جامعة اليرموك تفكّر خارج الصندوق

جامعة اليرموك تفكّر خارج الصندوق
جامعة اليرموك

06-04-2026 12:48 PM

محرر شؤون الجامعات
في زمن تتشابه فيه الفعاليات الأكاديمية وتغلب عليه النمطية، اختارت جامعة اليرموك أن تسلك طريقاً مختلفاً، طريقاً يقوم على الجرأة في الطرح، والشراكة في التنفيذ، والتفكير خارج الصندوق. هذا ما لفت انتباهي بوضوح وأنا أتابع الأخبار المتعلقة بالمؤتمر الدولي حول الأمن المائي وأمن الطاقة، الذي ينظمه مركز دراسات التنمية المستدامة في الجامعة.
ما يجري ليس مجرد مؤتمر عابر، بل نموذج جديد في العمل الأكاديمي التشاركي الذي يضع القضايا الوطنية الكبرى في صلب الاهتمام العلمي. وهنا تتبدى المسألة الأولى التي تستحق التوقف عندها: تنظيم مؤتمر دولي يعالج واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المنطقة، وهي المياه والطاقة، بالشراكة بين خمس جامعات أردنية حكومية. هذه ليست خطوة تقليدية، بل سابقة نوعية تعكس وعياً متقدماً بأهمية تكامل الجهود بدل تشتتها.
للمرة الأولى، نشهد هذا المستوى من التنسيق بين مؤسسات أكاديمية وطنية في إطار مؤتمر متخصص، لا يهدف فقط إلى تبادل الأوراق البحثية، بل إلى إنتاج معرفة قابلة للتطبيق، وصياغة رؤى استراتيجية تتقاطع مع أولويات الدولة الأردنية. إنها رسالة واضحة بأن الجامعات لم تعد جزرًا منفصلة، بل شركاء في صناعة المستقبل.
أما المسألة الثانية، والتي ربما تحمل دلالة أعمق، فهي اختيار شخصية علمية استثنائية لرئاسة اللجنة التنظيمية العليا للمؤتمر، وهو الأستاذ الدكتور أحمد السلمان المشاقبة. هذا الاسم ليس عادياً في الوسط الأكاديمي، بل يمثل قيمة علمية رفيعة، خاصة بعد الإنجاز الكبير الذي حققه بحل مسألة رياضية استعصت منذ عام 1992، ليسجل بذلك إنجازاً علمياً نوعياً يُحسب له ولجامعة اليرموك وللأردن بأكمله.
وجود عالم رياضيات بهذا الوزن العلمي على رأس مؤتمر يتناول الأمن المائي وأمن الطاقة ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس فلسفة مختلفة في إدارة المعرفة. فالقضايا المعقدة لم تعد تُحل ضمن تخصص واحد، بل تحتاج إلى عقول قادرة على الربط والتحليل العميق، وهذا ما يمثله الدكتور السلمان بامتياز. إنه نموذج للعالم الذي يتجاوز حدود تخصصه ليشارك في معالجة قضايا إنسانية كبرى.
هذا التداخل بين التخصصات، وهذه الجرأة في اختيار القيادات العلمية، يعكسان تحوّلاً حقيقياً في أسلوب التفكير داخل جامعة اليرموك. لم يعد العمل الأكاديمي محصوراً في القاعات الدراسية أو الأبحاث النظرية، بل أصبح موجهاً نحو التأثير الواقعي، والمساهمة في إيجاد حلول للتحديات التي تواجه المجتمع.
ومن هنا، يمكن القول بثقة إن هذا المؤتمر ليس مجرد حدث علمي، بل نقطة تحول في طريقة التفكير، وفي آليات العمل الجامعي. إنه إعلان واضح بأن اليرموك عادت لتكون في طليعة الجامعات التي تبادر، وتبتكر، وتكسر القوالب التقليدية.
نجاح هذا المؤتمر يبدو شبه محسوم، ليس فقط لأهمية موضوعه، بل لأنه يقوم على أسس مختلفة: شراكة حقيقية، قيادة علمية متميزة، ورؤية تتجاوز النمطية. وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن النتيجة لا تكون مجرد مؤتمر ناجح، بل تجربة ملهمة يمكن البناء عليها مستقبلاً.
اليرموك اليوم لا تكتفي باستعادة مجدها، بل تعيد تعريف دور الجامعة في المجتمع. وما هذا المؤتمر إلا دليل جديد على أن التفكير خارج الصندوق لم يعد خياراً، بل أصبح نهجاً راسخاً يقود نحو التميز.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد