الخيال نعم الصَّديق وقت الضِّيق: «الأستاذ ومارجاريتا»
حينما يُسأَل أحدهم عن أي الحكايات يفضِّلها منذ الطفولة وحتى لحظة النطق بالسؤال، لسوف تكون الإجابة التقليدية أنه يفضِّل ذاك النوع من الحكايات ذات الطابع الخيالي أو الأسطوري المشحونة بأحداث بعيدة عن الواقع المجحف الذي نعيش فيه، ولكنها – في نفس الوقت – يمكن أن تكون وسيلة تعليمية غير مباشرة يتم تقديمها في إطار شَيِّق، يساعد على لفت انتباه الأطفال والبالغين، على حدٍ سواء، لقضايا أو مشكلات غاية في الخطورة. وضرورة هذا النوع من الحكايات ينبع من استخدامها كوسيلة تعليمية لا يمكن الاستغناء عنها في مرحلة التربية الأخلاقية لكونها شريكًا فاعلًا في التنمية الأخلاقية. وعلى هذا، فإن الحكايات الخيالية تساعد في تنمية ما يُطلق عليه «الخيال الأخلاقي»، الذي يُسهِّل عملية التمييز بين الصواب والخطأ من خلال السَّرد القصصي الشيِّق.
بيد أنه يجب اعتبار الطبيعة البشرية عند صياغة هذا النُّوع من الحكايات؛ نظرًا لأن الطبيعة البشرية تميل إلى عزل الخيال عن الواقع بحجَّة أن عالم الخيال منفصل عن معتقداتنا الواقعية، بالرّغم من أن تأثيرها العاطفي والفكري أمرًا حقيقيًا للغاية، والدليل على ذلك التفاعل الإيجابي معها.
ولتلافي صلف الطبيعة البشرية عند التعامل مع الحكايات الخيالية، يلجأ غالبًا الكتَّاب عند إثارتهم لموضوعات مهمة إلى دمج الخيال بالحكايات الرمزية؛ لأنها أحد أركان الإدراك البشري والتواصل الذي قد يشير إلى فكرة معقَّدة أو مجرَّدة، من أجل نقل مفهوم أو التعبير عن وجهة بأسلوب غير مباشر. وكثيرًا ما يلجأ الكتَّاب لاستخدام الرمز في أعمالهم للتعبير عن آرائهم أو نقد الأوضاع السياسية المجحفة، دون التعرُّض للإيذاء من السُّلطات العُليا. ويشهد التَّاريخ على وجود العديد من الكتَّاب الذين لجؤوا لتلك الحيلة إبَّان القلاقل السياسية أو أوقات الحروب والثورات.
وإبان الحقبة الشيوعية في روسيا، لمع في سماء الأدب العالمي كوكبة من الأسماء الطنَّانة ذات الأعمال العميقة والمركَّبة، واستطاع هؤلاء نشر أفكارهم بينما كانت الرقابة على المصنَّفات الأدبية والمواد الإعلامية تكبح الآراء الحُرَّة، وتطيح بكل من يُحاول أن ينتقد النظام الشيوعي أو أذرعه. وأحد أشهر الأعلام الذي كانت تخشى السَّاحة الأدبية في روسيا من منحه التقدير الذي يستحقُّه، الروائي والكاتب المسرحي السوفيتي الروسي «ميخائيل بولجاكوف» Mikhail Bulgakov (1891-1940) الذي كانت تقف الرقابة الروسية له بالمرصاد، وتمنعته من بلوغ النجاح الذي يستحقه. ويُذكَر أن العديد من مسرحياته كان يتم منع عرضها بعد بضعة أيَّام من تنفيذها على خشبة المسرح، أو حتى يُغلق الستار عليها أثناء العرض، وبعدها لا ترى النور أبدًا مرَّة أخرى. وأكثر ما يثير الحُزن هو أن «ميخائيل بولجاكوف»، الذي لم يذق طعم النجاح الحقيقي أثناء حياته، نال انطلاقته الحقيقية بعد وفاته؛ وبالتحديد، حينما تم نشر أعماله خارج إطار روسيا الشيوعية، وتلقفتها الدول الأوروبية وعملت على ترجمتها إلى العديد من اللغات؛ لجودة محتواها، وبالتأكيد، لحرفية الكاتب. ومن ثمَّ، يُعدّ حاليًا «ميخائيل بولجاكوف» أحد أعظم الكتَّاب الروسيين.
وكما هو الحال بالنسبة للعديد من أعلام الكتَّاب الروسيين، كان «بولجاكوف» طبيبًا، لكنه عشق الكتابة. وحظه العاثر ألقاه في حقبة حكم «ستالين»؛ حيثما القمع السياسي والاجتماعي. فلقد كان الرقيب الإعلامي والأدبي بمثابة الجهة التي تكتب مصير المبدعين؛ فكانت الأعمال الأدبية لا يُحذف منها بضع جمل أو مقاطع، بل كان في بعض الأحيان يُحذَف منها صفحات أو فصول أو حتى يُعاد كتابتها لتُعطي معنى مُغايرًا تمامًا لما قُصِد بها. وكان هذا يحدث للمحظوظين من المبدعين؛ نظرًا لوجود البعض منهم قام الرقيب بعدم البتّ في أعمالهم لشهور أو لسنوات، أو حتى لا يقترب من أعمالهم على الإطلاق. ولقد مرّ «بولجاكوف» بكلّ هذه التجارب الأليمة، لدرجة أنه من شدَّة يأسه أرسل ذات مرَّة خطابًا لـ»ستالين» نفسه يرجوه فيه أن يسمح له بأن ينشر أعماله خارج الاتحاد السوفيتي؛ لأن ما يكتبه لا ينال تقدير القائمين على السَّاحة الأدبية. ودون أدنى شكّ، قوبل طلبه بالرفض القاطع؛ وهذا لأن المنظومة القائمة كانت تجبر الجميع على الخنوع والخضوع، وإلَّا ذاق الظلم والاضطهاد على يد القائمين على الأمور.
ورواية التي كتبت الخلود لمؤلِّفها وجعلته ببساطة يصعد إلى مصاف كبار الكتَّاب في روسيا، تمت كتابتها فيما بين الفترة الزمنية 1928-1940، أي على مدار اثني عشر عامًا. ويرجع طول الفترة الزمنية لكتابتها، ليس لمرور المؤلِّف بلحظات نضوب فكري أو بسبب، دقَّة المؤلِّف في المراجعة، بل بسبب أن «ميخائيل بولجاكوف» كان يتعرَّض لظلم واضطهاد الرقيب، فما كان منه إلَّا وأن قام بحرق المخطوطة التي تعرَّضت للتعسُّف الرقابي، ولم يمر وقت إلَّا وأن أعاد كتابتها. والطريف أنها لم تكن كاملة. ولنشرها، تم تهريب المخطوطة إلى إيطاليا. وعندما وجد الناشر أنها عمل جيد، ترجمها إلى عدَّة لغات، وقام أيضًا بنشرها باللغة الرُّوسية. وكان يتم توزيعها في روسيا في شكل نسخ مفردة مُهرَّبة، وكان الإقبال على قراءتها – بالطبع – ملحوظًا. وبعد موت «ميخائيل بولجاكوف»، قامت زوجته باستكمال كتابة الرواية من الهوامش التي تركها على المخطوطة المُعاد كتابتها، وأرسلتها لدار نشر فرنسية، أعادت نشرها عبر أوروبا بأكملها. ومن ثمَّ، توجد عدَّة نصوص لنفس الرواية، وجميعها مطبوع ويوَّزع على نحو عالمي.
ومن أسباب منع هذه الرواية هي مقاومة الأفكار الشيوعية لدرجة الدحض، وتحدى معتقدات المواطنين السوفييت المتعلِّقة بالاعتقاد الديني، مع إدانة السّلوك العام المتَّبع إزاء ما يتم تمريره لهم من أفكار.
ولدحض المزاعم الإلحادية، عمد «بولجاكوف» إلى صياغة الرواية لتدور أحداثها في مكانين؛ أولهما موسكو في ثلاثينيات القرن العشرين، وثانيهما في أورشليم، وتحديدًا وقت محاكمة «يسوع المسيح». وبطل الرواية هو بطريك للكنيسة يظهر متنكِّرًا في زي البروفيسور «وولاند»، الذي يرافقه خادمه «كوروفييف» الذي يلفت الأنظار بملابسه الغريبة التي يرتديها. وكذلك يرافقهما قطًّ أسود يدعى «بهيموث»، وقاتل مأجور اسمه «أزازيلو»، وأخيرًا، مصاصة دماء اسمها «هيلا». ويهبط هذا الجمع على النخبة الأدبية ونقابتهم بغرض استهدافهم، وبيان أنّ النقابة يتألَّف أعضاؤها من شرذمة من المتسلقين الاجتماعيين الفاسدين، ممن دمَّرت البيروقراطية أخلاقياتهم، وصنعت منهم أشخاص هوايتهم استغلال أي فرد يقع تحت طائلتهم، وأحد أهم الأسلحة يشهرونها في وجوه كل من يقع تحت طائلتهم هو الاستفزاز؛ الذي يكون ناقله الأوحد السُّخرية من أي فردٍ كان نمت لديه القدرة على مخالفة الآراء المطروحة، أو حاول الخروج من تحت عباءتهم.
وعلى الجانب الآخر، يدور في الموقع الثَّاني للأحداث المحاكمة، منعطف تاريخي في حياة البشرية، يظهر فيه «بيلاطس البنطي» الذي يقوم بمحاكمة المسيح. علمًا وتتركَّز جميع دوائر الضوء عليه، وليس على المسيح. والغريب أن «بيلاطس البنطي» يُظهر خلال الأحداث متعاطفًا فكريًا وروحيًا مع المسيح، بل إنه يظهر حاجته الروحية إليه، مما يجعله مترددًا في نطق الحكم بإعدامه. ولاحقًا، يكشف «بولجاكوف» أن «السيِّد» نفسه هو الذي كتب هذه الرواية، وأنه يقوم بعد ذلك بحرقها، تمامًا كما فعل «بولجاكوف»، مما يوضِّح مقدار تماهي أحداث الرواية مع الواقع.
وفي الجزء الثاني من الرواية، يتم تقديم شخصية «مارغريتا»، عشيقة السيد، التي ترفض طريق اليأس من حبيبها ومن عمله. وبسبب تمسُّكها بحبيبها، يمنحها «أزازيلو» دهانًا للجلد سحريًا؛ وكلَّما قامت بدهنه، تصبح غير مرئية. أضف إلى ذلك، فإنها تقبل دعوة «أزازيلو» لحضور حفل منتصف ليلة الجمعة العظيمة التي يُقيمها الشيطان، وتكون قبل عيد القيامة لدى المسيحيين. وأثناء الحفل، يُتيح لها «السيِّد» فرصة أن تُصبح ساحرة.
وبهذا، تكشف الرواية جميع أخبار وخبايا الاتِّحاد السوفيتي، ومدى فساد منظومة الحكم. أضف إلى هذا، فإن الرواية أيضًا تؤكِّد وجود الدين، وتدحض فرض الإلحاد. وعلاوة على هذا، تنادي بوجوب منح المواطنين فرصة لاختيار طريقهم حسب ميولهم الشخصية، وليس كما هو مفروض عليهم من قبل السُّلطة الحاكمة.
تنبع شهرة «ميخائيل بولجاكوف» من قدرته الفائقة والدؤوبة على مقاومة السُّلطة المهيمنة بجميع الطُّرُق، ولم يستطع أحد كبح أعماله التنويرية التي تنادي بحرِّية الفكر والعقيدة والاختيار، بعيدًا عمَّا يكبِّل الشعب من أفكار تفرضها السُّلطات القائمة. وبالطبع، لم يستطع «بلجاكوف» أن يجاهر بأفكاره التنويرية بشكل صريح، وإلَّا كان تعرَّض لجميع ألوان الظلم والاضطهاد. ولهذا، اختار لأعماله درب الخيال والرمزية ليكونا الطريق الذي تمرّ عبره أحداث أعماله، وهذا لزيادة مقدار التشويق والإقبال على القراءة. وفي نفس الوقت، حتى يستطيع البوح بكل ما يجيش في صدره من آلام، دون أن يتكبَّد الظلم بسبب مسؤوليته عمَّا هو مذكور في متن الرواية.
هل تصفير المديونية في الجامعات الرسمية إنجاز أم مؤشر يحتاج إلى تدقيق
كاتب سلوفيني يعالج التطرف بالأدب
الخيال نعم الصَّديق وقت الضِّيق: «الأستاذ ومارجاريتا»
ليو شتراوس ونظام الحقيقتين وحرية التفكير
كيفية تداول الذهب: دليل شامل للمتداولين
توضيح حول الحسابات الفلكية لشهر رمضان .. فيديو
التعمري ساهم بهدف .. رين يسحق سان جيرمان
بطولة تنشيطية للكيك بوكسينغ في الرصيفة
هذا ما قاله ولي العهد عن موسى التعمري
ترامب يحض زيلينسكي على التحرك لإنهاء الحرب
بلدية إربد: لا انهيار في مجمع السفريات
سارة الودعاني تخلع الحجاب وسط عاصفة من الجدل
دعاء اليوم الثلاثين من رمضان 1447
دعاء اليوم التاسع والعشرين من رمضان 1447
عودة عبلة كامل لجمهورها بعد غياب
الحكم على الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران
مدعوون للتعيين وفاقدون لوظائفهم في الحكومة .. أسماء
وظائف شاغرة في مؤسسات حكومية ودعوات للامتحان والمقابلات
البدء بتوزيع 60 ألف بطاقة شرائية على أسر معوزة
صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن
استكمال امتحانات الشامل اليوم في البلقاء التطبيقية
5 دول عربية ضمن قائمة الأكثر فسادا في العالم
إلغاء امتحان الشامل يقترب… ما البدائل المطروحة
أشهى حشوات السمبوسة لتجديد سفرتكم الرمضانية
