15 عاما على الثورة التونسية

15 عاما على الثورة التونسية

14-01-2026 09:44 AM

خمسة عشر عاما بالضبط على انتصار الثورة التونسية، ففي 14 يناير/ كانون الثاني 2011 غادر الرئيس الراحل زين العابدين بن علي البلاد دون رجعة بعد انتفاضة شعبية لم تمهله طويلا.
تحل الذكرى هذا العام والبلاد أبعد ما تكون عن تلك الآمال العريضة التي حملها ذلك الحدث، وتلك الحماسة التي سرت في عروق الجميع من أجل غد أفضل، ليس فقط على مستوى الديمقراطية والحريات وإنما أيضا على مستوى التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
خمسة عشر عاما تصل فيها تونس إلى محطتها اليوم وقد خسرت تجربتها الديمقراطية الواعدة، رغم علاتها وثغراتها، حاملة وزر وضع اقتصادي خطير للغاية لم يسبق أن عرفته من قبل. محطة تسير فيها البلاد على غير هدى، ليس فقط دون إنجازات مهما كانت، وإنما أيضا مفتقرة لأي رؤية سياسية أو تنموية للمستقبل حيث تكتفي سلطة الأمر الواقع حاليا بما يردده الرئيس قيس سعيّد من تعابير وشعارات إنشائية مجّها الجميع من فرط خوائها وتكرارها.
ومن بلد صاخب بكثرة نقاشاته، وصراخ نوابه في البرلمان، وكثرة أحزابه، وضجيج برامج إعلامه السياسية، رغم ما اعترى كل ذلك من تجاوزات معيبة، وأزمات لا موجب لها، وإرهاب سيأتي اليوم الذي يفضح فيه من كان يقف وراءه حقيقة، وإضرابات عشوائية بمطالب تعجيزية، وتدخلات دولية بعضها يبحث عن الاستفادة وآخر يريد التخريب… ومن بلد عرف تداولا سلميا على الحكم بفضل انتخابات حرة وشفافة تغيّر بموجبها رؤساء ورؤساء حكومات وتتالت أغلبيات برلمانية مختلفة، مع ما صاحب كل ذلك من مناورات أضاعت الكثير من الوقت والجهد… تصل البلاد اليوم إلى وضع تحوّلت فيه إلى سجن كبير لا يسمع فيه سوى صوت السجّــان.

في كثير من الحالات انتكست تجارب ديمقراطية كثيرة في العالم لكن من أمسكوا بزمام الأمور بعدها حاولوا جاهدين تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية ومشاريع بنية تحتية مختلفة وكأنهم يتوجّهون إلى رأيهم العام بالقول إن هذا ما تحتاجه فعلا البلاد والعباد وليس الديمقراطية التي لا طائل من ورائها. ورغم تهافت مثل هذا المنطق، فإن قيس سعيّد وبعد زهاء الخمس سنوات من الحكم المطلق بلا حسيب ولا رقيب، لم ينجح حتى في أن يفعل ذلك فلا هو حافظ على الديمقراطية ولا هو جلب التنمية، بل عاد بكل شيء القهقرى.
ليس هذا فقط، بل الأخطر أن سعيّد وبعد أن دمّر كل قضاء مستقل، وزج بكل القيادات السياسية في السجن، وأخرس الإعلام ليعود من جديد إعلام دعاية لا قيمة له، وبعد أن ضمن برلمانا مواليا له لا يفعل سوى تمرير المزيد من القروض الخارجية لتسديد قروض أخرى- رغم شعارات «التعويل على الذات-، وبعد أن أجرى انتخابات رئاسية أقصى فيها تعسفيا كل منافسيه وغيّر فيها قواعد اللعبة قبل أسبوع من إجرائها، وبعد أن نجح في تحييد «الاتحاد العام للشغل» كبرى النقابات في البلاد الغارق في مشاكله الداخلية. بعد أن فعل كل ذلك وأكثر، وجد نفسه عاجزا تماما على مواجهة الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية الحارقة فلجأ كعادته إلى ضجيج الكلمات والشعارات.
حتى الرياضة لم تسلم هي الأخرى من تسرّب الشعبوية إليها، فبعد انسحاب المنتخب الوطني لكرة القدم من كأس افريقيا المقامة حاليا في المغرب ثار جدل كبير حول كيفية النهوض بهذا المنتخب استعدادا لكأس العالم القريب فإذا بقيس سعيّد يتدخل ليفرض على الفنيين والخبراء واتحاد الكرة ضرورة انتداب مدرب جديد للمنتخب لا يكون إلا تونسيا مقصيا بذلك أي إمكانية للاستعانة بكفاءة عالمية!! وقد كان لافتا للغاية ما لقيه تصريح للاعب المنتخب حنّبعل المجبري حين ألمح بطريقة خفية للغاية بأن تعثر المنتخب ما هو في الحقيقة سوى انعكاس لتخلف عام في كل الميادين.
التونسيون، المغلوب على أمرهم والتائهون بين سلطة فاشلة ومعارضة غير جذّابة، يواجهون يوميا ظروفا معيشية صعبة، ليس ارتفاع الأسعار أو غياب بعض السلع سوى أحد ملامحها. هناك اليوم تدهور عام في كل القطاعات من صحة وتعليم ونقل، وعجز مخيف في كل شركات ومؤسسات القطاع العام، وشح في المالية العمومية، وتدهور مخجل في نظافة الشوارع وصيانة الطرقات المهترئة، وآخر ما سجل غياب عديد الأدوية التي لها علاقة بالسرطان وأمراض مزمنة مختلفة وهو ما لم يعهده المواطنون من قبل.
أحد المواطنين ممن شارك السبت الماضي في مظاهرة تحت شعار «ضد الظلم» تحدث في الشارع بكل عفوية إلى إحدى القنوات العربية فقال إنه أراد من خلال مشاركته «إيصال رسالة مفادها أننا كلنا تونسيون ولا خلاف بيننا. لا انتماء حزبيا لي ولا إشكال لدي مع من له مثل هذا الانتماء. جئت اليوم لأن البلاد على حافة الهاوية، لأن البلاد لم تعد بلادا، لم تعد فيها مؤسسات، لم يعد فيها حكم، لم يعد فيها عقل يُسيّر. جئت لأن والديّ تركا لي بلدا قائم الذات، وأخاف أن أموت وأترك لأولادي لا دولة.. لا شيء».

كاتب وإعلامي تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء