من أين لك هذا؟ السؤال الذي نخشى طرحه

من أين لك هذا؟ السؤال الذي نخشى طرحه

12-01-2026 09:25 PM


في الدول التي تسعى إلى بناء اقتصاد عادل ومستدام، لا يُطرح سؤال «من أين لك هذا؟» بوصفه أداة تشكيك أو تصفية حسابات، بل باعتباره أحد أعمدة النزاهة والعدالة الاقتصادية. لكن حين يغيب هذا السؤال، أو يُفرَّغ من مضمونه، تبدأ فجوة الثقة بين المواطن والمنظومة الاقتصادية بالاتساع بصمت.
في المشهد اليومي، يلاحظ المواطن تفاوتًا واضحًا في أنماط المعيشة والقدرة الشرائية، لا تفسّره الدخول المعلنة ولا الأنشطة الاقتصادية المعروفة. هذا التفاوت لا يخلق فقط شعورًا بالظلم الاجتماعي، بل يزرع قناعة خطيرة مفادها أن الالتزام بالقانون لم يعد الطريق الأقصر للاستقرار أو النجاح.
المال غير المبرر وتشويه السوق الأموال ذات المصدر غير الواضح لا تبقى أثرها محصورًا في أصحابها، بل تتسلل إلى السوق، ترفع الأسعار، وتشوّه المنافسة، وتقصي أصحاب الأعمال الحقيقيين الذين يعملون ضمن إطار القانون. ومع الوقت، يتحول الاقتصاد إلى بيئة طاردة للنزاهة، جاذبة للمضاربة والثراء السريع غير المبرر.
غياب المساءلة عن مصادر الثروة يضعف أدوات مكافحة غسل الأموال، ويجعل الحوكمة مجرد إجراءات شكلية لا تنعكس على الواقع. وعندما يشعر المواطن أن هناك من يحقق مكاسب دون مساءلة، تتآكل ثقته بعدالة النظام ككل.
لماذا يُهمَّش السؤال؟
لأن السؤال يكشف مواطن الخلل.
يكشف ضعف الرقابة أحيانًا، وتداخل المصالح أحيانًا أخرى، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم. ومع مرور الوقت، يؤدي تجاهل هذا السؤال إلى ترسيخ ثقافة سلبية: ثقافة تعتبر الالتزام عبئًا، والتجاوز فرصة.
سؤال «من أين لك هذا؟» لا يعني الإدانة المسبقة، بل يعني حماية النجاح المشروع من الاختلاط بالفساد، وحماية الاقتصاد من المال المشبوه. وهو لا يتعارض مع الاستثمار، بل يشكل أحد أهم ضماناته، لأن المستثمر الحقيقي يبحث عن بيئة عادلة ومستقرة، لا عن سوق تحكمه الفوضى.
لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية، أو مكافحة حقيقية لغسل الأموال، أو تنمية اقتصادية مستدامة، دون إعادة الاعتبار لهذا السؤال. فالدولة التي لا تسأل عن مصادر الثروة اليوم، ستُسأل غدًا عن أسباب الفقر، وغلاء المعيشة، وتراجع الثقة، وهجرة الكفاءات.
الاقتصادات لا تنهار فقط بسبب نقص الموارد، بل بسبب غياب المساءلة وطرح الأسئلة الصحيحة في الوقت المناسب


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد