حرب المخدرات جدار من الوعي قبل السلك الشائك

حرب المخدرات جدار من الوعي قبل السلك الشائك

14-02-2026 11:08 PM

في خضم المعركة الوجودية التي تخوضها المجتمعات ضد آفة المخدرات، تبرز المناطق الحدودية والبادية كأكثر المواقع الجغرافية قابلية للاختراق، ليس على المستوى الأمني فحسب، بل على المستويين الديني والقيمي والاجتماعي أيضًا. فهذه المناطق، بطبيعتها الجغرافية الممتدة وصعوبة الرقابة الأمنية فيها، تتحول إلى ممرات رئيسية وأهداف لتجار السموم. وإذا كانت المداهمات الأمنية والكمائن تشكّل خط الدفاع الأول المادي، فإن بناء الجدار الفكري والقيمي الواعي هو الأهم لمواجهة هذه التجارة الخبيثة.
فالمناطق الحدودية بيئة خصبة لتهريب المخدرات بسبب قربها من المصادر الخارجية وتسلل العصابات الإجرامية عبرها. وقد أظهرت التقارير الإعلامية والجهات الأمنية أن هذه المناطق تشهد عمليات تهريب مستمرة تستخدم فيها كافة الأساليب المتطورة بحسب مقتضى الحال.
إن التعامل مع هذه المشكلة أمنيًّا فقط لا يكفي؛ فهو علاج للنتائج وليس للأسباب. ومن هنا تنبع الحاجة الملحة لإنشاء خط دفاعي ثانٍ يتمثل في سكان المناطق الحدودية والبادية، وذلك بترسيخ قيم الدين والمبادئ السامية في نفوسهم ليكونوا جدارًا احتياطيًّا يمنع التجار والمهربين من استخدام مناطقهم لنقل المخدرات وإدخالها إلى المملكة.
وهنا يجب التأكيد على أن سكان هذه المناطق من القبائل الأردنية العريقة الأصيلة، والتي كان لها الفضل منذ تأسيس المملكة في حماية الأردن وتقديم التضحيات الكبيرة من أجل الذود عنه. لكن إذا نظرنا إلى واقع هذه المجتمعات، وجدناها تفتقر إلى استكمال الخدمات الأساسية، وتعاني من شح فرص العمل، وتدنّي المستوى المعيشي، وانتشار الفقر والبطالة، وانخفاض المستوى التعليمي. وهذه الظروف تُعدّ بيئة خصبة لتجار الموت ليستغلوا بعض ضعاف النفوس للتعاون معهم.
وبينما ننفق ملايين الدنانير على حماية الحدود، وملايين أخرى على علاج المدمنين، وتكاليف باهظة على اعتقال التجار والمروجين في السجون ، فإن الأَوْلى بنا أن نستثمر في تجفيف منابع هذه السموم من جذورها، عبر بث الوعي والتثقيف بين سكان هذه المناطق ليكونوا حصناً منيعاً أمام أي محاولة من تجار الموت لاستغلالهم أو استغلال مناطقهم لنقل سمومهم إلى داخل المملكة. وهذا الاستثمار سينعكس إيجابًا ليس فقط في حماية المجتمع، بل أيضًا في خفض النفقات الأمنية والعلاجية على المدى الطويل.
وهنا سأقتصر الحديث عن دور الوعظ والإرشاد في هذه المناطق، واستهداف الأسرة، وخاصة الأم، التي تُعَدّ الركيزة الأساسية والقدوة الأولى في التربية. فالأم تبني شخصية الأبناء وتغرس فيهم القيم والأخلاق الحميدة كالصدق والأمانة والمسؤولية من خلال الرعاية العاطفية، وتسهم في تشكيل عقولهم وقلوبهم، وتوجيه سلوكهم، وتوفير بيئة آمنة تعزز نموهم النفسي والعاطفي، مما يجعلها مدرسة حقيقية لبناء أجيال واعية ومتميزة.
المرأة في المناطق الحدودية والبادية ليست مجرد فرد في المجتمع، بل هي نواة الأسرة وصانعة الأجيال. فإذا كانت المرأة واعية بخطورة المخدرات ومدركة لحرمتها الشرعية، استطاعت أن تحصن أبناءها وزوجها من الوقوع في براثن الإدمان أو حتى الانخراط في شبكات التهريب طمعًا في الكسب السريع. ومن أجل ذلك، لا بد من وجود واعظة متخصصة تستطيع النزول إلى هذه المناطق، ومخاطبة النساء بلغة يفهمنها، ومراعاة خصوصية عاداتهُن وتقاليدهن، لغرس قيم الرفض المجتمعي لهذه الآفة.
وإن دور الواعظة لا يقتصر على الوعظ والإرشاد الأخلاقي فحسب، بل يتعداه إلى تعليم النساء الأحكام الشرعية الدقيقة المتعلقة بالمخدرات، والتي تُشكّل حجة دامغة في مواجهة تبريرات الضعفاء والمغرَّر بهم. فبينما تشكل مناطق البادية في المملكة حوالي 80% من مساحتها، نجد أن عدد الواعظات في البادية الشمالية الشرقية — التي تشكل جزءًا كبيرًا من مساحة الأردن — لا يتجاوز خمس واعظات، بينما البادية الوسطى تضم سبع أو ثماني واعظات، والبادية الجنوبية كذلك. وهذه الأعداد لا تكفي لتغطية حيٍّ واحد من أحياء المدن الكبرى، فكيف لها أن تؤدي دورًا فعّالًا في مناطق شاسعة ومتباعدة؟
لذا أقترح على رئاسة الوزراء اتخاذ قرار فوري ومباشر بتعيين ما لا يقل عن مائتي واعظة من أبناء هذه المناطق ممن يحملن مؤهلاً شرعيًّا، ومنحهن دورة متخصصة في مخاطر المخدرات وحرمتها الشرعية والآثام والأوزار التي تنجم عنها، وذلك لنشر هذه الأفكار والأحكام الشرعية ضمن مجتمعاتهن المحلية، وتشكيل حصناً منيعاً يقف خلف الجنود البواسل في محاربة المخدرات، وبناء جبهة ردع مجتمعي فاعلة لمواجهة هذه الآفة التي تفتك بالشباب والمجتمع.
هذا الاستثمار في الوعي هو تحصينٌ للمجتمع من الداخل. فالواعظات هن القادرات على الوصول إلى عمق الأسرة، وترجمة الأحكام الشرعية إلى واقع حي، وتحويل النساء إلى حارسات لأبنائهن ومجتمعاتهن ضد هذه الآفة. إنها دعوة لتبني سياسة دعوية وقائية شاملة تضع الرجال والنساء على جبهة واحدة لمواجهة خطر يهدد الأمن الفكري والاجتماعي قبل الأمن الجسدي. ونأمل أن تولي الجهات المختصة هذا المقترح الاهتمام اللازم، وأن تدرج ضمن خطتها الدعوية تعيين واعظات مقيمات دائمًا في هذه المناطق الحساسة، لا عبر قوافل مؤقتة فقط، ليكنّ ركيزة أساسية في استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة المخدرات.
فلا تُبنى الحصون بالأسلاك الشائكة وحدها، بل بالقلوب الواعية والعقول الحارسة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ليلة أصالة في موسم الرياض .. ليلة مثل الحلم

وزير الخارجية الإسرائيلي سيحضر أول اجتماع لمجلس السلام الخميس

روبيو يؤكد في ميونخ ان الامريكان عشيرة اوروبية

النصر يهزم الفتح على أرضه

الغذاء والدواء تبدأ حملة رقابية على معامل الأرز استعدادًا لرمضان .. فيديو

قائمة أكثر الأندية دفعا للرواتب بالدور الإنجليزي .. واللاعبين الأعلى أجرا

واشنطن: ترامب يفضل إبرام اتفاق مع إيران لكن هذا صعب للغاية

جدل حول إدخال الإعلانات إلى شات جي بي تي ومخاوف من انتهاك الخصوصية

حرب المخدرات جدار من الوعي قبل السلك الشائك

كتلة هوائية دافئة ترفع الحرارة إلى منتصف العشرينيات منتصف فبراير

نور الغندور بالشعر المنسدل فوق قمم سويسرا الثلجية .. صور

من الورود إلى الريلز: عيد الحب في زمن المنصات الاجتماعية

طرح أغنية افتتاح ألعاب ماسترز أبوظبي 2026 على المنصات

وزارة البيئة: نوعية الهواء غير جيد بسبب الأحوال الجوية

نائب: قوننة استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 16 عاما استجابة لمخاوف الأهالي