هل تستحوذ الصين على كندا فعلاً
في تصريح لافت للاهتمام، مرّ مرور الكرام وسط ضجيج الأخبار وتزاحم الأزمات العالمية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن «الصين تستولي على كندا بالكامل، ومن المحزن رؤية ذلك». تصريح قصير، لكنه جاء ملغوماً ومحملاً بدلالات سياسية واقتصادية مهمة، تستحق دراستها والوقوف عند طبيعة مقاصدها ومراميها، لا بوصفها أمراً مُسلَّما به، بل كقضية تعكس عقلية صراع النفوذ، الذي يبتلع العالم جراء إصرار ترامب على السيطرة المطلقة على هذا العالم، واستخدام سلاح الضرائب ضد الدول على اختلافها، كلما غضب منها، أو أدارت هي الظهر له ولنزواته السيادية، كموضوع احتلاله لجزيرة غرينلاند العملاقة.
فهل فعلا تستحوذ الصين على كندا؟ أم هو خطاب شعبوي أراد ترامب من خلاله تخويف العالم والداخل الأمريكي من تصاعد النفوذ الصيني؟ عند التمحيص في مصطلح «الاستيلاء»، لا تجد دبابات صينية على الأراضي الكندية، ولا أعلاما حمراء تُرفرف فوق تخوم العاصمة الكندية أوتاوا، لا رصاص لا مقاتلات ولا قوات. هو ذاك التمدد الاقتصادي الاستثماري الصيني في قطاعات مختلفة، تمدد لا يقتصر على كندا وحدها، بل يشمل العالم بأسره بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
إن ما تفعله الصين بالواقع ومن خلال ذلك التمدد، يعكس دورها المتنامي كقوة اقتصادية صاعدة: تنتج كل شيء بلا توقف، لعالم لا يترك شيئاً إلا ويشتريه. وهو ما يجعل مهمة الصين في البحث عن الأسواق، والموارد، والاستثمارات، والشراكات طويلة الأمد، أمراً بديهياً وفي كل الاتجاهات، إلى أن أطلقت الصين مشروعها الداخلي الأضخم في مكافحة التصحر غربي أراضيها، لتوسع من قدراتها الإنتاجية والصناعية، في ظل تزايد الطلب العالمي على صناعاتها. أما كندا التي أضناها ترامب خلال عام من التلويح تارة بضمها، وتارة أخرى بعقابها ضريبياً، باتت من جهتها تبحث عن بدائل تقيها شرور ترامب، فانطلقت كدولة رأسمالية واعدة، لتحقيق انفتاحها الأكبر على الصين خاصة، في ظل بيئة قانونية تسمح لكندا أن تضمن تدفق الاستثمارات الأجنبية، وسط أطر عدلية محددة. هنا تصاعد التعاون الكندي الصيني، وتعزز مع زيارة رئيس وزراء كندا مارك كارني الأخيرة إلى الصين، ما سيعزز دخول الشركات الصينية إلى قطاعات مثل التعدين، والطاقة البديلة، والعقارات، والتكنولوجيا، ليس في إطار توريد الاحتياجات المختلفة في تلك المجالات فحسب، بل من خلال انفتاح كندا على رؤوس الأموال الصينية المستثمرة على الأراضي الكندية وفي تلك النطاقات. مطامح كندا التجارية، لن تقف عند الصين، بل ستتوسع لتشمل تنوع خريطة شركائها الاقتصاديين، بصورة ستغنيها عن الاعتماد على أمريكا، ما يغضب «العم» ترامب. ولعل مشكة ترامب لا تكمن فقط في حجم الاستثمار بحد ذاته، بل أيضاً في طبيعة القطاعات التي ستتوسع استثمارات الصين فيها، وهي قطاعات حساسة بالنسبة لأمريكا. وتشتمل تلك الاستثمارات على المعادن النادرة، والبنى التحتية الاستراتيجية، والطاقة البديلة وما يرتبط بها من صناعات وتقنيات متقدمة ولامتناهية. هنا لا بد أن ترامب، في تذمره يطرح سؤالاً صعباً: أين يتوقف الخوف من التمدد الاقتصادي، وأين يبدأ الخوف على الأمن القومي؟
إن نظرة الولايات المتحدة لكندا لا ترتبط بحدود الجوار فحسب، بل تشمل كامل الاعتبارات الجيوسياسية والامتدادات الاستراتيجية والأمنية، أي أن تصاعد الوجود الصيني المتزايد في كندا، يُفسره ترامب وواشنطن باعتباره اختراقا للجبهة الشمالية، حتى لو كان مغلفا بعقود استثمارية وأواصر اقتصادية. ترامب، بخطابه المباشر والصادم، لم يكن مرتاحاً لوجود الصين والروس في غرينلاند فكيف له أن يقبل ذلك على حدوده الشمالية المباشرة؟ نزق ترامب مالياً يعزز حجم الإنذار السياسي والاقتصادي الذي يطلقه اليوم، فهو لا يخاطب كندا والصين فحسب، بل يوجه ذلك الإنذار من باب الإخافة للأمريكيين، بغرض إرعابهم على قاعدة «العم سام يخسر، والتنين يربح». لكن الشعب الأمريكي وأمام تصاعد المواجهات المستمرة محلياً، وفي عدة ولايات مع رجال ترامب، ونزق ترامب ذاته ومؤتمراته الصحافية اللامتناهية، وتهديده ووعيده المتواصلين، بات يقتنع بأن تمدد الآخرين لم يأتِ فقط نتاج شطارتهم، بل نتاج سياسة الكاوبوي التي يتبعها البيت الأبيض. الواقع أن كندا ليست ضحية استحواذ، بل لاعب يحاول حماية مصالحه الاقتصادية والتزاماته السياسية، مقابل التّغول الأمريكي والبحث عن بدائل استثمارية أخرى، تتنازل معها كندا عن التشدد الذي قادته سابقاً في مراجعة الاستثمارات الأجنبية وتحديداً الصينية.
الصين ولست ناطقاً باسمها، لن تستولي على كندا، لكنها تتمدد اقتصاديا بذكاء وصبر تماماً كما تفعل حول العالم، وهو ما يترجم القناعة الصينية، بأن الصين لا تطلق الحروب، ولا تسفك الدماء، لكنها حتماً تشعل نيران التصنيع والتطوير بصورة جبارة لا تعرف حدوداً ولا قيوداً. كندا حتماً لا تُباع ولا تباع أي من الدول والشعوب الأخرى، لكنها وغيرها وفي ظل ترامب، إنما تمشي على حبل رفيع بين جذب الاستثمار وحماية السيادة. أما تخوفات ترامب، فإنما هي مرآة لقلقه المتزايد. قلق من عالم لن يبقى هو اللاعب الأوحد فيه، وربما يستفيق ذات يوم فلا يجد لسلاح ضرائبه الموجع اليوم، أي أثر يذكر غداً.
هذا التحول الكندي وغيره من تحولات الدول الأخرى لا يقوم على قاعدة من يدفع أكثر، بل من يفهم قواعد اللعبة الجديدة بصورة أوضح فأوضح، فلا يبقى متلقياً لضربات ترامب وضرائبه الرامية لتركيع حلفائه والاستحواذ على أرضهم، بل يوسع مساحاته الاقتصادية حتى لا يجد نفسه وقد ركع أمام أمريكا بحثاً عن الثناء والحبور، فهل يسير بقية العالم في هذا الاتجاه أكثر فأكثر؟ ننتظر ونرى.
كاتب فلسطيني
s.saidam@gmail.com
توقعات بتثبيت أسعار الفائدة الأميركية
الذهب يواصل تحطيم الأرقام القياسية
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في الحكومة .. التفاصيل
توضيح بشأن أسعار النفط الأربعاء
عدة قضايا على طاولة النواب اليوم
أمطار غزيرة اليوم وتحذير من السيول
إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري
أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً
مأزق الدول الغربية أمام سجناء «داعش» في العراق
منجزات رقمية قياسية تعزز ريادة الاتصالات الأردنية 2025
إحالات إلى التقاعد في وزارة التربية .. أسماء
مذكرة تطالب بعدم اقرار نظام تنظيم الإعلام الرقمي
وفاة المحامية زينة المجالي إثر تعرضها للطعن
قصة البطريق الذي غادر القطيع وأشعل الترند
4 أسباب تجعل سلق البطاطا الحلوة خيارًا أفضل صحيًا
جامعة مؤتة تعلن مواعيد جديدة للامتحانات المؤجلة
تحديد مواعيد دخول زيت الزيتون التونسي بكميات كبيرة الى الاردن
اليرموك تتصدر محليًا بتخصصات طبية وإنسانية في تصنيف التايمز إنفوجراف
4 آثار خطيرة لشرب القهوة على معدة فارغة .. تعرف عليها
شركة بلو أوريجين تعتزم إطلاق شبكة للإنترنت الفضائي
مذكرة تفاهم بين اليرموك والسلطان الشريف علي
علاج جديد مبتكر بالضوء للصدفية بلا آثار جانبية



