مجلس حرب لا مجلس سلام

مجلس حرب لا مجلس سلام

14-02-2026 01:38 AM

لا أحد عاقلا يأمل كثيرا ولا قليلا في نتائج ترتجى من الاجتماع الأول المرتقب لما يسمى مجلس السلام في غزة، فالقصة المسيطرة على المشهد ولأسابيع تتلو، هي الاستعدادات الجارية لضرب إيران، وأجواء الذهاب إلى حرب، إن لم تكن بدأت بالفعل، تتناقض بالطبيعة مع ادعاءات البحث عن سلام.
وقبل اجتماع مجلس السلام إياه، جرى عقد اجتماع مجلس الحرب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لن يحضر اجتماع مجلس السلام، ومعنى ذلك ظاهر وبسيط، فقوة الاحتلال المسيطرة على الأرض في غزة، لا تبدي تجاوبا بأي قدر ملموس، مع ترتيبات جارية باسم تنفيذ خطة ترامب ومراحلها في غزة، وبدا ذلك في العرقلة الإسرائيلية لكل الخطوات، وترحيل استحقاقات من المرحلة الأولى، إلى ما بعد إعلان الدخول في المرحلة الثانية، بينها مثلا، فتح معبر رفح في الاتجاهين، أي خروج الجرحى ومرافقيهم إلى مصر، وعودة الغزيين الراغبين إلى القطاع.
وبدت الإعاقات طافحة في التفاصيل، فالمعبر يدار شكلا بالطريقة المتفق عليها منذ عام 2005، بوجود مصري وحضور أوروبي ومشاركة فلسطينية، حتى لو انتقل ختم النسر الفلسطيني من السلطة إلى اللجنة الوطنية المتفق عليها لإدارة غزة، لكن لا دخول ولا خروج للفلسطينيين المعنيين، إلا بعد المرور على نقطة تفتيش إسرائيلية، يجري فيها التنكيل بهم والتحقيق والاستجواب، وسلب ما يحملون من أمتعة أو هدايا رمزية، ويستعين الضباط والجنود الإسرائيليين بعملاء من جماعة المجحوم أبو شباب وغيرهم، كل ذلك رغم حصول أسماء المنكل بهم على موافقة إسرائيلية مسبقة.
المحصلة أن الأعداد الخارجة والداخلة يجري اختصارها إلى أدنى حد، فقد سجل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم في قوائم الراغبين بالعودة، وهناك أكثر من 20 ألف مصاب ومريض فلسطيني، تقرر خروجهم للعلاج العاجل، والإعاقات الإسرائيلية تقلص حركة العودة والعلاج، فوق أن كيان الاحتلال يشترط، تعسفيا منع عودة الخارجين من غزة قبل تاريخ 7 أكتوبر 2023، أي قبل بدء حرب الإبادة الجماعية.
ولا تخفى ـ بالطبع ـ مخالفات الكيان الفظة حتى لنصوص خطة ترامب، التي تقرر حرية خروج أو عودة الفلسطينيين الراغبين دون قيود، فقد تصور الكيان، وتصورت معه واشنطن، أن الهدف من فتح المعبر هو تشجيع ما يسمونه التهجير الطوعي للفلسطينيين، وبنوا أوهامهم على استطلاعات رأي صنعوها بأنفسهم لأنفسهم، استشهد بها ترامب في لقائه السادس مع نتنياهو نهاية عام 2025، وزعمت أن نصف سكان غزة يريدون الخروج منها فورا، وفوجئ الطرفان بإقبال الفلسطينيين على رغبة العودة، حتى لو لم تكن لهم منازل، وتحملهم لكل صور التنكيل الإجرامي من أجل العودة لأراضيهم المقدسة، وهو ما أثبتوه مرارا خلال حرب الإبادة، فهم لا يريدون الخروج إلا لأغراض موقوتة كدراسة الطلاب، أو العلاج، وهو ما بدا كصدمة للأمريكيين والإسرائيليين بالذات، وكفشل مضاف لحرب الإبادة التي قتلت وجرحت ومزقت أشلاء ربع مليون فلسطيني على أقل تقدير، وهدمت وتهدم كل سبل الإقامة في غزة، ودمرت 90% من البيوت والمدارس والمستشفيات ودور العبادة، وجوعت ولا تزال أكثر من مليوني فلسطيني، وأضافت أكثر من ألفي شهيد وجريح فلسطيني، أغلبهم من النساء والأطفال والرضع، قتل هؤلاء وغيرهم بالقصف أو الهلاك جوعا وبردا، رغم السريان الصوري للهدنة منذ العاشر من أكتوبر 2025، وأضيف للدمار الشامل السابق، هدم لثلاثة آلاف منزل إلى الآن، مع بقاء قوات الاحتلال جاثمة وراء ما سموه (الخط الأصفر)، ودونما رغبة معلنة من ترامب، ولا من مبعوثيه لدفع قوات الاحتلال للانسحاب من المنطقة الصفراء، أو البدء في التراجع إلى ما سمته خطة ترامب، (الخط الأحمر) لصق حدود غزة، مع التغاضى الأمريكي كليا عن مئات الاختراقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار المعلن، وتوسيع مساحة الاحتلال المباشر إلى ما يزيد على 60% من إجمالى مساحة القطاع، وعدم الوفاء غالبا باستحقاقات البروتوكول الإنساني، التي كان مقررا تنفيذها من أول يوم هدنة، فلم يدخل إلى القطاع المدمر سوى أقل من ربع شاحنات الإغاثة والوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، ولا دخلت مئات الآلاف من الخيام والمنازل الجاهزة المتفق عليها، ولا آليات فتح الشوارع وإزالة الركام، وفي القطاع 60 مليون طن من الركام، مع تحطيم شامل لبنية الكهرباء والمياه والصرف الصحي والأراضي الزراعية، وكلها أسباب تكفي وتزيد لخنق ومحو أبسط صور الحياة، ورغم كل هذا الخراب غير المسبوق في تاريخ الحروب، يتسابق عشرات آلاف الفلسطينيين لتسجيل رغباتهم العودة إلى غزة، ولو كانت ترابا وطينا.
وربما تكون هذه الحالة من الاستعصاء الفلسطيني، هي التي تدفع الأمريكيين للتلاعب في أولويات المرحلة الثانية من الخطة المتعثرة، وطرح قضية نزع سلاح حماس وأخواتها كأولوية مطلقة، وحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية قبل أيام، فإن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ومعه صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير يعتزمان عرض خطة نزع السلاح على مفاوضي حماس خلال أسابيع، على أن تكون الخطة بمراحل تستغرق شهورا للتنفيذ، ولا تستبقي لمقاتلي حماس وأخواتها سوى بعض الأسلحة الخفيفة مؤقتا، مع جعل نزع السلاح شرطا مسبقا لنشر ما تسمى قوة الاستقرار الدولية، أو الشروع في إعادة الإعمار وبدء انسحاب القوات الإسرائيلية بالتدريج، وهو شرط يصادر جوهر المطلوب، فحركات المقاومة ليست جيوشا بمخازن أسلحة قابلة للرصد والتفريغ، والدول التي ستشارك في قوة الاستقرار ليست مستعدة للزج بجنودها في صدام مسلح مع حركات المقاومة، فوق أن مفاهيم الأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة لا تبدو صالحة لتفسير نوعية سلاح المقاومة، الذي تصنعه الفصائل بنفسها في ورش وأنفاق، وإسرائيل تزعم أن ما تبقى من مقاتلي حماس يبلغ عددهم نحو 20 ألفا، وأن لديهم 60 ألف بندقية كلاشنيكوف، وتقول إن مهمة القوات الدولية الأولى هي نزع سلاح المقاومة وهدم الأنفاق، وتهدد بالقيام بالمهمة إن عجزت عنها القوات الدولية، المكلفة أساسا بحفظ السلام ومراقبة التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف إطلاق النار، وهو ما يضيف تعقيدات أخرى لخطط مجلس السلام الترامبي، فهو لا يستطيع التأكد من نزع سلاح المقاومة، ولا يملك ولا يريد إجبار الاحتلال على الانسحاب، فوق أن إسرائيل ذاتها لا تستطيع نزع سلاح المقاومة ولا كشف كل أنفاقها، وقد جربت أن تفعل ـ ومعها أمريكا ـ عبر أكثر من سنتين من حرب الإبادة، وكان الفشل بالخصوص ظاهرا، وهي الآن تستخدم دعوى نزع السلاح فقط كذريعة لاستئناف حرب الإبادة ضد المدنيين العزل وتدمير البشر والحجر والشجر.
إضافة للإعاقات القائمة بوجه اتفاق غزة، وغياب رغبة القائد الأمريكي لمجلس السلام في حمل إسرائيل على تنفيذ التزاماتها المقررة، تتفاقم الحالة في الضفة الغربية، التي تشهد الفصل الأخير من الانقلاب الإسرائيلي على اتفاقات أوسلو وأخواتها، وإتمام إجراءات الضم الإسرائيلي الفعلى للضفة، ومناطقها (أ) و(ب) و(ج)، ونقل سجلات المباني والأراضي بالكامل إلى يد سلطات الاحتلال المدنية والأمنية، وتوحش الاستيطان اليهودي وإكمال خططه، وتسليح مئات الآلاف من قطعان المستوطنين، وإدارة حرب دموية يومية ضد الفلسطينيين، والاستيلاء على ممتلكاتهم وحتى أغنامهم، وهدم مئات الآلاف من منازلهم، وتشريع نقل أملاك الفلسطينيين إلى أيدي الإسرائيليين عبر حارس أملاك الغائبين في القدس، واستكمال تهويدها بإخلاء الأحياء العربية المتبقية، وجعل اقتحام المسجد الأقصى روتينا يوميا، والتمهيد لهدمه بعد اعتياد إقامة الصلوات التلمودية في ساحاته، والضم الرسمي للحرم الإبراهيمي في الخليل، وإقامة بلدية يهودية منفصلة في الخليل، والنزع شبه الكامل لصلاحيات السلطة الفلسطينية في رام الله، فيما تكتفي أغلب الجهات الأممية والدولية بصيحات الاستنكار وبيانات الإدانة، وتكتفي جماعة مجلس سلام ترامب بترديد الأوهام عن رفض الرئيس الأمريكي لخطة ضم الضفة، وهو الذي أيد ضم القدس بكاملها لكيان الاحتلال، واعتبر ذلك من إنجازاته التي يفاخر بها لخدمة إسرائيل، ويتظاهر اليوم برفض ضم الضفة، دون تحرك إفساحا في المجال لإتمام خطة إسرائيل الهادفة لمنع إقامة أي كيان فلسطيني مستقل في الحال أو في الاستقبال.
وبالإجمال، لا معنى في هذه اللحظة لحديث عن سلام مرتقب في غزة ولا في كل فلسطين، ولا لتعليق آمال واهية على تعهد خطة ترامب بإنشاء مسار لكيان فلسطيني، فما يجري ليس طبخا لسلام، ولا إتاحة فرص لتحصيل بعض الحقوق، وتجدد الحروب أقرب من طرف الإصبع، وبما يجعل مجلس السلام إياه مجرد لافتة مموهة لمجلس حرب حقيقي.

كاتب مصري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد