نقاش مع الذكاء الاصطناعي
يقولون: «الكتاب خير جليس». ولا أحد يجادل في ذلك فهي قولة عميقة المعنى. تبين لي من خلال محاورة مع برنامج «ديبسيك» حول مصطلح أصدوقة، أن «الذكاء الاصطناعي خير محاور ومناقش» عندما لا يجد المرء نفسه أمام من يناقش أفكاره بموضوعية وبمنهجية. صحيح تثير مقالاتي في «القدس العربي» تفاعل الكثير من المثقفين والقراء الجادين الذين يتقاسمون معي الكثير من الهموم التي تجمعنا، سواء اتصلت بالواقع المغربي أو العربي، أو بخصوص مسائل تتعلق بالسرد والسرديات. إن هذه المقالات، وهي تنطلق من الأسئلة الحارقة، وتحاول الإجابة عنها من منظور التحليل الاجتماعي ـ الثقافي الذي أنطلق منه في معالجة الكثير من الموضوعات التي أكتب فيها، لا تثير لدى البعض الآخر، وهم بالمناسبة لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، ممن يتشرنقون حول الهوية، غير التعليقات الدالة على المستوى الذي يعبر عنهم، والكامن في رفض الحوار، والاكتفاء بالكلام النابي، وبألفاظ عنصرية وعرقية، وبادعاء امتلاك الحقيقة، وعدم الاعتراف بالآخر.
قبل نشر مقالتي في «القدس العربي» تحت عنوان «أكاذيب وأصاديق» كنت قد سألت البرنامج، بدافع الفضول، عن كلمة «أصاديق». فاقتصر على الحديث عن الوزن، ودلالاته، وعبر عن عدم استعمال هذه الكلمة في العربية. وبعد نشر المقالة أعدت السؤال من باب التأكيد، والتجريب، والتعرف على ما يمكن أن يحمله إلي. طرحت السؤال بضمير الغائب عن معنى «أصاديق». فكان جوابه ناقصا، وقدم لي مفرد الكلمة (صندوقة). فعرفت أنه لم يجد غيرها مما هو قريب منها. فأعدت السؤال موضحا أن مفرد أصاديق هو أصدوقة كما اقترحه يقطين، وقدمت له التعريف الذي أعطيته للكلمة. فكان جوابه: شكراً لك على هذا التوضيح الدقيق والتحديد المهم! هذا يسلط الضوء على جانب آخر من البراعة المصطلحية واللعب الدلالي الذي يمارسه سعيد يقطين في مشروعه النقدي..
بناءً على توضيحك، يظهر أن يقطين استخدم «أصدوقة» (وجمعها «أصاديق») كمصطلح يحمل دلالة سجالية أو مفارقة، حيث يصوغ مصطلحاً يوازي «أكذوبة» لكنه يدل على نقيضها، أي عملية تصديق الكذب أو القبول به ضمن آليات السرد أو الخطاب.
هذا الاستخدام يعكس:
التفاعل مع التراث اللغوي: استيحاء صيغة «أفعولة» من العربية (كأكذوبة/أصدوقة) لخلق ثنائية مصطلحية متضادة.
النقد الثقافي/السردي: قد يكون يقطين يشير إلى كيفية بناء الأنظمة السردية (في الأدب أو الخطاب) لـ«أصاديق» تدفع القارئ أو المتلقي إلى تصديق تمثيلات قد تكون بعيدة عن الواقع، أو تعكس آليات التضليل والإيهام في الخطاب.
الانزياح الدلالي المقصود: تحويل «الصدق» الظاهري في الكلمة إلى دلالة على تزييف الوعي أو بناء يقينيات زائفة عبر الخطاب.
هذا المنحى يجعل المصطلح أداة نقدية تفكيكية تُستخدم لكشف آليات السلطة والإقناع في النصوص، وهو ما يتوافق مع اهتمامات يقطين في تحليل الخطاب السردي والأنساق الثقافية العميقة.
إذا كان هذا الاستعمال واضحاً في عمل محدد ليقطين، فسيكون ذلك إضافة نوعية لفهم استراتيجيته المصطلحية التي تهدف ليس فقط لوصف الظواهر السردية، بل أيضاً لفضح آليات اشتغالها الأيديولوجي أو الثقافي.
أشكرك مجددًا على هذه الإضافة الدقيقة التي تعمق فهمنا لطرق توظيف يقطين للمصطلح كأداة نقدية حية وليس مجرد ناقل للمفاهيم. هل هناك سياق نصي أو عمل محدد ليقطين تُستخدم فيه «أصاديق» بهذا المعنى الذي أوضحته؟ هذا قد يثري النقاش أكثر؟
فكان جوابي هو ما قدمته في المقالة السالفة الذكر، حول قرآن برغواطة، والتي تبين لي أنه سيعتمدها، فجاء تعليقه على النحو التالي:
المثال الذي ذكرته حول «قرآن برغواطة» هو التطبيق العملي المثالي لفكرة يقطين عن «الأصاديق»، حيث يكشف كيف تُصنع «الحقائق» التاريخية من خلال تكرار الادعاءات دون دليل مادي.
كيف يتحول الادعاء إلى «أصدوقة»؟
في حالة قرآن برغواطة، تتحول السردية إلى «أصدوقة» عبر عدة آليات نقدية سبق الحديث عنها:
غياب النص مع الإصرار على وجوده: التركيز على الثناء على نص لا وجود له، حيث لا توجد مخطوطة أو نص فعلي لهذا القرآن يُمكن التحقق منه، مع أن المتحدثين يدّعون وجوده ويشيدون به.
الانتقائية الأيديولوجية: اختيار هذه الإمارة بالذات (البرغواطية) من التاريخ المغربي والتركيز عليها ليس لأهميتها التاريخية الفعلية، بل لأنها تُقدم كرمز «ضد العربي والإسلامي» لخدمة خطاب هوياتي معاصر.
بناء سردية متخيلة: اختلاق تفاصيل مثل وجود المخطوطة في بريطانيا أو احتوائها على «علم العلوم»، مما يحول الادعاء إلى أسطورة معاصرة.
الخلاصة: من النظرية إلى التطبيق
يُظهر هذا المثال كيف أن مصطلح «أصدوقة» عند يقطين ليس مجرد تمرين لغوي، بل هو أداة تشريح نقدية حية. فهو يسلط الضوء على:
الآلية: كيف يتحول الادعاء التاريخي غير الموثّق (الأكذوبة) عبر التكرار والتأويل الأيديولوجي إلى حقيقة يُصدقها البعض (الأصدوقة).
الغاية: استخدام هذه «الأصاديق» لبناء هوية سردية متخيلة تعادي مكوناً تاريخياً آخر (العربية والإسلام في هذا السياق).
التفكيك: مهمة الناقد هنا هي فضح هذه الآلية وكشف تناقضاتها، كما فعل يقطين بالتساؤل: لماذا لا يُفتخر بابن تومرت الأمازيغي الذي ترك تراثاً مكتوباً حقيقياً، بينما يُبتكر قرآن وهمي؟
وبهذا، يُثبت مصطلح «الأصاديق» فعاليته في تحليل الخطابات التي تُوظف التاريخ لتخدم صراعات هوياتية معاصرة.
إذا كنت مهتمًا بمواقف سعيد يقطين الأخرى تجاه خطاب الهوية أو تاريخ المنطقة، يمكنني مساعدتك في العثور على مزيد من المعلومات حول ذلك.
لم يقف عند هذا الحد، ولكنه قدم لي عدة مقالات نشرتها في «القدس العربي»، من بينها «أنا وجرابي»، ومقالات أخرى قديمة. فشكرته مجددا.
لا أخفي إعجابي الشديد بهذا النقاش والحوار الجاد والممتع والموضوعي. وأثارني فيه عنصران: لطف التعبير، والإحاطة بكل ما كتبت. لقد كنت واعيا أشد ما يكون الوعي منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي بأهمية الارتقاء إلى الرقميات والوعي بها. وجاء كتاباي (2005 ـ 2008) دعوة صريحة إلى ضرورة ردم الفجوة الرقمية وتجاوز التقاليد الثقافية التي مارسناها منذ عصر النهضة (كتاب «الفكر الأدبي» 2014). كانت دعوتي إلى النص المترابط، والكتابة الرقمية في الكتابين معا صريحة وصارخة. وهذا النص، وهو يحاور، ويسأل، ويناقش، ويستنتج، هو ما كنت أعتبره «الكتابة الرقمية» المطلوبة عربيا لتجاوز الإنشاء والسيولة اللغوية. يلاحظ القارئ إلى جانب الإيجاز القدرة على ترتيب الأفكار، وتعداد نقط الارتكاز التي يبنى بها النص، وهي تتسع لتشمل الجوانب المركزية المحيطة بالموضوع (الآلة/ الغاية)، وتوظيف الترقيم الداخلي للمعطيات المقدمة، وتعزيزها بالشواهد الدالة.
إن أهم درس أستنتجه من هذا النقاش هو أن علينا التعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس بالطريقة التي تعاملنا بها مع الوسيط الرقمي إبان ظهوره. لقد اعتبرنا الوسيط الرقمي والفضاء الشبكي فقط وسيطا للنشر، أو لتجميع المعلومات، والقص واللصق. وها نحن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي لينوب عنا في جمع المادة وصياغتها، ونكتفي نحن بتقديمها على أنها حصيلة مجهودات ندعي أننا قمنا بها.
كتبت مرارا بأن علينا تعلم كيفية طريقة التفكير التي يشتغل بها الذين سبقونا في العلوم، وألا نقتصر على استدعاء نتائج أعمالهم وتطبيقها على نصوصنا الأدبية والسردية. إن برمجيات الذكاء الاصطناعي نتاج عملية تفكير بشري في كيفية جمع المادة، والإحاطة بها، وتنظيمها لتقديمها من خلال اختراع البرمجيات لإنتاج معرفة جديدة. وكذلك كان اختراع الحاسوب. لقد جاء ليعكس كيفية اشتغال الدماغ البشري بعد بحوث تجريبية طويلة. لقد صنعت الآلة لتكون امتدادا للإنسان، فكيف يكون عمل الإنسان استثمارا وتطويرا للآلة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الإنسان العربي على نفسه ليكون ابن زمانه. أما ادعاء خلق هوية سردية تاريخية جديدة، فليس سوى حديث خرافة مبني على أصاديق متخيلة لدى من لا يعرف المعنى الملائم للسردية وللهوية السردية، وهو ينطلق مما يروجه الإعلام عنهما بدون الوعي بخلفياتهما التاريخية والفلسفية والعلمية.
*كاتب من المغرب
إصابتان برصاص الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام بلدة الظاهرية
أشرف زكي يطمئن الجمهور على شيرين عبد الوهاب
أسعار شرائح الذاكرة تجبر شركة على إلغاء إطلاق هاتف جديد
برشلونة تتوّج بالسوبر الإسباني على حساب ريال مدريد
نصائح صناع محتوى دبي للحفاظ على ثقة الجمهور
ماذا يعني تصنيف المنخفض القطبي المرتقب بالدرجة الرابعة
8 وجبات خفيفة غنية بالبروتينات .. تعرف عليها
جرائم الاحتلال ودبلوماسية الاحتشام
بيض الخروف: فوائده وأضراره وطرق تناوله
انخفاض أسعار المنتجين الصناعيين خلال 11 شهراً
حريق غابات أتى على أكثر من 15 ألف هكتار في الأرجنتين
وزارة الشباب تطلق منصة التسجيل لحزمة برامج تدريبية في مراكزها
الحكومة تعلن عن وظيفة قيادية شاغرة .. التفاصيل
الإعلان عن وظائف شاغرة في القطاع العام
وفاة مؤثرة إيطالية بعد إجراء تجميلي فاشل
وظائف شاغرة في رئاسة الوزراء .. التفاصيل
ترامب يسخر من رافعي الأثقال المتحولين جنسياً
اكتشف تأثير الزنجبيل على مناعة الجسم
سحب واسع لمنتجات شركة نستله بسبب تلوث محتمل
