جيوبوليتيك الشاشات

جيوبوليتيك الشاشات

16-01-2026 12:06 AM

بينما تتسارع الأحداث حتى تكاد تتعثر في التقاط أنفاسها، وتتشابك الخيوط السياسية بالاجتماعية في المشهد الإيراني، يلفت انتباه المراقب دور متغير استراتيجي يعيد تشكيل آليات الصراع التقليدية بين الدولة والشارع، مع بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين.
إذ لم تعد اللعبة محصورة في إطار الجغرافيا المادية للميادين والشوارع، بل تمددت لتحتل فضاءً موازياً لا يقل شراسة وأهمية: الفضاء السيبيري الرقمي.
ما نشهده في إيران اليوم هو اكتمال النموذج لما يمكن تسميته بـ «حروب السيادة السيبرية»، التي يقف الإنترنت والصورة في قلبها كفاعلين استراتيجيين لهما القدرة على ترجيح كفة الميزان السياسي لطرف على آخر.

الصورة: من التوثيق إلى صناعة الحدث

تبدو السمة الأبرز للاضطرابات السياسية في عصر ما بعد الحداثة تكرس الدور المحوري لـ»الصورة». ولعل النصّ الشهير للفيلسوف الفرنسي جان بودريار مقالة «حرب الخليج لم تقع – 1991» كان أول تنظير بأن الحرب كما عاشها الجمهور الغربي حينئذ لم تكن وقائع حرب حقيقية بالمفهوم الكلاسيكي، بل محاكاة إعلامية صاغها وتحكم فيها الإعلام الأمريكي لحظة ظهور الفضائيات التي تبث الحدث 24/7 وقدمت عرضاً تلفزيونياً مُحكماً موجهاً، لا تجربة حرب بكل فوضاها، ولا يقينها، ولا قابليتها للتأويل.
لاحقاً، بعد شيوع الإنترنت والهواتف الذكية أصبحت الحرب السيبيرية عموماً جزءاً أساسياً من إدارة الصراعات تكون فيها «الصورة» بمثابة جبهة موازية يتم عبرها صياغة السردية من خلال بث وقائع متحكم فيها بثاً مباشراً ومستمراً بغض النظر عن مجريات الأحداث الحقيقية على الأرض.
تكتسب الصورة قوتها هنا مما يسميه علماء نفس السياسة بـ»المصداقية الخام». فبينما يمكن التشكيك في البيانات النصية أو الخطابات السياسية من كلا الطرفين (السلطة والمحتجين)، تقف مقاطع الفيديو التي يلتقطها أفراد عاديون من قلب الحدث كشواهد بصرية يصعب دحضها بسهولة. وتعمل هذه الصور، التي توثق التجمعات أو المواجهات أو إطلاق الشعارات، كوقود لإشعال مزيد من الاضطرابات. إذ أن رؤية مشاهد لمتظاهرين يكسرون حواجز الخوف في مدينة ما، تمنح دافعاً لمدن أخرى للانضمام، مما يخلق حالة من «وحدة الشعور» العابرة للجغرافيا.
في المقابل، تدرك المؤسسة الرسمية خطورة هذه الرموز البصرية، وتسعى لتقديم صورتها الخاصة التي تركز على الاستقرار، والمظاهرات المؤيدة، أو مشاهد الفوضى التي تبرر التدخل الأمني، مما يضعنا أمام «حرب صور» متضادة تتنافس على احتلال وعي المتلقي.

الإنترنت: شريان حيوي وتهديد سيادي

في إطار الأزمة الحالية، ينبغي النظر إلى الإنترنت في إيران كبنية تحتية تنظيمية بديلة لغياب الهياكل الحزبية التقليدية المعارضة أو النقابات المستقلة القادرة على تأطير الحراك الشعبي، ويعمل اليوم بمثابة «الجهاز العصبي» للحراك، فهو يوفر منصة للامركزية المفرطة.
المتظاهرون والمحتجون لا يحتاجون إلى قيادة هرمية تصدر الأوامر من الأعلى، بل يعتمدون على «الذكاء الجمعي» وتنسيق الحشود عبر تطبيقات المراسلة المشفرة.
هذه الديناميكية تجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية للدولة التنبؤ بمسار الأحداث أو احتوائها بالطرق التقليدية، فالجسد الاحتجاجي هنا ليس له رأس واحد يمكن قطعه، بل هو شبكة عنكبوتية معقدة تتجدد باستمرار وتحظى بالدعم الخارجي.
على الجانب الآخر، تدرك الدولة الإيرانية بعمق هذه الحقيقة. لذلك، فإن تعاطيها مع ملف الإنترنت يخرج من دائرة «الرقابة» التقليدية ليدخل في دائرة «السيادة الرقمية».
المشروع الطموح المعروف بـ «الشبكة الوطنية للمعلومات» يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى توطين الفضاء السيبراني، بحيث تمتلك الدولة القدرة على فصل الشبكة الداخلية عن الشبكة العالمية عند الضرورة، مع ضمان استمرار الخدمات الحيوية (المصرفية والحكومية).
هذا الإجراء يتعدى مستوى الإجراء التقني ليكون بمثابة قرار سياسي يهدف إلى استعادة السيطرة على تدفق المعلومات ومنع ما تراه السلطات الإيرانية «اختراقاً ثقافياً وأمنياً» عبر الفضاء المفتوح.
ويبدو هنا نجاح طهران في تحطيم أسطورة «الإنترنت الفضائي العصي على الحجب بمثابة تطور دراماتيكي ذي أصداء عالمية في سياق الحروب السيبيرية المعاصرة.
فقد انتقلت الدولة الإيرانية من استراتيجية الدفاع السلبي إلى الهجوم الكهرومغناطيسي المباشر، محققةً نجاحاً غير مسبوق في تحييد منظومة «ستارلينك» بنسبة تجاوزت 90 في المئة، وذلك عبر نشر منظومات تشويش متطورة (روسية المنشأ) استهدفت إغراق إشارات الـ GPS بـ «ضجيج لاسلكي» شل قدرة الأطباق على الاتصال بالأقمار.
لم تكتفِ السلطات بالحلول التقنية، بل زاوجت بينها وبين أدوات قانونية ورصد ميداني دقيق؛ حيث جابت الطائرات المسيرة سماوات المدن لكشف الأطباق فوق الأسطح، بالتزامن مع تفعيل تشريعات صارمة تصنف حيازة معدات الإنترنت الفضائي كجناية «تجسس» قد تصل عقوبتها للإعدام.
تهدف هذه الإجراءات إلى عزل بؤر التمرد عن بعضها البعض، ومنع «تصدير» الصورة إلى الخارج، وبالتالي تقليل الكلفة السياسية والدبلوماسية للاضطرابات.

ضبابية المشهد:بين الحقيقة والتضليل

وسط هذا الضجيج الرقمي، تعاظمت معضلة «أزمة التحقق»، فالفضاء السيبيري المفتوح يظل سلاحاً ذي حدين، فهو بقدر ما ينقل الحقيقة، يوفر بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة.
ونشهد في الحالة الإيرانية الأحدث تدفقاً هائلاً للأخبار والصور، لكن كثيراً منها يفتقر للسياق أو الدقة.
وتقوم أطراف المعارضة بالمبالغة في تصوير حجم الاحتجاجات ليبدو النظام متهالكاً، بينما يقوم النظام ببث محتوى عن مؤامرات خارجية أو ينشر فيديوهات تنزع المصداقية عن المحتجين.
غياب وسائل الإعلام المستقلة والمحايدة داخل الميدان يفاقم من هذه الضبابية، ويجعل من «السردية» سلعة خاضعة للتلاعب والجمهور، سواء في الداخل أو الخارج، أسيراً لما يُعرض على شاشاته الكبيرة والصغيرة، لتكون الحقيقة، كما دائماً، ضحية أولى للصراع.
ويضيف البعد الخارجي طبقة أخرى من التعقيد، إذ تلعب الجاليات الإيرانية في الخارج دوراً محورياً في كسر الحصار الرقمي.
لقد تحول كثير من الإيرانيين في المنافي إلى «جسر رقمي» تعيد بث ما يصلها من الداخل، وتترجمه، وتضعه على طاولات صناع القرار الغربيين. هذا التشبيك بين الداخل والخارج عبر الإنترنت يحول قضية الاضطرابات من شأن محلي داخلي إلى ملف دولي ساخن يؤثر على مفاوضات الملف النووي والعلاقات الدبلوماسية والطموحات الجيوبوليتيكة ما يجعل من معركة الربط عبر الإنترنت ورقة ضغط سياسية لا تقل أهمية عن العقوبات الاقتصادية.

السيطرة السيبيرية غيرت مفهوم السيادة

إن ما يجري في إيران اليوم يقدم درساً بليغاً في طبيعة تحولات الصراعات السياسية المعاصرة. لقد غيرت التكنولوجيا مفهوم القوة، فالسيطرة على الأرض لم تعد تكفي لفرض الاستقرار إذا ما فقدت الدولة السيطرة على الفضاء الافتراضي.
وفي المقابل، لا يمكن لحراك أن يترجم غضبه الرقمي إلى تغيير سياسي واقعي دون وجود آليات تنظيمية على الأرض.
نحن أمام مشهد مفتوح الاحتمالات، حيث تتصارع «السيادة الرقمية» للدولة الإيرانية مع «التمرد الرقمي» للمجتمع.
وفي ظل استمرار هذا الشد والجذب، تبقى الصورة المنقولة عبر الأنترنت هي الأداة الأخطر لامتلاك الرواية الأكثر إقناعاً.
إيران اليوم ليست مجرد دولة أخرى تعيش اضطرابات مجتمعية، بل مختبر عالمي لمستقبل الصراعات في عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي.

٭ إعلامية وكاتبة من لبنان



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد