الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية

الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية

12-01-2026 04:36 PM

يُعد التمييز بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية من أدق المسائل القانونية والطبية لما يترتب عليه من آثار تمس المسؤولية والمساءلة وحقوق المرضى وحماية مقدمي الخدمة الطبية في آن واحد إذ يسود في التطبيق العملي خلط شائع بين مفهوم الضرر الطبي ومفهوم الخطأ الطبي فيُفترض في كثير من الأحيان أن كل نتيجة سلبية أو غير مرغوبة للعلاج تُعد خطأً يستوجب المساءلة بينما استقر الفقه القانوني والطبي على أن العمل الطبي بطبيعته عمل احتمالي وأن الضرر قد يكون نتيجة مضاعفات مشروعة لا تنطوي بذاتها على أي إخلال مهني ومن هنا تبرز أهمية معالجة هذا الموضوع ضمن منهجية قانونية متكاملة تقوم على تحليل السلوك الطبي لا على محاكمة النتيجة
وقد كرس المشرع الأردني هذا الاتجاه في قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 إذ عرّف الخطأ الطبي بأنه كل فعل أو ترك أو إهمال يرتكبه مقدم الخدمة الطبية ولا يتفق مع القواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة وينجم عنه ضرر وهو تعريف ينسجم مع الأساس الفقهي القائل إن مناط المسؤولية لا يقوم على مجرد تحقق الضرر وإنما على ثبوت الإخلال المهني القابل للتجنب
وانطلاقاً من ذلك يقوم مفهوم الخطأ الطبي على إخلال مقدم الخدمة الطبية بواجباته المهنية من خلال انحرافه عن الأصول العلمية والطبية المستقرة أو عن مستوى العناية الواجبة المفترضة من طبيب من ذات التخصص وفي ذات الظروف ولا يُقاس الخطأ الطبي بنتيجة التدخل العلاجي وإنما يُقاس بسلوك مقدم الخدمة الطبية ذاته أي بمدى التزامه بالقواعد المهنية والبروتوكولات المعتمدة سواء أكان الإخلال فعلاً إيجابياً أم امتناعاً غير مبرر وتتعدد صور الخطأ الطبي لتشمل الإهمال وعدم المتابعة أو قلة الاحتراز أو الرعونة أو الجهل بالأصول العلمية المستقرة أو الخطأ في التشخيص أو العلاج أو التأخر غير المبرر في اتخاذ القرار الطبي المناسب
كما نص القانون ذاته على أن تحديد المسؤولية الطبية والصحية يكون بناء على مدى التزام مقدم الخدمة الطبية ومكان تقديمها بالقواعد المهنية ذات العلاقة ويدخل في ذلك مكان تقديم الخدمة والمعايير الخاصة بها والعوامل والظروف التي تسبق أو تتزامن أو تتبع عمل مقدم الخدمة الطبية والإجراءات الطبية أو الصحية المقدمة لمتلقي الخدمة وهو ما يؤكد أن تقدير الخطأ الطبي مسألة نسبية وسياقية لا تُعزل عن بيئة العمل والإمكانات المتاحة والظروف المحيطة بالفعل الطبي
ولا تقوم المسؤولية القانونية عن الخطأ الطبي إلا إذا توافرت أركانه مجتمعة وهي ثبوت الخطأ ووقوع ضرر محقق أو محتمل وقيام علاقة سببية مباشرة بين الخطأ والضرر وهي أركان استقر عليها الفقه والقضاء وتنسجم مع الإطار التشريعي الناظم للمسؤولية الطبية والصحية
في المقابل تُعرّف المضاعفات الطبية بأنها آثار جانبية أو نتائج محتملة قد تطرأ أثناء أو بعد تقديم الرعاية الصحية رغم الالتزام الكامل بالأصول الطبية والمعايير المهنية ودون أن يكون هناك أي تقصير أو إخلال من جانب مقدمي الخدمة الطبية وتمتاز المضاعفات بأنها معروفة علمياً ومثبتة في المراجع الطبية وقد تقع حتى في ظل أفضل الممارسات الطبية وأعلى درجات الحيطة والحذر كما أنها لا يمكن منعها أو تفاديها بشكل مطلق الأمر الذي ينفي عنها وصف الخطأ ويُخرجها من نطاق المسؤولية القانونية
ويتعزز هذا الفهم من خلال ما قرره قانون المسؤولية الطبية والصحية من وجوب إعلام متلقي الخدمة أو ذويه بالمضاعفات التي قد تنجم عن التشخيص أو العلاج الطبي أو التدخل الجراحي قبل بدء تطبيقه وهو ما يشكل جوهر مبدأ الموافقة المستنيرة ويُضفي المشروعية القانونية على المضاعفات المتوقعة متى وقعت ضمن نطاقها الطبيعي وبما لا يشوبها أي إخلال مهني
ويُعد التمييز بين الخطأ الطبي والمضاعفات مسألة موضوعية وفنية تخضع لتقدير أهل الخبرة ولا يجوز أن تُبنى على تصور المريض أو ذويه أو على جسامة النتيجة وحدها فالخطأ الطبي يقوم على وجود إخلال مهني قابل للتجنب بينما تقوم المضاعفة على تحقق خطر طبي متوقع رغم الالتزام وعليه فإن ليس كل ضرر طبي يُعد خطأً وإنما الخطأ هو الضرر الناتج عن مخالفة الأصول المهنية في حين يبقى الضرر الناتج عن المضاعفات في دائرة المشروعية الطبية
غير أن المضاعفات الطبية قد تفقد وصفها المشروع وتتحول إلى خطأ طبي لاحق ليس بسبب حدوثها بذاتها وإنما بسبب سوء التعامل معها بعد وقوعها إذ أوجب القانون رصد المضاعفات والمبادرة إلى علاجها متى أمكن ذلك فالقاعدة المستقرة تقضي بأن العبرة لا تكون فقط بمرحلة إحداث الضرر وإنما تمتد إلى مرحلة المتابعة والتشخيص والتدخل بعد ظهور مؤشرات الخطر فإذا أهمل مقدم الخدمة الطبية تشخيص المضاعفة في الوقت المناسب رغم وضوح أعراضها أو تأخر دون مبرر في التدخل العلاجي أو قصّر في المراقبة والمتابعة أو امتنع عن الإحالة إلى الاختصاصي المختص أو خالف البروتوكولات العلاجية المعتمدة فإن هذا السلوك يُعد خطأً طبياً مستقلاً يُرتب المسؤولية حتى لو كانت المضاعفة في أصلها مشروعة ويتجلى ذلك عملياً في حالات النزيف بعد العمليات الجراحية أو التحسس الدوائي أو تعسر الولادة أو مضاعفات التخدير حيث يكون الخطأ قائماً في الإهمال اللاحق لا في حدوث المضاعفة ذاتها
وفي نطاق الإثبات فإن عبء إثبات الخطأ الطبي يقع في الأصل على عاتق المدعي ولا يكفي لإثباته مجرد وقوع الضرر أو النتيجة السلبية بل يتعين إقامة الدليل الفني على أن الضرر كان نتيجة إخلال مهني لا ثمرة لمضاعفات محتملة ومشروعة ويُناط هذا التقدير باللجان الطبية والفنية المختصة التي تُوازن بين الوقائع الطبية والمعايير المهنية المعتمدة
وخلاصة القول إن التفرقة بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية كما نظمها الفقه وكرسها قانون المسؤولية الطبية والصحية تمثل حجر الزاوية في تحقيق العدالة الطبية إذ تحول دون تحميل مقدمي الخدمة الطبية مسؤولية لمجرد تحقق النتيجة وفي الوقت ذاته تضمن مساءلتهم متى ثبت الإخلال المهني أو التقصير في المتابعة أو العلاج وإن اعتماد هذا المنهج التحليلي القائم على تقييم السلوك الطبي قبل الضرر وبعده لا النتيجة وحدها من شأنه أن يحقق التوازن بين حماية حقوق المرضى وضمان بيئة مهنية آمنة وعادلة لمقدمي الخدمة الطبية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد