اغلاق المشاريع كيف يمر بدون حلول

اغلاق المشاريع كيف يمر بدون حلول

30-05-2026 10:31 PM

في عالمٍ يتسارع فيه الزمن نحو أفق الذكاء الاصطناعي والتنمية القائمة على الابتكار، يجد الاقتصاد الوطني نفسه غارقاً في أزمة وجودية، بعيدا عن ركب العلم والتخطيط، واقتناص الفرص ومأسوراً داخل منظومة إدارية باتت تفتقر لأدنى مقومات الرؤية الاستراتيجية الاقتصاديه . إن ما نشهده اليوم من إغلاقاتٍ متتابعة—بدءاً من فنادق إقليم البتراء 32 فندقا ، ومروراً بمطاعم شهيرة، وشركات ألبان، وركودٍ يفتك بالمناطق الحرة، وصولاً إلى إغلاق كليات وأكاديميات وتصفية مشاريع صغيرة—ليست مجرد تداعيات اقتصادية عابرة، بل هي انعكاسٌ لخللٍ بنيوي عميق في "هندسة الموارد" وطريقة إدارتها.
إن الخطيئة الإدارية الكبرى التي نعيشها اليوم هي تحويل الوطن من "قيمةٍ لا تُقدّر بثمن" إلى ما يشبه "السوبرماركت"؛ سلعةٌ تُعرض للبيع في بورصة الضرائب والجباية. لقد رسخت "البيروقراطية السوداء" قناعةً راسخة لدى المستثمر الوطني والدولي بأن جيب المواطن والمنشأة هو الحل الأوحد لأي عجزٍ مالي، متجاهلةً أن الوطن قيمة أسمى من حسابات الربح والخسارة اللحظية. وفي ظل غياب الحلول الفنية، الهندسية، واللوجستية، والاستعاضة عنها بقراراتٍ ارتجالية تصدر في الصباح لتُسحب في المساء، تحولت البيئة الاستثمارية إلى بيئة طاردة؛ حيث لا طاقة تخضع لمنطق التنافسية، ولا خطط تسويقية تستند إلى دراسة، مما دفع المستثمر إلى خيار "التوقف عن العمل"
أمام هذا المشهد، تبرز تساؤلات ملحة ومؤلمة: كيف تمر هذه المؤشرات الخطيرة وتتوالى تلك الأحداث الجسام دون اهتمامٍ جدي من المؤسسات والوزارات، على تعددها وتضخم هياكلها؟ ولماذا نغيب عن الاجتماعات الرصينة التي تفرض هيبتها لمنع هذه الانهيارات، ولماذا لا نرى تحركاً إلا حين يُستنزف جيب المواطن—مادياً ومعنوياً—نتيجة هذا التوغل المستمر؟ إن ما نعيشه اليوم من حالة "تمنع" عن الاستثمار والعمل لا يرجع لضعفٍ في الإرادة الفردية، بل لغياب "المناخ الاستثماري" المتكامل الذي يربط بين الإمكانيات والفرص، وهو مناخٌ يفتقر لأدوات إعلامية قادرة على نقل الواقع الحقيقي للعالم بدلاً من تجميله، مما جعل المستثمر—وطنياً كان أو دولياً—ينظر إلى البيئة الاقتصادية بعين التوجس والنفور.
لقد بات المواطن أو المستثمر يبحث عن "خلاصٍ فردي" لا عن فرص للنمو؛ فما نراه من خروجٍ لرؤوس الأموال ليس هجرةً بالمفهوم الطبيعي، بل هو "هروبٌ قسري" من واقعٍ خانق، فرضته سياسات لا تعترف بالإحصاء ولا تبالي بتبعات قراراتها. والأدهى من ذلك هو التخبط في ايحاد حلول ؛ حين يخرج مسؤول كبير ليتهم الشباب بـ "العزوف عن العمل"، في تصريحٍ ينم عن انفصالٍ تام عن ظروف الزمان والمكان، متجاهلاً أن الشباب يواجهون واقعاً طارداً، وتكاليف تشغيلية تجعل من أي مشروعٍ صغير عبئاً يُثقل كاهل صاحبه، حتى بات أبسط قرارات "الخلاص الفردي" هو التخلي عن السيارة الشخصية والبحث عن وسائل بديلة للنجاة.
إن البطالة المتزايدة وتآكل الدوران الاقتصادي ليست قدراً محتوماً، بل هي النتيجة المباشرة لغياب العقل الإبداعي في حل المشكلات. نحن اليوم أمام أزمة "تفكير" لا أزمة "إمكانيات"، حيث لا توجد لجان إسعافية تقف على أطلال هذه الأسواق المغلقة لتقدم حلولاً عملية، بل نكتفي بتبادل الاتهامات وإطلاق التصريحات التعبيرية التي لا تغني ولا تسمن من جوع. إننا بحاجةٍ ماسة للانتقال من "إدارة التصريحات" إلى "إدارة الحلول"، عبر هندسةٍ حقيقية للطاقة، ووضع استراتيجيات طويلة الأمد، وإعادة الاعتبار للمستثمر كشريكٍ في بناء القيمة الوطنية لا كخصمٍ للميزانية.
إن الوطن ليس مجرد فاتورةٍ واجبة الدفع، بل هو أمانةٌ ومسؤولية. وإذا استمرت العقلية الإدارية في نهج "الجباية على حساب التنمية"، فإننا لا نبني اقتصاداً، بل نستهلك مستقبلاً. إن استمرار إغلاق المؤسسات دون حلولٍ حقيقية يعني أننا نقتلع جذور النمو بأيدينا، وأن البديل عن الإصلاح الجذري في صناعة القرار لن يكون إلا المزيد من التراجع، والمزيد من هروب العقول ورؤوس الأموال، والاتساع المستمر لفجوة الثقة بين مكونات العمليات الاقتصادية

"لقد استُبدل العقل الاقتصادي بعقلية بيروقراطية مفصوله عن الواقع ، تجهل خبايا العملية الاقتصادية وأبعادها الحيوية، حتى باتت البيروقراطية عائقاً يعطل التنمية بدلاً من أن تكون أداة لتنظيمها. إن تجارب المستثمرين اليوم هي أبلغ دليل على هذا الصراع المرير بين تكلفة التشغيل وارتجالية القرار؛ فقصة المستثمر في قطاع التعليم الذي استحق مستحقاته لدى جامعة حكومية عبر 'شيكٍ بلا رصيد'، ليست إلا نموذجاً صارخاً لتردي الممارسات، حيث انتهى به المطاف إلى تصفية عمله وتسريح موظفيه تحت ضغط ضرائب تصاعدية مفاجئة—تدرجت من 5 إلى 105 دنانير عن كل طالب—تُفرض بأثر رجعي،
مع إيجاراتٍ مجحفة تُحسب على أساس 250 ديناراً شهرياً لمكتب له من ضمن العقد ، متناسين أن المستثمر شريكٌ في بناء الصرح وليس مجرد مستأجرٍ عابر. ولا يقل هذا المشهد قتامةً عما يواجهه أصحاب الفنادق الذين اضطروا لإغلاق أبوابهم؛ حيث يروي أحدهم، المقيم في إحدى دول الخليج، أن السبب الجوهري هو التغول في قيمة فاتورة الطاقة، التي أضحت تصل إلى آلاف الدنانير في المواسم المنخفضة. نحن هنا لا نسرد تقريراً إحصائياً، فالحالات الموثقة أكثر من أن تُحصى، بل نضع الحقائق أمام أصحاب القرار: إن هذه البيروقراطية المعطلة هي التي تقتل الاستثمار، وتدفع الشركاء إلى الهروب، فهل من حلٍّ حقيقي يوقف هذا النزيف، أم أننا سنظل ننتظر المعجزات بينما تُصفى عقولنا ومشاريعنا الواحدة تلو الأخرى؟"اخيرا ان قرارات بسيطة ومزايا غير معقدة في المشاريع الصغيرة قادرة عن تدر دخلا سنويا بقيمة 6 مليار .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد