جرائم الاحتلال ودبلوماسية الاحتشام

جرائم الاحتلال ودبلوماسية الاحتشام

11-01-2026 11:44 PM

في موقف نادر من الحكومة الألمانية الراهنة، والأحرى القول: من الحكومات الألمانية قاطبة، متعاقبة، متبدلة التحالفات والتيارات السياسية؛ حذّر ناطق باسم وزارة الخارجية من أنّ مشروع الاستيطان الإسرائيلي في المنطقة E1 «ينطوي على خطر خلق المزيد من عدم الاستقرار في الضفة الغربية والمنطقة».
هذا تصريح لا يتجاوز خدمة الحدود الدنيا، بالطبع، وليس بدلالة لغته الدبلوماسية الخجولة، والخشبية التي لا تتجاوز تحصيل الحاصل، فحسب؛ بل ثمة ما تستبطنه المفردات من تخاذل طبع سلوك حكومات ألمانيا على امتداد التاريخ ما بعد اندحار الرايخ الثالث وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين. لكنه، إلى هذه الحقيقة، يعكس أيضاً مستوى ارتباك برلين الدبلوماسي إزاء مشاريع إسرائيلية استيطانية تلقي بالقانون الدولي إلى سلال مهملات دولة الاحتلال عموماً، ووزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموترش خصوصاً.
وقد يصحّ القول إن المستويات الصارخة والهمجية من اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين، في بيوتهم ومزارعهم وأملاكهم ومدارسهم ومنشآتهم الإنتاجية هنا وهناك في أرجاء الضفة الغربية، تحت حماية أجهزة الاحتلال ومشاركتها (كأن يُعتقل الفلسطيني الذي أُحرقت سيارته، بدل المستوطن الذي أحرقها)؛ دفعت بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إلى كسر بعض التحفظ، التاريخي الخجول بدوره. صحيح أنه أتى على ذكر الفلسطينيين ضمن خطاب أساسي حول سياسة الفاتيكان الخارجية، ألقاه بالإنكليزية أيضاً؛ إلا أنه ذكر بوضوح: «محزن أن يتزايد العنف في الضفة الغربية ضد السكان المدنيين الفلسطينيين، الذين من حقهم أن يعيشوا في سلام على أرضهم».
بين برلين وروما أكثر من آصرة واحدة، تتيح ربط إشارة البابا بتصريح الخارجية الألمانية، بينها معادلات كنيسة كاثوليكية وأخرى بروتستانتية بالطبع، رغم أكثر من بون شاسع يميّز أنساق الصمت الألماني على جرائم حرب دولة الاحتلال مقابل حياء الفاتيكان الدبلوماسي؛ الأمر الذي يفضي، في الحالتين، إلى بلوغ اعتداءات المستوطنين مستويات من الانفلات العنفي والوحشية العشوائية استوجبت هذه السوية من ردود الأفعال المحتشمة.
على الجانب الألماني، ليس خافياً أنّ ألمانيا تواصل حمل أعباء عقدة ذنب الهولوكوست، تجاه اليهود عموماً في المقام الأول، ثمّ تالياً نحو الكيان الصهيوني الذي يزعم أنه دولة يهود العالم؛ وثمة على الجانبين فصول ومجلدات من مغانم/ خسائر إدارة الذنوب خلف «صناعة المحرقة» إجمالاً. وبين الأكثر دراماتيكية في هذه الملفات ما وقع للمستشارة الألمانية الأسبق أنغيلا ميركل، خلال إلقاء خطاب أمام الكنيست سنة 2008؛ حين قاطع الجلسة عدد من النواب الإسرائيليين، ليس احتجاجاً على شخص ميركل بل على استخدام الألمانية لأنها «لغة القتلة».
على جانب الفاتيكان، ثمة نيران إسرائيلية تواصل الاشتعال ضد الصرح البابوي منذ قرار البابا الأسبق يوحنا بولس السادس تطويب البابا بيوس التاسع؛ إذْ تُنسب إلى هذا الأخير، الذي تولى الكرسي الرسولي بين 1846 و1878، سلسلة تصريحات فظيعة العداء لليهود، لعلّ أشهرها قوله إنهم «كلاب يتواجد الكثير منهم في روما، يواصلون النباح وإقلاق راحتنا في كلّ مكان». ولن يكون أدنى تعاطف مع حقوق الفلسطينيين، أو مآسي معاناتهم مع الاحتلال وقطعان المستوطنين، سوى زيت حارق يُصبّ على تلك النيران.
وإلى جانب ألمانيا والفاتيكان، فإنّ دبلوماسية الاحتشام هذه تشمل غالبية الديمقراطيات في أوروبا العملاقة الموحدة، القارّة العجوز العريقة، وأمّ أنظمة الاستعمار وفلسفات الأنوار في آن معاً؛ حيث العجز الفاضح عن اعتماد سلوك يتجاوز خدمة الحدود الدنيا وحياء تسمية الجرائم بمسمياتها الفعلية. هي حال كونية، إزاء سلسلة طويلة من الملفات الدولية الشائكة، وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط غنيّ عن القول؛ أو، على نحو أوسع وأشمل، كلما اتصل الأمر بعربدة القوّة وعماء التجبّر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد