ليو شتراوس ونظام الحقيقتين وحرية التفكير

ليو شتراوس ونظام الحقيقتين وحرية التفكير

14-02-2026 01:36 AM

قام عصر التنوير الغربي في أواخر القرن الثامن عشر على أنه قد حان الوقت لإشاعة المعارف، وأن “تشغيل العقل” ما عاد من المقبول حصره في فئة قليلة ونادرة من الناس.
قبل ذلك كانت تعج كتب الفلاسفة بأمثلة تستحضر “ما يظنه الجاهل” تمييزا له عن طالب الحكمة. السلبية تجاه “العوام” كثيرا ما اكتنزت بها التراثات الفلسفية أو اللاهوتية في أكثر من مجال حضاري. التنوير قام على الوعد بالإقلاع عن هذا المسار. وأنه، يمكن، حمل العدد الأكبر من الناس للتفكير بشكل عقلاني ومعقول.
لأجل ذلك، نجد فيلسوفا سياسيا ألمانيا – أمريكيا في القرن الماضي من طينة ليو شتراوس يحمل على إشاعة الحقيقة في عصر التنوير ويتهمها بأنها أسست لاحقا للترويج للعدمية. فما تسبب به التنوير حسب شتراوس هو إغفال تراث كامل من التعامل الفلسفي مع الحقيقة على أنها يمكن أن تكون خطيرة، وضارة في حال شيوعها، على الفكر كما على المجتمع سواء بسواء. رد شتراوس الاعتبار في المقابل الى ما أسماه أفلاطون الأكاذيب النبيلة، تلك التي تقي مجتمع ما من الارتياب والاضطراب. بل ذهب شتراوس إلى أن الإثم الأكبر الذي يتحمله نيكولو مكيافيللي إبان عصر النهضة الإيطالية، هو أنه فتك بفكرة الأكاذيب النبيلة، ليس لأنه حرّم الكذب. بل لأنه أظهر بأنه ليس هناك كذبة نبيلة، وأخرى خسيسة. الكذب والسياسة يتواشجان. لكن ليس هناك من حقائق خطرة بحد ذاتها على المجتمع عند مكيافيللي. وهذا عند شتراوس خطيئته التي لا تغتفر. فالفيلسوف الأمريكي المحافظ، وأحد المصادر الأساسية للوعي الفكري اليميني في عالم اليوم، تقفى أثر ما اعتبره نظام الحقيقتين عند فلاسفة العصر الوسيط. فعنده أن كتابة أمثال الفارابي وابن ميمون اعتمدت “ما بين السطور”: ثنائية الظاهر والمستور. لإدراكهما أن الحقيقة الفلسفية “العارية” لا يمكن أن يتحملها العامة من الناس، وأن المشغل الفلسفي ينبغي أن يبقى محصوراً في القلة، وأن احتراس هذه القلة المفكرة من مزاجية السلطان وتزمت المؤسسات الدينية وغلواء العامة يلزمها الكتابة بلغة مقعرة، عويصة، بل أسرارية.
فئة من “اليمين البديل” في أمريكا تستعيد شتراوس على نحو كاريكاتيري منذ سنوات، بشكل أكثر اختزالية مما قام به “المحافظون الجدد” قبلهم. بل تعتقد هذه الفئة أنها تمارس مجددا “الكتابة بين السطور” من خلال أدبيات من مثل مانيفستو “عقلية عصر البرونز” الذي انتشر قبل سنوات، لأنهم يمتلكون الحقائق “الأنتي مساواتية” و”الأنتي استهلاكية” التي لا يمكن إفشائها بالكلية لتحاشي تدمير المجتمع. يتخذ هذا اليمين البديل لنفسه وضعية المضطهد ويصور الأمور كما لو أن هيمنة ثقافية “ماركسية – مساواتية – عدمية” تترصده. سخريته الرقمية هي عنده صنو ما قصده شتراوس بأدب الكتابة بين السطور عند الفارابي وابن ميمون. يستحق شتراوس ما هو أفضل من هذا، حتى من موقعه كفيلسوف شديد المحافظة، إنما يسجل له أنه لم يخرج على عقلانية التنوير من موقع امتداح اللاعقل، بل من موقع رد الاعتبار لعقلانية العصرين القديم والوسيط، التي تقدم الغايات والمقاصد على البحث في ما هو كائن.

يبقى أن نظام الحقيقتين الذي أناطه شتراوس بهذه العقلانية السابقة على الحداثة ليس من السهل الربط بينها وبين الاستقطاب الذي قام في تلك الأزمنة. فعندما سعى الفلاسفة في مجرى العصر الوسيط لتناقل ما عندهم من شروحات على أرسطو طاليس، ذلك في النطاق الضيق والمحصور لهم – هذا قبل قرون من اختراع الطباعة وما تبعها من انتشار الكتاب – جرى التشهير بهم، والتغليظ عليهم، بحجة أنّهم يزعمون أن الحقيقة مزدوجة ومخاتلة، وأنهم يجوّزون أن تكون خلاصة ما مقبولة فلسفياً، ومردودة لاهوتياً، أو العكس.
“نظام الحقيقتين” هذا أُخِذ على الفلاسفة مطولاً. مع أن أحدا منهم لم يقل به. سيجر البرابنتي، أبرز ممثلي “الرشدية اللاتينية” في القرن الثالث عشر الميلادي، والتي نسبت إليه – ومن ورائه لمصدر إلهامه القرطبي إبن رشد الحفيد – تهمة الترويج لمذهب “الحقيقتين” هذا، وما يتبعه من تسويغ للرياء كنظرية معرفة، كان في واقع الحال ينافح عن قدم العالم، وأزلية المادة، بلا مساومة. بما أن العدم لا يمكن أن يكون مصدراً للوجود. وكان مؤيداً لوحدة العقل وكونيته. ما كان يدعي أن هناك حقيقة ثانية، متاخمة أو موازية، وإنما اكتفى بأن “هذا ما يقتضيه العقل والبرهان، أما ما يقوله الإيمان فنلتزم به تعبداً”. وهذا إشعار بانتفاء النية وانعدام الجهوزي لجهة فتح جبهة مواجهة، والارتضاء بالنطاق النخبوي، بل الانطوائي، للشغل الفلسفي في زمانه. ليس هذا بنظام الحقيقتين.
ابن رشد نفسه في “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال” تفادى على نحو “استباقي” مطب القول بالحقيقتين المتوازيتين، لكنه بخلاف سينجر البرابنتي من بعده، اعتنى كما يدل العنوان بـ”الاتصال”. ذلك من خلال اعتماد مقولة أن “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”. وإنه إذا حدث تعارض بين النص الديني والبرهان العقلي يستقيم ذلك بإصلاح “التفهيم” بين الخطابين، أي ترجمة أحدهما بلغة الآخر، من خلال مناهج التأويل، التي تسعى الى إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية مع البحث عن معنى عقلي يليق بالسياق، وموافقة عادات اللسان العربي، ذلك كي لا يأخذ بالمتكلم والفيلسوف الشطط فيتعسفان في قراءة النصوص دون ضوابط لغوية. سيجر مال أكثر للانفصال. أراد أن يكون للفلسفة مضمارها النائي بنفسه عن سلطة اللاهوت. لم يكن يرى أي حقيقة خارج ما يرتبط بها، ولم يجد في الوقت نفسه ضيرا من الالتزام بالتعاليم الكنسية والعبادات. هذه مسألة، وتلك أخرى، دون أن يجد نفسه مجبراً على القول بالحقيقتين. لكن المعركة التي ما كان بالوارد أن يبادر إليها هجومياً، فُتحت عليه وعلى الفلاسفة طيلة القرون الوسطى. بالأخص من كان يبحث منهم عن ألف حيلة للدفاع عن قدم العالم، وأزلية الهيولى التي كان أرسطو يرى أنها لا تفنى ولا تستحدث، بل تتغير “صورها” فقط عبر الزمن. دفع سيجر ثمن الحذر الاضطراري الذي اعتمده. بوجه ما ساقه سيجر دي برابان من شروح على أرسطو وابن رشد، جاء رد توما الأكويني في كتاب “وحدة العقل. ضد الرشديين”. اتهم فيه الرشديين بالقول بأن هناك حقيقتين متناقضتان، مؤكدا في المقابل على أنه لا يمكن للفلسفة العاقلة إلا أن تكون خادمة للاهوت. في المقابل الإيمان عنده لا يمكنه أن يناقض العقل، ولا العناية الإلهية أن تقوّض الطبيعة.
وخاض في المقابل المعركة على جبهة موازية معهم، بما أنهم قالوا بوحدة العقل كجوهر مفارق، وأصر في المقابل على أن لكل انسان عقله الفردي الخاص. وهذه مفارقة غير تفصيلية في تاريخ الفلسفة: بالرغم من صيت الرشديين كعقلانيين، إلا أن اللاهوتيين المدرسيين، وعلى رأسهم الأكويني، كانوا هم المدافعين عن فردية العقل والتجربة الشخصية، ربطا بدائرة الثواب والعقاب في الآخرة.
لم يقل أي من الفلاسفة في العصر الوسيط بأن الحقيقة مزدوجة. لكن كل واحد منهم حاول الاحتراس على طريقته حيال التيارات الدينية الكبرى ذات الثقل المؤسسي والعامي في آن. الفارابي وابن سينا بأن ذهبا بأن هناك برهانا فلسفيا نخبوي الدائرة، في مقابل خطاب رمزي ديني واسع النطاق، بوابته القوة المتخيلة عند المعلم الثاني والحدس القدسي عند الشيخ الرئيس. طريقتان إذا للاتصال بالعقل الفعال، واحدة برهانية، والثانية بلغة يرمزها الجمهور. إذا، تراتبية على مستوى الاتصال بالعقل الفعال، وتحصيل المعارف.
الاحتراس من العدد الأكبر من الناس، لم يكن سواء أخذنا بنظرة شتراوس حول أدب “الكتابة بين السطور”، أو بتهمة “الحقيقة المزدوجة”، أمرا تفصيليا في تاريخ الفكر على المدى الأطول. بل كان هو هو هذا التاريخ. عدم الاحتراس هو المشكلة. “الفلسفة للجميع”، و”الحقيقة للجماهير”، “والحقيقة دائما ثورية” هي مقولات متواطئة في نهاية المطاف مع الأشكال اللامتناهية لما يعرف “بما بعد الحقيقة”. هل يكون الحل برد الاعتبار لأدب الكتمان؟ هل لهذا معنى في عصر رقمي، كل شيء فيه معروض .. وضائع في آن .. على الشبكة؟ لقد شدد شتراوس على أن الحقيقة تعامل معها فلاسفة ما بعد الحداثة على أنها قد تكون مدمرة للنظام الاجتماعي إذا لم يستوعبها العقل غير المهيأ، ناهيك عن سلامتهم الشخصية. لكن مثال سيجر دو برابان يظهر أن بعض الاحتراس لا يؤتى أكله. بعض الاحتراس يغذي بالأحرى غريزة الاشتباه. حرية الفكر متعرجة. لا يمكنها أن تستسلم مسبقا لا إلى افشاء القول ولا إلى كتمانه.

‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد