هل تستطيع إسرائيل السيطرة على المنطقة بعد حرب إيران

هل تستطيع إسرائيل السيطرة على المنطقة بعد حرب إيران

28-03-2026 01:49 AM

الحديث عن قدرة إسرائيل على «السيطرة» على المنطقة ليس مجرد نقاش سياسي عابر، بل اختبار حقيقي لطريقة فهمنا للواقع. المشكلة ليست في قوة إسرائيل بقدر ما هي في طريقة تفكير من يطرح السؤال وكأن المنطقة قطعة شطرنج، وكأن الشعوب مجرد بيادق تُحرّك ولا تتحرك. هذه الفرضية في حد ذاتها خطأ فادح، لأنها تختزل ملايين البشر وتاريخاً معقداً في صورة ساذجة لا تصمد أمام أي قراءة جادة.
نعم، إسرائيل تملك قوة عسكرية كبيرة، وتفوقاً تقنياً واضحاً، وشبكة دعم دولي لا يمكن تجاهلها. نعم، تستطيع أن تدمر، أن تقصف، أن تفرض حصاراً، أن تغيّر معالم مدن كاملة خلال أيام. لكن هل هذا هو معنى السيطرة؟ إذا كان التدمير هو المعيار، فكل قوة عسكرية في التاريخ كانت «مسيطرة». المغول دمروا مدناً بأكملها، والاستعمار الأوروبي اجتاح قارات، والولايات المتحدة أسقطت أنظمة خلال أسابيع. ومع ذلك، لم يتحول التدمير إلى سيطرة مستقرة، بل إلى صراعات طويلة استنزفت الجميع.
الفرق الجوهري الذي يتجاهله كثيرون هو أن السيطرة تعني القدرة على إدارة البشر، لا فقط إخضاع الأرض. الأرض يمكن احتلالها بالدبابات، لكن البشر لا يمكن حكمهم بالقوة وحدها إلى الأبد. هذه ليست شعارات، بل حقيقة أثبتها التاريخ مراراً. في العراق، القوة العسكرية الأكبر في العالم لم تستطع فرض استقرار دائم رغم كل ما أنفقته من موارد. في أفغانستان، استمرت الحرب عشرين عاماً وانتهت بانسحاب كامل دون تحقيق الهدف الأساسي. هذه أمثلة واضحة على أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى سيطرة.
إذا نظرنا إلى التجربة الأقرب، سنجد أن إسرائيل نفسها اصطدمت بهذا الجدار أكثر من مرة. في جنوب لبنان، بقيت حوالي ربع قرن تحاول تثبيت وجودها العسكري، لكنها واجهت مقاومة مستمرة أجبرتها في النهاية على الانسحاب. في غزة، ورغم الحصار والعمليات العسكرية المتكررة، لم تنجح في إخضاع المجتمع أو إنهاء المقاومة. ماذا أنجزت إسرائيل من حربها الأخيرة على غزة التي دمرت كل شيء؟ هل انتصرت وسيطرت؟ هذه ليست تفاصيل هامشية، بل دلائل مباشرة على حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بإرادة بشرية صلبة رافضة.
هنا تظهر المشكلة الحقيقية في طريقة التفكير السائدة، وهي تحويل الشعوب إلى عنصر غائب في المعادلة. يتم الحديث عن «مشاريع» و»خطط» و»إعادة تشكيل المنطقة»، وكأن الناس الذين يعيشون على هذه الأرض غير موجودين. هذا ليس فقط تبسيطاً، بل نوع من الهروب من المسؤولية. لأن الاعتراف بدور الشعوب يعني الاعتراف بأن النتيجة ليست محسومة، وأن هناك مساحة للفعل، لا مجرد رد الفعل.
الشعوب ليست كتلة صامتة. قد تُقهر، قد تُهزم في معركة، قد تمر بحالات ضعف وانقسام، لكن هذا لا يلغي قدرتها على المقاومة وإعادة التشكّل. المقاومة لا تعني فقط السلاح، بل تعني أيضاً الصمود الاجتماعي، والقدرة على الحفاظ على الهوية، وإنتاج أشكال جديدة من الفعل السياسي والثقافي. هذه العوامل مجتمعة تجعل أي محاولة للسيطرة الشاملة مشروعاً مكلفاً إلى حد الاستنزاف، خاصة بالنسبة لقوة بشرية هزيلة كإسرائيل التي يعتبرها القاصي والداني في المنطقة عده الأول.
من ناحية أخرى، فكرة أن المنطقة يمكن «السيطرة» عليها تفترض وجود فراغ، وهذا غير صحيح تماماً. الشرق الأوسط مليء بالقوى، دولاً وجماعات، وكل طرف لديه حساباته ومصالحه. أي محاولة لفرض هيمنة كاملة ستعني بالضرورة الدخول في صراعات متشابكة مع أطراف متعددة، وليس مع طرف واحد فقط. وهذا يرفع الكلفة إلى مستوى يجعل المشروع غير قابل للاستمرار على المدى الطويل.
لكن لا يمكن تجاهل جانب آخر مزعج في هذه الصورة، وهو أن حالة الضعف والانقسام في المنطقة تعطي انطباعاً زائفاً بأن السيطرة ممكنة. عندما تكون الدول متنازعة، والمجتمعات منقسمة، والرؤية غائبة، يصبح من السهل على أي قوة أن تحقق مكاسب مؤقتة. المشكلة أن البعض يخلط بين هذه المكاسب وبين السيطرة الحقيقية. ما يحدث في هذه الحالة هو فراغ نسبي، وليس سيطرة مكتملة.
النقطة التي يجب مواجهتها بوضوح هي أن المشكلة ليست فقط في «ما تفعله إسرائيل»، بل أيضاً في «ما لا تفعله شعوب المنطقة». الاستسلام لفكرة أن كل شيء محسوم مسبقاً هو بحد ذاته هزيمة ذهنية قبل أن يكون هزيمة سياسية. هذا النوع من التفكير يحوّل الناس إلى متفرجين على مصيرهم، بدلاً من أن يكونوا طرفاً فيه.
في النهاية، القوة العسكرية يمكن أن تفرض واقعاً مؤلماً، لكنها لا تخلق شرعية، ولا تنتج استقراراً دائماً، ولا تلغي إرادة البشر. السيطرة الحقيقية تحتاج إلى قبول، إلى قدرة على إدارة التناقضات، إلى حد أدنى من الرضا الشعبي، وهذه شروط لا يمكن فرضها بالقوة وحدها. لذلك، الحديث عن سيطرة إسرائيل على المنطقة كحقيقة حتمية ليس تحليلاً واقعياً، بل قراءة سطحية تتجاهل أهم عنصر في المعادلة، وهو الإنسان.
المسألة ليست إن كانت إسرائيل قادرة على التدمير، فهي قادرة، وهذا واضح. المسألة الحقيقية هي إن كانت قادرة على تحويل هذا التدمير إلى سيطرة مستقرة على ملايين البشر عبر أجيال، والتاريخ، بكل قسوته، يقول إن هذا مستحيل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

رواتب ترتفع والديون تكبر .. لماذا لا يصل النمو إلى جيب الأردني؟

الحرب على غزة لم تتوقف من النكبة حتى اليوم

مجلس الأعيان بين دوران النخبة وتدوير الأسماء .. آن أوان تغيير النهج

تفاصيل طقس الأحد .. عودة الأجواء المعتدلة ونشاط تدريجي للرياح

قراءة في كتاب ملك وشعب (36)

جمعية عَون تبحث مع جامعة الزيتونة التعاون في حماية البيئة

رولا إبراهيم جميل العزارات في ذمة الله

الطفل أيوب .. نهاية مؤلمة بعد 4 أيام من محاولات إنقاذه في الجزائر

هذول مش إحنا .. عامر أبو عبيد عقب خسارة الحسين بخماسية

الجزيرة يكتسح الحسين إربد في انطلاق الدروي الأردني

إعلان نتائج المتقدمين لوظيفة أمين عام وزارة التربية للتخطيط .. رابط

الاتحاد الأوروبي يدين الاعتداءات الإيرانية على الأردن

المنتخب الوطني للسيدات يخسر أمام نظيره اللبناني ببطولة غرب آسيا

الترخيص المتنقل في الأزرق والرصيفة .. أوقات وتفاصيل

السلط يفوز على العربي بثلاثة أهداف في افتتاح مشواره بالدوري

لتجنب إشارة التسفير .. تحذير مهم للعمالة غير الأردنية

العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

تعيين رؤساء مجالس أمناء الجامعات الحكومية .. أسماء

جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم

بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن

الجيش يُسقط 8 صواريخ اخترقت أجواء الأردن

مؤثر أردني يثير موجة من الغضب .. ماذا فعل وكيف اعتذر عن خطئه

بطريقة رومانسية .. خطوبة النجمين الأردنيين النجار والعوضي تتصدر