الخجل من البلاغة والتبجّح بالركاكة

الخجل من البلاغة والتبجّح بالركاكة

14-02-2026 12:43 PM

في زمنٍ يُقاس فيه الذكاء بعدد الكلمات الإنجليزية المُقحمة قسرًا في الجملة العربية، صار التباهي بالركاكة فضيلة، والخجل من البلاغة سلوكًا اجتماعيًا “حضاريًا”. لم يعد العيب أن تُخطئ في لغتك الأم، بل العيب أن تُجيدها. ولم يعد الجهل بالعربية مدعاةً للخجل، بل أصبح وسام “تحضّر” يُعلّق على الصدور بلا حياء.
ثمة فئة لا تتقن الإنجليزية إتقانًا حقيقيًا، ولا العربية معرفةً أو ذوقًا، لكنها تُصرّ على التشبث بالأولى كقناعٍ هش، وتُدير ظهرها للثانية كأنها عبء ثقيل أو ماضٍ مُحرج. فترى الجملة مشوّهة، لا هي عربية تُحترم، ولا إنجليزية تُفهم، وإنما خليط لغوي ركيك، يتباهى به صاحبه وكأنه إنجاز معرفي.
العربية، هذه اللغة التي قامت على البلاغة، وتنفست الشعر، وشُيّدت بالفصاحة والدقة، لم تكن يومًا لغة فقرٍ معرفي أو انغلاق. هي من أصعب لغات العالم، وأغناها مفردات، وأعمقها قدرةً على التعبير عن أدق المشاعر وأعقد الأفكار. لغة لا تُتقن إلا بالجهد، ولا تُحب إلا بالمعرفة، ولا تُفهم إلا بالانغماس فيها. وربما هنا تكمن المشكلة: فالعجز عن امتلاك البلاغة أسهل من الادعاء بامتلاك لغة أخرى.
لقد كان التفاخر يومًا بحفظ الشعر، وإجادة البيان، والقدرة على سبك الجملة المحكمة، وانتقاء المفردة الفذّة. كان اللسان العربي معيارًا للثقافة، ودليلًا على عمق الفكر. أما اليوم، فقد انقلبت المعايير؛ فصار التلعثم فضيلة، والسطحية “كلاس”، والحديث بلغة هجينة دليل انتماء لطبقة متخيّلة من “المثقفين العصريين”.
والأخطر من ذلك، أن هذا التبجّح لا يعكس حبًا للإنجليزية، بل احتقارًا مبطّنًا للعربية. فالإنجليزية لغة علم ومعرفة، نعم، لكنها لا تُكتسب بالاستعراض، ولا تُحترم حين تُستخدم كزينة لغوية لإخفاء خواء الفكرة وضعف المحتوى. من يُجيد لغة أجنبية بحق، لا يحتاج أن يلوّح بها في كل جملة، ولا أن يجلد لغته الأم كي يُثبت تفوقه.
ليست المشكلة في تعلّم الإنجليزية، ولا في استخدامها حيث يلزم، بل في عقدة النقص التي تجعل بعضهم يهرب من العربية لأنها تكشف مستواه الحقيقي. فالعربية لا ترحم؛ إما أن تُجيدها أو تفضحك. أما الركاكة، فهي ملاذ آمن لمن لا يريد أن يُتعب نفسه بالفهم والتمكّن.
الخجل الحقيقي ليس في الاعتزاز بالعربية، بل في التفريط بها. وليس التقدّم في التبرؤ من لغتك، بل في أن تُتقنها وتضيف إليها، ثم تنفتح على لغات العالم من موقع قوة لا من موقع استجداء ثقافي.
فاللغات تُضاف إلى الهوية، لا تُستبدل بها. ومن لم يجد ما يتباهى به في لغته الأم، لن يجد في غيرها سوى قشرة لامعة تخفي فراغًا عميقًا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد