كاتب سلوفيني يعالج التطرف بالأدب
في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، بعدما استحوذ الحزب الفاشي على إيطاليا، وكرس موسوليني موقعه كحاكم أوحد للبلاد، يقمع من يخالفه في الرأي ويحلم بالتوسع، في تلك الأثناء تخلى فلاديمير بارتول (1903-1967) عن عمله في الصحافة، وعاد إلى مسقط رأسه في ترييستي. وهي مدينة حدودية بين إيطاليا وسلوفينيا، وكان ساكنتها يتحدثون اللغة السلوفينية، وهي اللغة الأم التي يكتب بها بارتول، الذي عكف على مراقبة المشهد، ينظر إلى ما يحصل من حوله ويفكر في كتابة رواية من شأنها أن تروي تحولات الوضع. في البدء لم يكن يعرف من أين يبدأ، أو أين يصل بالنص.
شرع في مسودات سرعان ما تخلص منها، وهو يرى صعود العنف والتطرف من حوله. وهو الذي تخرج في كلية الأدب وترجم نيتشه، كما انشغل سنوات في تدارس وفهم فرويد ونظريات التحليل النفسي. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية (1939) كان قد أتم روايته الأشهر «آلموت» ونشرها. وهي رواية تحاكي الأحداث من غير اشتباك معها، تعبر عن المرحلة في صيغة رمزية لا مباشرة، حذر أن تترصدها عين رقيب وينتهي أمرها إلى المنع أو الحرق. فقد كتب ما يُشبه مانيفستو أدبي ضد الاستبداد، كل ما فيه من وقائع وشخصيات متخيلة، لكنها تتطابق مع الواقع.
عاد الكاتب إلى القرن الحادي عشر كي يروي حكاية تدور في قلعة آلموت، معقل الحشاشين، كما يروي طرق تجييشهم والاستحواذ على عقولهم، باسم العقيدة والدين، فيتحولون إلى انتحاريين، ينفذون أوامر بالقتل ويرجون من ورائها جنة ونعيما. يؤمنون بالوعود ويغضون الطرف عن حاضرهم، يقتلون من غير حسبان.
قبل ما يزيد عن ثمانية عقود، شرح فلاديمير بارتول نشأة التطرف باسم الدين، وكيف بوسع الإنسان أن يسير بعقل مخدر مطمئنا إلى وعود بالجنة في حال اعتنق العقيدة وتخلى عن إنسانيته. بطريقة تشابه كذلك ما قامت به الفاشية. فقد حكى الكاتب كيف يتم التلاعب بالعقول وكيف يجري تجنيد الناس في حرب لا تعنيهم، إلى أن يصير الموت أعلى مطامعهم. وقد صدرت رواية «آلموت»، في طبعة أولى محدود، وبلغة سلوفينية لم تكن واسعة الانتشار في أوروبا آنذاك، ومع ذلك تعرضت للمنع، كما توقع مؤلفها. كما إن الكاتب نفسه انخرط في المقاومة إبان الحرب العالمية الثانية، ولم يكتف بدوره مثقفا، ولم يصطف في الصفوف الخلفية، بل اصطف مع الناس العاديين على الجبهة، في دفاعهم عن الحرية. وتوجب الانتظار إلى أن توفي بارتول، قبل أن يُعاد نشر الرواية مرة أخرى، ثم توجب انتظار ثلاثة عقود أخرى، قبل أن تتم ترجمتها في أغلب اللغات الأوروبية الأخرى، ثم وصلت إلى العربية في تسعينيات القرن الماضي، ورغم أن المؤلف كتب الرواية في محاكاة للفاشية في إيطاليا، فإن «آلموت» تحولت منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001 إلى نص أساسي في فهم سيكولوجيا التطرف الديني، وفي تشريح نفسية من يطلق عليهم «الكاميكاز» أو «الانتحاريون». فهذه الرواية التي صدرت، لأول مرة، منذ أكثر من ثمانين عاما، لا تزال نصا يليق بالحاضر من أجل أن نفهم نشوء العنف باسم الدين، ونتلمس طريقا في علاجه.
من تراجيديا إلى السخرية
تسنى لي، قبل سنوات، ملاقاة بوريس باخور، الذي عمر 108 سنوات، وهو كاتب سلوفيني شهير، تعودت على زيارته في بيته في ترييستي (التي صارت مدينة إيطالية منذ 1975 مع أن لسان ساكنتها ينطق باللغة السلوفينية)، وباخور يتقاسم مع بارتول مسقط الرأس، مثلما قاسى معه أهوال الحرب العالمية الثانية، لاسيما بعدما اعتقله النازيون وحولوه إلى محتشد عام 1943، نجا منه لكن بمرض في الكبد، ثم عاد إلى الأدب وأصدر عددا من الروايات المهمة، على غرار «ناكروبولا»، أو «في المتاهة». ويروي لي باخور واقعة مفادها أن صديقه فلاديمير بارتول، وعقب انتهائه من كتابة «آلموت»، ود أن يوقع في صفحتها الأولى إهداء، أن يهديها إلى موسوليني، ليس محبة فيه، بل سخرية منه، أراد أن يرشده إلى رواية لأنها تكتنف علاجا لجنونه بالحكم، قبل أن يتراجع عن الفكرة، خشية سوء المآل. فرغم التراجيديا التي تتخلل الرواية ومصائر شخصيتها فإن كاتبها لم يتنازل عن روح السخرية، يسخر من الاستبداد ومن الطامعين إلى الحكم على ظهر العقيدة أو الدين. وفي الأثناء لم يفكر بارتول، أن روايته الأشهر سوف تعيش أطول من عمره، وأن الرواية التي كتبها عن الحشاشين سوف تنطبق على حركات متطرفة جاءت من بعده، وأخرى لا تزال تزاول ممارساتها إلى غاية اليوم، في التخويف والترويع، وفي استخدام الدين والمغالاة بما يخدم مصالحها السياسية وتلهفها في الوصول إلى كرسي الحكم. وكأن «آلموت» كانت نبوءة عن الزمن الحاضر، عن العنف والاستبداد واستعباد النساء وقمع الرأي، فهذه الرواية التي لا تزال تطبع كل عام، وفي كل مرة تصدر ترجمات جديدة لها في لغات بعيدة، كما جرى اقتباسها في الشاشة، وتحولت إلى أشرطة مرسومة، فهي تعين القارئ على فهم الزمن الذي مضى، مثلما تفتح عينيه على المجريات التي تدور على الأرض في الزمن الحالي، التي يسود فيها تطرف وتتحول فيها العقيدة إلى مشروع في هدم دول من أجل إرضاء نزوة أفراد.
وحسب بوريس باخور، مرة أخرى، فقد جرت العادة، في سنين سابقة، أن كل دولة أوروبية، كلما أوفدت سفيرا لها في بعض الدول المسلمة، تنصحه بمطالعة رواية «آلموت»، من أجل فهم الثقافة التي ينتقل إليها، ولأنها نص يقيم خارج الزمن ويتجاوز الحقبة التي كتب فيها، يغامر إلى فهم نفسية بشر، وكيف يتحولون من حياة مسالمة إلى عنف، اعتقادا منهم أن فعلتهم سوف تودي بهم إلى جنة وإلى حور العين.
كاتب جزائري
هل تصفير المديونية في الجامعات الرسمية إنجاز أم مؤشر يحتاج إلى تدقيق
كاتب سلوفيني يعالج التطرف بالأدب
الخيال نعم الصَّديق وقت الضِّيق: «الأستاذ ومارجاريتا»
ليو شتراوس ونظام الحقيقتين وحرية التفكير
كيفية تداول الذهب: دليل شامل للمتداولين
توضيح حول الحسابات الفلكية لشهر رمضان .. فيديو
التعمري ساهم بهدف .. رين يسحق سان جيرمان
بطولة تنشيطية للكيك بوكسينغ في الرصيفة
هذا ما قاله ولي العهد عن موسى التعمري
ترامب يحض زيلينسكي على التحرك لإنهاء الحرب
بلدية إربد: لا انهيار في مجمع السفريات
سارة الودعاني تخلع الحجاب وسط عاصفة من الجدل
دعاء اليوم الثلاثين من رمضان 1447
دعاء اليوم التاسع والعشرين من رمضان 1447
عودة عبلة كامل لجمهورها بعد غياب
الحكم على الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران
مدعوون للتعيين وفاقدون لوظائفهم في الحكومة .. أسماء
وظائف شاغرة في مؤسسات حكومية ودعوات للامتحان والمقابلات
البدء بتوزيع 60 ألف بطاقة شرائية على أسر معوزة
صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن
استكمال امتحانات الشامل اليوم في البلقاء التطبيقية
5 دول عربية ضمن قائمة الأكثر فسادا في العالم
إلغاء امتحان الشامل يقترب… ما البدائل المطروحة
أشهى حشوات السمبوسة لتجديد سفرتكم الرمضانية
