هل تصفير المديونية في الجامعات الرسمية إنجاز أم مؤشر يحتاج إلى تدقيق

هل تصفير المديونية في الجامعات الرسمية إنجاز أم مؤشر يحتاج إلى تدقيق

14-02-2026 01:44 AM

شهدت السنوات الأخيرة تسابقًا ملحوظًا بين بعض رؤساء الجامعات الرسمية في الأردن للإعلان عن وصول مديونية جامعاتهم إلى الصفر، أو الاقتراب من ذلك. ويُقدَّم هذا التطور أحيانًا بوصفه إنجازًا استثنائيًا وبطولة إدارية تستحق الإشادة. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بهدوء ومسؤولية: هل تصفير المديونية في جامعة رسمية هو الغاية التي ينبغي أن تتصدر مشهد التقييم؟

الجامعات الرسمية ليست شركات تجارية، وليست مؤسسات ربحية تُقاس نجاحاتها بحجم الفائض المالي أو انخفاض الالتزامات فقط. رسالتها الجوهرية تعليمية وبحثية وتنموية؛ فهي مسؤولة عن إنتاج المعرفة، وتخريج الكفاءات، وتعزيز العدالة في فرص التعليم. وعليه، فإن المؤشر المالي — مهما بلغت أهميته — لا يجوز أن يتحول إلى المعيار الوحيد للحكم على الأداء المؤسسي.

إن تصفير المديونية قد يكون إنجازًا حقيقيًا إذا تحقق عبر مسارات استراتيجية مستدامة تعزز قوة الجامعة وقدرتها التنافسية. فهل جاء هذا التحسن نتيجة جذب طلبة أجانب بنوعية متميزة؟ أم عبر شراكات أكاديمية دولية فاعلة؟ أم من خلال الفوز بمنح بحثية ومشاريع ممولة؟ أم عبر تنويع مصادر الدخل واستثمارات مدروسة؟ إن هذه المسارات تعكس بناءً مؤسسيًا طويل الأمد، لا مجرد معالجة محاسبية ظرفية.

لكن في المقابل، لا بد من التساؤل بشفافية: هل تحقق التوازن المالي عبر رفع الرسوم الدراسية على الطلبة؟ وهل كان نتيجة تقليص الإنفاق على البحث العلمي والمشاركة في المؤتمرات العلمية الخارجية، أو فصل بعض أعضاء الهيئة التدريسيه أو تجميد التعينات الأكاديمية، أو تخفيض الخدمات الطلابية، أو تأجيل مشاريع البنية التحتية؟ أو محاسبة أعضاء هيئة التدريس على عدد الطلاب في الشعبة؟ إن التقشف قد يُحسن المؤشرات المالية على المدى القصير، لكنه قد يُضعف الجودة الأكاديمية إذا لم يكن جزءًا من رؤية شاملة.

المعادلة الدقيقة ليست بين المديونية والصفر، بل بين الاستدامة المالية والجودة الأكاديمية. فالجامعة القوية ليست تلك التي تخلو من الديون فقط، بل تلك التي توازن بين مواردها والتزاماتها، وتستثمر في كوادرها وبحثها العلمي وبنيتها التعليمية، وتحافظ على بيئة جامعية قادرة على التطور والمنافسة.

ومن هنا تبرز نقطة بالغة الأهمية: إذا استطاعت جامعة رسمية تحقيق مديونية صفرية عبر مسار مؤسسي ناجح، فإن مسؤوليتها لا تقف عند حدود الإعلان عن الإنجاز، بل تمتد إلى عرض تجربتها بشفافية أكاديمية أمام بقية الجامعات. يجب أن يتحول النجاح إلى نموذج مُفسَّر ومُوثَّق: ما السياسات التي اتُّبعت؟ ما الإصلاحات الهيكلية التي أُنجزت؟ ما مصادر الدخل التي فُعِّلت؟ وما أثر ذلك على جودة التعليم والبحث العلمي؟ لأن التجربة الناجحة إذا لم تُشارك، تبقى حالة فردية لا تتحول إلى سياسة وطنية.

وهنا يتعاظم دور وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وكذلك هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها. فهذه الجهات لا ينبغي أن تكتفي بدور تنظيمي أو رقابي تقليدي، بل يمكنها أن تؤدي دورًا استراتيجيًا في توثيق التجارب الناجحة، وتحليلها، واستخلاص عناصرها القابلة للتعميم، ثم تعميمها ضمن إطار سياسات عامة واضحة. إن تحويل النجاح المالي من إنجاز إداري منفرد إلى ممارسة مؤسسية معيارية هو مسؤولية تقع في صميم عمل الدولة بوصفها مُصمِّمًا للسياسات لا مجرد متلقٍ للنتائج.

فالمشهد لا يجب أن يُختزل في ثنائية “جامعة حققت فائضًا” مقابل “جامعة تعاني عجزًا”، بل ينبغي أن يُدار ضمن رؤية وطنية شاملة لإصلاح تمويل التعليم العالي. وعندما تُدمج التجارب الناجحة ضمن إطار سياسات عامة، يصبح النقاش أكثر نضجًا، ويتحول من جدل إعلامي إلى مسار إصلاحي منظم.

كما أن تقييم الأداء المالي يجب أن يُقرأ ضمن السياق الوطني الأوسع؛ فالجامعات الرسمية تتحمل أعباء اجتماعية وأكاديمية لا تتحملها مؤسسات خاصة، من حيث استيعاب الأعداد، وطرح تخصصات غير ربحية لكنها ضرورية وطنيًا، والمساهمة في التنمية المحلية. ومن غير العادل مقارنتها بمعايير سوقية بحتة دون مراعاة هذه الاعتبارات.

في النهايه، فإن تصفير المديونية قد يكون إنجازًا إداريًا يُقدَّر، لكنه ليس غاية بحد ذاته. البطولة الحقيقية تكمن في بناء جامعة قوية ماليًا وأكاديميًا في آنٍ واحد؛ جامعة تحقق التوازن دون أن تُفرّط بجودتها، وتنجح دون أن تُحمّل طلبتها كلفة الإصلاح، وتشارك تجربتها ضمن إطار وطني تتبناه الوزارة والهيئات المعنية، حتى يتحول النجاح الفردي إلى سياسة عامة مستدامة تعزز مستقبل التعليم العالي في الأردن



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم