من الجزائر إلى أمريكا: الوجهة واحدة والطرق شتّى

من الجزائر إلى أمريكا: الوجهة واحدة والطرق شتّى

27-01-2026 12:25 AM

أشاهد شابين جزائريين على «تيك توك»، يتحدّثان في مواضيع تتراوح بين الجدّ والسخرية، بينما الأوّل يرجو دعوة من الثّاني من أجل اختبار كرمه، فيردّ عليه الثّاني: «بيتي ليس غرينلاند، يدخل إليه من يشاء».
لفت انتباهي هذا التّشبيه، لأن غرينلاند بلاد بعيدة عن المخيّلة المحلية، ولم نسمع عنها من قبل، بل هناك من يجب أن يبحث في الخريطة كي يعرف موقعها. لم نشاهد فيلمًا عنها ولا نتذكر أن كتابًا متداولا في الجزائر تدور وقائعه في أرجائها.
مع أنّها تصدّرت قائمة الأخبار في الأيّام القليلة الماضية، صارت على واجهات الصحف العالمية ونشرات الأخبار. والسبب في فضولي أنه لم يأت ذكر على غرينلاند في القنوات المحليّة، وذلك منذ اندلاع الأزمة ومنذ أن أعلن ترامب عن نيّته في ضمّها.
مما يعني أن هؤلاء الشباب يستقون أخبار العالم من الـ»سوشيال ميديا» أو من فضائيات أجنبية، لأن «الميديا» في الدّاخل لا تطلّ برأسها حيال ما يحصل في العالم.
فقد طال انتظاري أسبوعين كاملين، وأنا أترقّب أن تبادر واحدة من القنوات المحلية (على كثرتها) إلى تخصيص بلاتو نقاش يتعرّض إلى الوضع في غرينلاند، أن تستضيف ما يُطلق عليهم خبراء أو محللون، ونسمع منهم كلامًا يفيد العقل والمنطق في تبسيط الأمور وفي شرح مجريات الأحداث وفي فرضيات تطوّرها على الواقع، أن ينيروا الرّأي العامّ بدل أن يظلّ رهينة إعلام خارجي.
لكن انتظاري لا جدوى منه، لأن هذه القنوات يبدو أنها تهتّم بمباراة في كرة القدم أو تنتفض إزاء تصريح من مسؤول محلي أو أجنبي، أو تصحو إزاء فضيحة في مهرجان أو في شارع عام، لكنها غير مكترثة بما يجري في أرجاء بعيدة عنها.
يبدو أنها قنوات فضائية تفضل الانعزال بنفسها أو الانغلاق على أخبار محلية أو أخبار من دول الجوار كأقصى حدّ، وكأنه لا يوجد قسم للأخبار الدّولية في مقارها.
وهذا الحال يكاد ينطبق كذلك على نشرة الأخبار الرّئيسية في التّلفزيون الرّسمي. لكن النّاس العاديين لهم رأي آخر، يتابعون ما يجري في الشّرق والغرب، لا ينتظرون من الإعلام المحلي أن ينير طريقهم، مع أن الآراء إزاء أزمة غرينلاند غير واضحة، ويبدو أن رواد الـ»سوشيال ميديا» معنيون بأمريكا أكثر من أي منطقة أخرى من الكون، والسبب بسيط، لأن كأس العالم في كرة القدم، سوف يقام هذه الصيف في أمريكا، ولا تفصلنا عنه سوى خمسة أشهر، ومن الشباب من يمنّي نفسه بالوصول إلى بلاد العم سام، من أجل تشجيع المنتخب من جهة، ومن جهة أخرى من أجل السيّاحة. لكن الوصول إلى أمريكا لم يعد ميسرًا مثلما مضى، فقد طرأ أمر جديد، يعقد الحصول على تأشيرة إليها، وهو أمر شغل مرّة أخرى وسائل التواصل، من غير أن نسمع تفاعلا معه في القنوات المحلية.

الكفالة مقابل التّأشيرة

أينما وليت وجهك في الأيام الأخيرة، فلا بدّ أن تصادف فيديو في مواقع التّواصل، يتحدّث عن أمريكا، عن تكاليف الإقامة فيها لبضعة أيّام، عن تكاليف إيجار غرفة أو شقّة، تكاليف إيجار سيّارة أو شراء تذكرة سفر من ولاية إلى أخرى، لأن أمريكا تبدو مثل حلم في عقول الشباب، لا سيما منهم مشجعو منتخب الكرة، لذلك فإنهم يؤجلون النّقاش بشأن غرينلاند إلى أن تنتهي مباريات المنتخب في كأس العالم.
لكن طرأ تفصيل جديد، وعلى أهميته لم نسمع نقاشا عنه في التلفزيونات ولا في الجرائد، إلا في حالات نادرة، بعدما قررت الخارجية الأمريكية ضمّ اسم الجزائر إلى قائمة دول تفرض على بعض رعاياها دفع كفالة تتراوح بين 5 آلاف و15 ألف دولار، من أجل الحصول على تأشيرة سياحية أو تأشيرة أعمال، وهو مبلغ يمكن استرداده في حال الالتزام بشروط التأشيرة ومغادرة أمريكا في الآجال المحددة. مع أنه تفصيل ثانوي، لكنه لم يمر من غير إثارة جدل في مواقع التّواصل.
يغيب عن هؤلاء الشّبان أن دونالد ترامب رجل أعمال في الأساس، بائع عقارات وصاحب أملاك، ومثلما فرض رسوما جمركية على الدّول، عقب وصوله إلى البيت الأبيض، فإنه لا يتوانى عن فرض تكاليف على أناس عاديين، بما يفيد الخزينة في بلده. ودخل النّاس في حيرة وجدل جراء الإجراء الجديد، لا سيما أن تأشيرة أمريكا تشهد تعقيدات أكثر مما عليه الحال مع تأشيرات دول أخرى.
وبدل أن ينتقل هذا الجدل إلى شاشة تلفزيون في الجزائر أو على صفحات جريدة، قصد تبسيط الأمور وفضّ الغموض، وألا يجد الشباب أنفسهم في حيرة، وهم ينتقلون من «فيسبوك» إلى «تيك توك»، يصغون إلى معلومات لا محل لها من الواقع، قرر الإعلام المحلي أن ينأى بنفسه، وكأن الأمر لا يخصه.
هذا الإعلام الذي يسارع في نقل أخبار عن تزفيت طريق أو في تصوير مشاجرات تجري في الأزقة الخلفية، أو في تصوير تسرّب في أنبوب الماء، لكنه لا يخوض سوى في ما ندر في قضايا تعني هؤلاء الشباب التّائهين في مواقع التّواصل.
يبدو أن القنوات حشدت العدّة، قبل الأوان، وهي تفيد المشاهدين كلّ يوم عن توقعاتها بشأن كأس العالم، وعن المباريات التحضيرية التي سيخوضها المنتخب، لكنها نسيت أمر المشجعين، الذي قد يجدوا أنفسهم مجبرين على دفع الكفالة مقابل الحصول على تأشيرة.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد