد يفسر التوجه نحو اليمين والحكام الأقوياء، حتى لو على حساب الديمقراطية.
زرت في السنوات الأخيرة ثلاث دول من أمريكا الوسطى والجنوبية- كوبا (2017) وكولومبيا (2023) والسلفادور (2024). في زيارتي لكوبا في الشهور الثلاثة في ولاية ترامب الأولى، كان الوضع الاقتصادي قد تحسن قليلا، بعد تساهل إدارة أوباما في التعامل مع كوبا. لكنني شعرت بأنني أعود إلى بلد في الخمسينيات من القرن الماضي. السيارات كلها من تلك الفترة والمباني مترهلة والشوارع مكسرة والمواصلات العامة قديمة ومتآكلة والحوانيت شبه فارغة. وكل كوبي يلقاك يعرض عليك شيئا للبيع خاصة السيجار الكوبي المزيف. ترامب في دورته الأولى ألغى كل تسهيلات أوباما، وعكس كل تلك التحولات الإيجابية. في الدورة الثانية عاد الحصار الخانق من جديد، وأصبحت الأوضاع الاقتصادية على وشك الانهيار. وستصبح الأوضاع أكثر خطورة بعد قطع المعونات النفطية المجانية من فنزويلا، ما دعا وزير خارجية أمريكا، ماركو روبيو لأن يتوقع انهيار النظام دون تدخل عسكري. في كولومبيا الوضع الاقتصادي أفضل بكثير والمدن الكولومبية تضج بالحياة والفنادق مكتظة والأسواق مزدحمة. إلا أن غلاء الأسعار واستمرار المواجهات مع المسلحين، وسيطرة بعض لوردات المخدرات على بعض المناطق، أبقت البلاد في حالة قلق كبير، خاصة للطبقة الوسطى والفقيرة. وكل من تكلمت معهم كانوا يتوعدون بإسقاط حكومة غوستافو بيترو اليسارية. كانوا يرددون ما قاله اللبنانيون والأتراك، حول تدفق ملايين المهاجرين فوق طاقة البلاد، حيث دخل كولومبيا نحو أربعة ملايين لاجئ من فنزويلا، البلد الأغنى في أمريكا اللاتينية.
القصة الأكثر إثارة هي حكاية السلفادور وانتخاب اليميني المتطرف نجيب بوكيلة. قبل انتخابه عام 2019 كانت البلاد في حالة انهيار اقتصادي، تحكمه العصابات المسلحة وتجار المخدرات والجريمة المنظمة. وقد ركز برنامجه الانتخابي على محاربة هذه الآفات وتحسين الاقتصاد ونشر الأمن والأمان. وقد وضع يده في يد إسرائيل من اليوم الأول، حيث قدموا له كل الاحتياجات الأمنية واللوجستية، بما في ذلك مجموعات أمنية للتدريب والاستشارة والعمليات الخاصة. لقد بلغ عدد المعتقلين في السنوات الأولى لحكمه نحو 80 ألفا. نشر الجيش والحرس الوطني واستعاد السيطرة على الشواع والأسواق والأرياف. وما هي إلا سنوات حتى عمّ الأمن في البلاد وامتلأت الشوارع بالمتسوقين وأعيد فتح الأسواق والمطاعم والمنشآت السياحية. وتدفقت أموال الاستثمار، وعاد المغتربون الفارون من سنوات الفوضي والجريمة. انتعش الاقتصاد، واطمأن الناس على حيواتهم وأملاكهم، لدرجة أن السلفادور، غيرت بنود الدستور وسمح لبوكيلة بالترشح لدورة ثانية، دون انقطاع وفاز بانتخابات عام 2024 بنسبة عالية وصلت لنحو 90%. لم ألتق واحدا في السلفادور دون أن يثني على أدائه الاقتصادي والأمني، رغم انتقاد مواقفه المؤيدة لإسرائيل كونه فلسطيني الأصل. تخيلوا أن شعبية بوكيلة تجاوزت حدود السلفادور، حيث حصل على 81% من نسبة التأييد في تشيلي، كما اختير القائد الأكثر شعبية في أمريكا اللاتينية، وبلغ عدد متابعيه على منصة تك توك 11 مليون متابع، الثاني في العالم بعد دونالد ترامب.
هذه الأوضاع تستغلها الولايات المتحدة بشكل كبير، حيث يكافئ ترامب من يعكس توجهاته الأيديولوجية، كما فعل في الأرجنتين، حيث قدم للرئيس ميلي 20 مليار دولار للانتعاش الاقتصادي. وفي هندوراس طلب ترامب بشكل أرعن انتخاب اليميني نصري عصفورة ضد مرشح الوسط سلفادور نصر الله. لا عجب أن آخر ثلاثة انتخابات في أمريكا اللاتينة: هندوراس وتشيلي وبوليفيا، كان الفائزون فيها من اليمين.
بالتأكيد ستكون القضية الفلسطينية إحدى ضحايا هذه الانتخابات، وستحصد إسرائيل النتائج لصالح جرائمها ومواقفها وحروبها، لكن الشعوب في أمريكا اللاتينية، في غالبيتهم الساحقة، يذهبون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب من يحسن أوضاعهم الاقتصادية، لا من يمتشق السيف لهزيمة الإمبريالية.

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

أبو السمن يوجّه كوادر الوزارة للتعاون مع الجهات الرسمية

أشغال إربد تواصل تعاملها الميداني مع مستجدات الظروف الجوية

الاتحاد الأوروبي: الأردن شريك محوري في دعم غزة إنسانياً

مؤتمر استثماري أوروبي في البحر الميت خلال نيسان المقبل

بلدية الرصيفة تنفذ عددا من الاجراءات الاحترازية للتعامل مع الاحوال الجوية

الإدارة المحلية: إغلاق بعض الطرق بسبب ارتفاع منسوب المياه

الأمن العام يُجدد تحذيراته للتعامل مع الحالة الجوية

أشغال الكرك تتعامل مع ارتفاع منسوب مياه على جسر الثنية والمرج

وزير الداخلية يتفقد غرفة عمليات جرش لمتابعة تداعيات الحالة الجوية

سقوط شجرة معمّرة على عمود كهرباء في جرش

الجيش السوري يعلن فتح ممر إنساني في حي الشيخ مقصود

عائلة تادرس تشكر المعزّين بوفاة الشاب صقر سليمان تادرس

بلدية شيحان تتعامل مع شارع كان مغلقًا نتيجة الانجرافات

انهيار أجزاء من واجهة مبنى في إربد .. ولا إصابات

باكستان تقترب من صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار للسودان