الترخيص المهني للذكاء الاصطناعي في الطب: قراءة في أصول الفقه وقواعد السياسة الشرعية
14-06-2026 11:12 PM
مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، طرحت مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) في جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ الموافق أيار (مايو) ٢٠٢٦ فكرة مثيرة للجدل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحصل يوماً على "رخصة مزاولة مهنة" تشبه البورد الطبي البشري، بحيث يخضع لامتحانات وإقامة تدريبية ومراقبة مستمرة للأداء والأخطاء؟ المسألة التي قد تبدو خيالية للبعض، هي اليوم مطروحة بجدية في أعلى المراكز الأكاديمية الغربية. لكن قبل الإجابة، لا بد من تأسيس أمر مهم: الذكاء الاصطناعي ليس وليد اللحظة في المجال الطبي. فهناك برامج مثل MYCIN الذي طورته جامعة ستانفورد عام ١٣٩٦هـ (١٩٧٦م) كان يشخص الأمراض البكتيرية ويقترح المضادات الحيوية، ومنظومات تحليل المختبرات وأجهزة دعم وظائف الأعضاء كلها تعتمد على الذكاء الاصطناعي منذ عقود. لكن ما تغير اليوم هو أن الخوارزميات توسعت وأصبح لديها القدرة على توليد حلول تشخيصية وعلاجية قد تخالف رأي الطبيب المعالج، وهنا تبرز المعضلة الحقيقية: عندما يختلف الطبيب والذكاء الاصطناعي، من نصدق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
من منظور الشريعة الإسلامية، لا بد من العودة إلى أصول التكليف والمسؤولية. التكليف في الاصطلاح الأصولي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وشروطه معروفة: العقل والبلوغ والقدرة على فهم الخطاب. هذه الشروط لا تتحقق في الذكاء الاصطناعي بأي وجه من الوجوه. الذكاء الاصطناعي لا يعقل بالمعنى الشرعي، أي أنه لا يدرك حسن الأفعال وقبحها، ولا يميز بين الطاعة والمعصية، بل يحاكي بعض مظاهر الإدراك الحسابي. وكذلك الأهلية التي يقسمها الأصوليون إلى أهلية وجوب وأهلية أداء، فالذكاء الاصطناعي لا يملك لا هذه ولا تلك. فلا يمكن أن يكون محلاً لثبوت الأحكام له وعليه، ولا محلاً لخطاب التكليف فيؤمر وينهى. هذه الأحكام مرتبطة بصفات ذاتية لا يملكها الذكاء الاصطناعي: حياة، إرادة، وعي، نية. والإنسان خليفة الله في الأرض، ميزه بالعقل والتكليف، وجعله مسؤولاً أمام الله ثم أمام المجتمع والقضاء عن أفعاله. والذكاء الاصطناعي لا يحمل هذه الخلافة ولا هذا التكليف. ولهذا، أي حكم شرعي أو قانوني يفترض وجود "شخص" يعاقب أو يثاب ينهار منطقياً عند تطبيقه على مجرد خوارزمية.
عندما ننظر إلى مقترح JAMA في ضوء هذه الأصول، نجد أنه يحتوي على عناصر إدارية سليمة مثل فكرة المراقبة المستمرة للأداء وتجديد الترخيص بشكل دوري والمحاسبة على الأخطاء، لكنه يخطئ في النقطة الجوهرية وهي تشبيه الآلة بالإنسان والتسوية بينهما في مرحلة "الترخيص". فامتحان الذكاء الاصطناعي لا معنى له شرعاً لأن الامتحان هو أداة لكشف أهلية شخص ما للقيام بمهمة، والآلة لا أهلية لها. والبورد التخصصي هو شهادة أهلية إنسانية، فلا يصح إعطاؤها لآلة. الإقامة التدريبية فرع عن قابلية التعلم البشري، والآلة لا تتعلم كتعلم الإنسان. أما سحب الترخيص عند الخطأ فهو عقوبة شخصية تأديبية، ولا معنى لعقوبة شخصية لآلة، لأن العقوبة في الشريعة تهدف إلى الردع العام، والردع يستهدف نفساً بشرية تخاف وتشعر وتريد تجنب العقاب، والذكاء الاصطناعي لا يخاف من السجن ولا يتألم من الغرامة ولا يشعر بالعار من سحب الترخيص. هذه كلها مفاهيم تسربت من وصف الإنسان إلى وصف الآلة، وهي خلط بين مرتبتين مختلفتين.
فقهاء الشريعة الإسلامية قسموا الأطباء إلى ثلاثة أقسام: الطبيب الحاذق، والطبيب الجاهل، والطبيب المخطئ.
فالطبيب الحاذق هو الماهر الذي بلغ درجة من العلم والمعرفة تؤهله للعلاج، وهو لا يضمن إذا أتقن عمله وأعطى الصناعة حقها ووقع ضرر لا يد له فيه، والعلة في إسقاط الضمان عنه هي الحاجة إلى العلاج وأن السراية ( مضاعفات المرض والجراح وغيرها بعد اتخاذ الاحتياطات والإجراءات الطلبة المرعية ) لا يمكن التحرز منها.
والطبيب الجاهل هو من يدعي الطب وهو لا يعرفه، وهو ضامن باتفاق الفقهاء، ويترتب عليه أربعة أمور: الدية في ماله على الراجح، وعقوبة التعزير بالضرب أو السجن أو الغرامة، والمنع من التطبيب بالحجر عليه، وعدم استحقاقه للأجر بل يرد ما أخذ ما اكتسبه من مهنته .
أما الطبيب المخطئ هو الحاذق الذي وقع منه خطأ في العلاج، وهو يضمن الدية على عاقلته لكنه لا يأثم، ولا يعزر لأنه لم يقصد.
هذه التقسيمات الثلاثة هي الأساس الذي يمكن قياس أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية عليها, فالنظام الذكي "الحاذق" هو النظام المعتمد الذي ثبتت كفاءته بتجارب سريرية واسعة وحصل على اعتماد من هيئة مهنية وعلمية معتمدة، وهذا النظام لا ضمان عليه كآلة، والطبيب المستخدم له لا يضمن إذا التزم بالبروتوكولات ووقع ضرر لا يد له فيه.
والنظام "الجاهل" هو النظام غير المعتمد أو الذي يعمل في مجال ليس مؤهلاً له أو ثبت عيبه من الأساس، واستخدامه حرام والضمان كاملاً على المستخدم (طبيب أو مستشفى) مع عقوبات تعزيرية.
بينما النظام "المخطئ" هو النظام المعتمد الذي وقع منه خطأ نادر (كزلة تقنية أو خلل عابر)، والضمان هنا على الشركة المصنعة أو صندوق التأمين، والطبيب غير مسؤول ما لم يفرط في التثبت.
المسألة ليست مجرد جدل نظري، بل لها آثار عملية بالغة الخطورة تتعلق بالضمان والمسؤولية, الضمان في الفقه الإسلامي هو اشتغال الذمة بشيء وجب أداؤه، ولا يثبت إلا لمن توفر فيه وصف يستحق به الضمان، كالمباشرة أو التسبب مع التفريط أو اليد أو الإتلاف, والقاعدة الفقهية المستقرة: لا ضمان على الآلة، وإنما الضمان على من أمسكها أو أرسلها أو سبب في فعلها.
والتفريق بين المباشر والمتسبب في الفقه الإسلامي دقيق ومهم : المباشر هو من أحدث الجريمة بذاته دون واسطة، والمتسبب هو من أحدث الجريمة لا بذاته لكن بواسطة.
والقاعدة تقول: المباشر ضامن وإن لم يتعمد، والمتسبب لا يضمن إلا إذا كان متعدياً.
تطبيقاً على الذكاء الاصطناعي: إذا كان الطبيب هو "المباشر" (أي يمسك أداة الجراحة أو يشغل النظام بنفسه مع قدرة على التدخل والإيقاف)، فهو ضامن ولو لم يتعمد.
وإذا كان دوره مجرد "متسبب" (أي وصف دواء بناء على توصية النظام أو فعّل نظاماً آلياً بالكامل ثم انصرف)، فلا يضمن إلا إذا ثبت تعديه أو تفريطه.
هذا التفريق يحل جزءاً كبيراً من معضلة الأتمتة الكاملة، حيث يتقلص دور الطبيب إلى مجرد مراقب.
فإذا كان الطبيب جالساً أمام النظام ويستطيع في الغالب الشائع من الحالات إيقاف التشغيل أو تعديل المسار عند ملاحظة خلل، فإنه يُعد مباشراً فقهياً حتى لو لم يستخدم يديه في الإجراء، وسكوته مع قدرته على التدخل يعتبر إقراراً منه وتحملًا للمسؤولية.
أما إذا صمم النظام ليعمل باستقلالية تامة بحيث لا يستطيع الطبيب – في الغالب الشائع من الحالات – التدخل في الوقت الحقيقي، بل دوره فقط تشغيل النظام ثم الانصراف، فإنه هنا يتحول من مباشر إلى متسبب، وتنتقل المسؤولية الجزئية إلى المصنع والمبرمج.
من هنا نصل إلى البديل الشرعي الصحيح : ليس "ترخيصاً للذكاء الاصطناعي" بل "نظام اعتماد تشغيلي للأنظمة الطبية الذكية".
وهذا الاعتماد لا يُمنح للذكاء الاصطناعي كشخص، بل يُمنح للنظام التقني نفسه وللجهة التي تشغله، ويشمل اختبار أداء تقني يجريه مختصون، وتجربة سريرية تحت إشراف بشري مشدد، واعتماداً دورياً محدود المدة قابلاً للتجديد أو السحب، لكن السحب هنا ليس عقوبة شخصية بل إجراء وقائي عند اكتشاف عيب نظامي.
كما يجب أن تحدد السياسة الشرعية درجة حجية مخرجات النظام : الأصل أن رأي الطبيب المعالج هو المقدم لأنه المكلّف، ولا يصبح رأي النظام ملزماً إلا في حالات نادرة جداً بدقة شبه مطلقة في مسائل محددة ومعترف بها، وحينها تطلب مخالفته تثبتاً شديداً وتوثيقاً كتابياً لأسباب المخالفة.
وبناء على قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر"، فإذا ثبت بالتجارب السريرية الموسعة أن نظاماً معيناً يخطئ في حالة من كل ألف حالة بينما الطبيب البشري يخطئ في عشرين حالة من كل ألف، فإن الغالب الشائع أن هذا النظام أصح وأدق، فيجوز شرعاً الاعتماد على مخرجاته في العموم، ولا يُعد الطبيب مفرطاً إذا اتبعها حتى لو لم يفهم الآلية التفصيلية لعمل النظام، لأن واجب التثبت يتناسب مع طبيعة الوسيلة، كما يعتمد الطبيب على نتيجة تحليل المختبر دون أن يفهم فيزياء جهاز التحليل.
ومقابل ذلك، إذا خالف الطبيب هذه المخرجات، يُطلب منه تدوين أسباب مخالفته كتابة في الملف الطبي، وتكون هذه المخالفة محل مساءلة أشد، لأنه خالف الغالب الشائع دون مبرر واضح.
ولكن لا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذا البناء النظري، رغم قوته سيواجه عند التطبيق العملي عقبات حقيقية تحتاج إلى تفصيل أعمق من المجامع الفقهية وهيئات السياسة الشرعية.
من أبرز هذه العقبات مشكلة "الصندوق الأسود" في أنظمة التعلم العميق الحديثة، حيث تخرج هذه الأنظمة بقرار طبي صحيح جداً من حيث النتيجة، لكن البشر يعجزون عن تتبع الخطوات التي وصل بها الذكاء الاصطناعي إلى هذا القرار.
وهنا تأتي قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" لتوجه الحل, فإذا ثبت بالتجارب السريرية الموسعة والتقارير العلمية المحكمة أن نظاماً معيناً للذكاء الاصطناعي يخطئ في حالة واحدة من كل ألف حالة، بينما الطبيب البشري يخطئ في عشرين حالة من كل ألف حالة، فإن الغالب الشائع أن هذا النظام أصح وأدق, فيجوز شرعاً الاعتماد على مخرجاته في العموم، مع بقاء احتمال الخطأ النادر، لأنه لا سبيل إلى اليقين المطلق في العمل الطبي أبداً,والعبرة للغالب الذي قامت عليه التجارب وأجمعت عليه المؤسسات الطبية، لا للنادر الذي لا يلتفت إليه شرعاً في المعاملات.
وعلى هذا الأساس، لا يُعد الطبيب مفرطاً إذا اتبع مخرجات نظام معتمد ثبتت أفضليته في الغالب الشائع، حتى لو لم يفهم الآلية التفصيلية لعمل النظام
. والمقابل، إذا خالف الطبيب هذه المخرجات، يُطلب منه تدوين أسباب مخالفته كتابة في الملف الطبي، وتكون هذه المخالفة محل مساءلة أشد، لأنه خالف الغالب الشائع دون مبرر واضح.
المعضلة الثانية تتعلق بتداخل المباشرة والتسبب في الأنظمة المؤتمتة بالكامل، حيث يتقلص دور الطبيب إلى مجرد مراقب أو مشغل للنظام.
وهنا أيضاً تصلح قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر", فالغالب الشائع في الإجراء الطبي المؤتمت أن الطبيب هو المباشر الحقيقي إذا كان حاضراً قادراً على التدخل، والغالب الشائع أن الخلل التقني نادر مقارنة بالتشغيل السليم، والغالب الشائع أن مسؤولية متابعة المريض تقع على الطبيب المشرف.
بناءً على ذلك، إذا كان الطبيب جالساً أمام النظام المؤتمت، ويستطيع في الغالب الشائع من الحالات إيقاف التشغيل أو تعديل المسار عند ملاحظة خلل، فإنه يُعد مباشراً فقهياً حتى لو لم يستخدم يديه في الإجراء. وسكوته مع قدرته على التدخل يعتبر إقراراً منه وتحملًا للمسؤولية، لأن الغالب أن العطل يظهر تدريجياً وليس فجأة.
أما إذا صمم النظام ليعمل باستقلالية تامة بحيث لا يستطيع الطبيب – في الغالب الشائع من الحالات – التدخل في الوقت الحقيقي، بل دوره فقط تشغيل النظام ثم الانصراف، فإنه هنا يتحول من مباشر إلى متسبب، وتنتقل المسؤولية الجزئية إلى المصنع والمبرمج.
وعلى هذا، توصي السياسة الشرعية بأن تُصمم الأنظمة الطبية المؤتمتة بحيث تبقى للطبيب في الغالب الشائع من الحالات قدرة على التدخل والإيقاف, فإذا خرجت عن هذا الحد، انتقلت التبعة تبعاً لذلك.
ثم يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: عند الخطأ، مَن يتحمل المسؤولية شرعاً وقانوناً ومالياً؟!
هنا لا بد من تطبيق قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" بشكل تفصيلي على حالة الخطأ، وتوزيع الضمان على عدة سيناريوهات رئيسية, فالخطأ الطبي في الفقه الإسلامي ليس مرتبة واحدة، بل هناك تفصيل دقيق:
فقهاء الشريعة يفرقون بين مرتبة الجهل (فيضمن ويأثم)، ومرتبة الخطأ مع المهارة (فيضمن ولا يأثم)، ومرتبة الإتقان مع ضرر لا يد له فيه (فلا يضمن ولا يأثم).
تطبيقاً على الذكاء الاصطناعي: إذا استخدم مستشفى أو طبيبا أو عيادة نظاماً غير معتمد، أو ثبت عيبه من الأساس، فهذا بمنزلة "التطبيب بالجاهل"، والضمان على المستشفى والمشغل كاملاً.
وإذا كان النظام معتمداً ومعروفاً بدقته، وحدث خطأ نادر غير متوقع (كزلة يد الآلة أو خلل عابر في المستشعرات)، فالضمان قائم على الجهة المشغلة أو المصنع تبعاً لعقد الضمان، لكن لا إثم على أحد لأنه خطأ غير متعمد.
وإذا أتقن النظام عمله وفق تصميمه، وأعطيت له المدخلات الصحيحة، وحدث ضرر للمريض من خارج النظام (كاستجابة غير متوقعة لجسم المريض)، أو كانت نسبة الفشل معروفة ومعلنة وهي داخلة في طبيعة العلاج (كأي عملية جراحية فيها نسبة نجاح معلومة)، فلا ضمان على أحد، لأن الضرر هنا ليس بسبب خطأ من الطبيب ولا من النظام، بل هو من قبيل "سراية الجرح" التي لا يضمنها الخاتن العارف إذا أعطى الصناعة حقها.
وبالتفصيل: يمكن توزيع المسؤولية إلى أربعة سيناريوهات:
السيناريو الأول: خطأ الطبيب وحده...
إذا خالف الطبيب مخرجات النظام المعتمد دون مبرر، أو استخدم نظاماً غير معتمد، أو أهمل واجب التثبت، فالضمان كاملاً والمسؤولية والعقاب على الطبيب، ولا يشاركه فيه أحد.
السيناريو الثاني: خطأ النظام وحده (عيب تصنيع وتصميم وبرمجة )..
إذا ثبت أن النظام به خلل برمجي أو عيب في بيانات التدريب، والطبيب اتبع البروتوكولات، فالضمان والمسؤولية والعقاب على الشركة المصنعة والمشغلة والمشرف على التشغيل والفاحص التقني وغيره ، والطبيب غير مسؤول.
السيناريو الثالث: خطأ مشترك أو متداخل الأسباب..
إذا كان الخطأ ناشئاً من فعل الطبيب والنظام معاً، أو تعذر تحديد السبب بدقة، توزع المسؤولية بنسب مئوية يحددها خبراء، وفق قاعدة "مَن باشر ومَن تسبب", ويُستأنس بقاعدة الفقهاء أن الطبيب قد يتحمل ثلث الدية فقط، والباقي على جهات أخرى.
السيناريو الرابع: ضرر لا خطأ فيه (سراية)...
إذا أتقن الطبيب عمله، وكان النظام معتمداً ومعطياً الصناعة حقها، وحدث ضرر للمريض لا يمكن نسبته لخطأ بشري أو تقني (كاستجابة بيولوجية غير متوقعة، أو مضاعفات معروفة بنسبة ضئيلة)، فلا ضمان على أحد، لأنه من قبيل "الضرر الذي لا يد للطبيب فيه", فالمريض يعوض من صندوق التأمين أو من بيت المال إذا كان النظام عاماً.
ويبقى أن نؤكد أن المريض لا يخرج من هذه التقسيمات بلا ضمان أبداً, فالضمان في كل الأحوال يصل إلى المريض من أحد الأطراف الثلاثة: الطبيب، المصنع، أو المؤسسة المشغلة.
وهذا هو عين العدل الشرعي ومقصد حفظ النفس والمال, وبهذا الالتزام التفصيلي بالتوزيع العادل للمسؤولية عند الخطأ، يكتمل البناء الشرعي ويصبح قابلاً للتطبيق في واقع المحاكم وهيئات التحكيم الطبية.
دور ولي الأمر في السياسة الشرعية هنا كبير وضروري, فولي الأمر له أن ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب بأنظمة تفصيلية تحقق المصالح وتدرأ المفاسد، في حدود ما تترك له فيه حرية التقدير.
لكن بشرط ألا يخرج على الحقائق الشرعية الأصولية, فلا يمكن لولي الأمر أن يصدر قانوناً يجعل الذكاء الاصطناعي شخصاً اعتبارياً له حق الترخيص أو يتحمل المسؤولية الجنائية، فهذا يشبه أن يصدر قانوناً يجعل الحاسوب يتزوج أو يرث , هذه أمور مرتبطة بالحقائق التي خلق الله عليها الأشياء، وليست مناط اجتهاد سياسي .
السياسة الشرعية تحكم في الكيفيات، أي كيف ننظم استخدام التقنية، لا في الحقائق الأصولية التي لا تتغير بتغير الزمان, ويمكن لولي الأمر أن ينشئ جهة وطنية معتمدة للإشراف على اعتماد الأنظمة الطبية الذكية، تضم أطباء ومهندسي ذكاء اصطناعي وفقهاء وقانونيين، وأن يضع معايير الاعتماد التي تشمل دقة النظام وسلامته وشفافيته وقابلية تدقيقه، وأن يحدد درجة حجية مخرجات النظام (ملزمة في حالات نادرة، استشارية في الأصل، تنبيهية في حالات أخرى)، وأن يضع بروتوكولات واضحة لحالة الخلاف بين الطبيب والنظام مع إلزام الطبيب بتدوين سبب مخالفته توثيقاً كتابياً، وأن يحدد قواعد الضمان والمسؤولية كما بينا.
وراء هذا الجدل الفقهي والقانوني وقفة فلسفية حضارية عميقة:
القرآن الكريم يؤسس لعلاقة واضحة بين الإنسان وما سخر له من مخلوقات، ومنها ما يصنعه بيده وعقله: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ" و"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" و"إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".
هذه الآيات تؤسس لمبدأين: التسخير، أي أن ما يصنعه وينتجه الإنسان من علم وتقنية هو مسخر له وليس مسيطراً عليه، والاستخلاف، أي أن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن تسيير هذه المسخرات وتوظيفها في الخير.
بينما نجد في التصور الغربي الحديث، بعد نفي الخالق ورفع العقل البشري إلى مرتبة الإله، ثم إدراك حدود هذا العقل، بدأ الخوف من أن يتفوق العقل الآلي ويستعبد الإنسان.
هذا صراع وهمي لأنه يحدث حين تسقط صفات إنسانية كالرغبة في السيطرة والخوف من المنافس على آلة لا تشعر ولا تنوي, لكنه صراع حقيقي في وعي الغرب، لأنه ثمرة لمسيرة فكرية بدأت بنفي الخالق فانتهت بالخوف من المخلوق.
المسألة عندنا أوضح: الله هو الخالق، والإنسان مخلوق مكلف، والآلة مخلوق مسخر، فلا معركة بين الإنسان والآلة لأن الآلة خارجة من عقل الإنسان وتحت إرادته, القلق الوجودي من سيطرة الآلة هو قلق غائب عن التصور الإسلامي السليم.
ولهذا، نحن في حضارتنا الإسلامية نرى أن الإنسان مسؤول مسيطر على ما سُخّر له، بينما في التصور الغربي الحديث الإنسان قلق من أن يخضع لمسخّره.
بناء على ما سبق، نخلص إلى أن منح الذكاء الاصطناعي رخصة مزاولة مهنة كالتي تعطى للطبيب البشري لا يصح شرعاً، لأنه يفتقر إلى أهلية التكليف والمسؤولية والجزاء، وهذا حكم أصولي لا يقبل التغيير بالتطور التقني.
والبديل الشرعي الصحيح هو نظام الاعتماد التشغيلي للأنظمة الطبية الذكية، الذي يتضمن اختبار أداء تقني، وتجربة سريرية تحت إشراف بشري، واعتماداً دورياً للجهة المشغلة وللنظام (لا للذكاء كشخص)، وسحب الاعتماد عند اكتشاف عيب نظامي كإجراء وقائي لا كعقوبة.
يبقى الطبيب البشري هو صاحب القرار النهائي والمسؤول الأول أمام الله والقضاء، ولا يجوز تحويله إلى مجرد ختم إلكتروني على مخرجات النظام.
والضمان عند الخطأ يوزع وفق أربعة سيناريوهات واضحة: خطأ الطبيب وحده فيضمن كاملاً، وخطأ النظام وحده فيضمن المصنع والمشغل التقني ، وخطأ مشترك فتوزع المسؤولية بنسب يحددها الخبراء، وضرر لا خطأ فيه (سراية) فلا ضمان على أحد ويعوض المريض من صندوق التأمين.
الذكاء الاصطناعي الطبي نعمة عظيمة إذا سُخر لله وفي خدمة الإنسان، لكن إعطاءه صفة "مرخص له" بالمعنى الشرعي هو خطأ في التكييف يؤدي إلى أخطاء فقهية وقانونية وأخلاقية.
المطلوب من العلماء اليوم، العلماء بالله وبشرعه ثم العلماء بالطب والتقنية، أن يرشدوا الأمة إلى كيفية التعامل مع هذه التقنيات المتسارعة دون تفريط في الدين ولا إفراط في الخوف ولا جمود عن مواكبة ما ينفع الناس.
وفي هذا السياق أدعو المجامع الفقهية إلى إصدار قرار تأصيلي في هذه المسألة، وأدعو الحكومات في الدول الإسلامية إلى سن أنظمة للاعتماد التشغيلي للأنظمة الطبية الذكية وفق الضوابط الشرعية، وتأسيس جهات وطنية للإشراف على هذا الاعتماد تضم تخصصات طبية وتقنية وشرعية وقانونية، وإلزام المؤسسات الطبية بوضع بروتوكولات واضحة لحالة الخلاف بين الطبيب والنظام مع توثيق أسباب المخالفة، والتوعية المستمرة للأطباء بحقيقة الذكاء الاصطناعي وأنه أداة لا شريك في القرار، وبحدود مسؤولياتهم عند استخدامه.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل
والد حارس النشامى: يزيد أخبرنا بأن المنتخب سيقدم أفضل ما لديه
تأهل النشامى للمونديال يحرك الاقتصاد الأردني .. تفاصيل
عباس يعدل قانون الانتخابات العامة تمهيدا للاستحقاقات المقبلة
الأردن في أسبوع: بازل الدَّوار الرَّابع، شيفرة النَّشامى وترياق المنغصات
مستوطنون يحرقون ويحطمون 5 مركبات ويحاولون إحراق مسجد في رام الله
منتخب إيران يصل الولايات المتحدة استعدادا لمواجهة نيوزيلندا بكأس العالم
الولايات المتحدة الأمريكية بين الأمس واليوم
بيان شكر وتقدير من جمعية موآب الخيرية
حفيداتي من سان انطونيو إلى البتراء الوردية
"إسرائيل" وفلسطين:تفكيك نموذج "إرهاب الدولة" الاستعماري عند نورمان فينكلستين
الجامعةُ الأردنيّة تستحدثُ برنامج ماجستير في الحَوسبة الكموميّة
مسارح الوهم: حين تشرذمت الخلافة في رقعة الأندلس
الترخيص المهني للذكاء الاصطناعي في الطب: قراءة في أصول الفقه وقواعد السياسة الشرعية
دبلوماسية تفاوض مهشمة: .. ملالي طهران والعودة إلى المواجهة ِ
الفئات التي تشملها العطلة الرسمية في الأردن غداً
زيادة 30 ديناراً على رواتب موظفين ومتقاعدين مدنيين وعسكريين
انخفاض الذهب بالتسعيرة الثانية محلياً
الأمن يكشف تفاصيل جريمة مروعة في عمّان
قفزة هائلة بأسعار الذهب محلياً اليوم
إحالة 9 عمداء و16 عقيدا من ضباط الأمن العام إلى التقاعد .. أسماء
الفئات التي لا تشملها الزيادة الجديدة على الرواتب
قرارات جديدة تتعلق بالتكسي الأصفر والتطبيقات الذكية
700 دونم من القمح رمادًا في اربد والمزارعون يطالبون بإصدار شهادات المنشأ
العلوم الطبية في عمّان الأهلية تنشر بحثين علميين في مجلات عالمية مرموقة حول السمع وصحة الأذن
اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأزرق
العودات: المناسبات الوطنية تستحضر إرثاً قام عليه الأردن الحديث
ترتيبات جديدة لمواعيد العيادات الصباحية بالبشير .. التفاصيل
دوي صفارات الإنذار في العقبة تزامناً مع اعتراض مسيّرة فوق إيلات .. فيديو


