بعد أن صمتت المدافع… هل بدأ اختبار الدبلوماسية؟

بعد أن صمتت المدافع… هل بدأ اختبار الدبلوماسية؟

23-06-2026 10:52 PM

ليست نهاية الحروب هي اللحظة الأكثر أهمية، بل ما يليها. فحين تصمت المدافع، لا يعني ذلك أن السلام قد تحقق، وإنما تبدأ مرحلة أشد تعقيدًا، تنتقل فيها المواجهة من ساحات القتال إلى طاولات التفاوض، حيث تُختبر الإرادات السياسية، وتُقاس قدرة الدبلوماسية على احتواء الأزمات، وتحويل الهدنة المؤقتة إلى استقرار دائم.

واليوم، ومع عودة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، يقف الشرق الأوسط أمام لحظة فارقة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة. فهذه المفاوضات لا تتعلق فقط بالملف النووي أو برفع العقوبات، وإنما تمتد آثارها إلى أمن المنطقة، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، ومستقبل التوازنات السياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا دائمًا. فالحروب قد تُغيّر موازين القوى مؤقتًا، لكنها لا تُنهي الخلافات العميقة، ولا تُزيل أسباب الصراع. ولهذا، يعود الجميع في النهاية إلى لغة الحوار، ليس لأنهم تخلوا عن مصالحهم، بل لأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التفاوض.

غير أن المفاوضات لا تعني بالضرورة أن الطريق أصبح ممهدًا نحو السلام. فالدبلوماسية، هي الأخرى، تخوض معركة لا تقل صعوبة عن المعارك العسكرية. فكل طرف يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية، مع الحرص على ألا يبدو وكأنه قدم تنازلات مجانية. ولهذا، فإن طاولة التفاوض ليست مكانًا للمجاملات، بل ساحة أخرى لإدارة الصراع، ولكن بأدوات مختلفة.

وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تثبيت دورها بوصفها الطرف القادر على إدارة الأزمات والحفاظ على استقرار المنطقة، بما يضمن أمن حلفائها واستمرار تدفق الطاقة وحماية المصالح الاقتصادية الدولية. وفي المقابل، تسعى إيران إلى الحصول على تخفيف للعقوبات واستعادة جزء من حركتها الاقتصادية، مع الحفاظ على مكانتها الإقليمية وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع تحت الضغط.

أما إسرائيل، فإنها تتابع هذه المفاوضات بحذر بالغ، إدراكًا منها أن أي تفاهمات جديدة قد تؤثر في معادلات الأمن الإقليمي. وفي الوقت نفسه، تراقب الدول العربية مسار التفاوض باعتباره عاملًا مؤثرًا في مستقبل الاستقرار، خاصة أن المنطقة دفعت خلال السنوات الماضية أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات الممتدة.

وبالنسبة للأردن، فإن استقرار الإقليم يمثل مصلحة وطنية مباشرة. فالمملكة كانت دائمًا من أكثر الدول إدراكًا لخطورة استمرار التوترات، ليس فقط من منظور أمني، وإنما أيضًا لما تتركه من آثار اقتصادية وإنسانية تمتد إلى المنطقة بأكملها. ولذلك، فإن أي خطوة تُسهم في خفض التصعيد وتعزيز الحلول السياسية تصب في مصلحة الأمن العربي المشترك.

كما أن مصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي ودبلوماسي، تواصل أداء دور محوري في دعم الاستقرار الإقليمي، والدفع نحو الحلول السياسية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة لا يتحقق بالحروب المستمرة، وإنما بالحوار واحترام القانون الدولي، والعمل على معالجة جذور الأزمات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تظل مفتاحًا رئيسيًا لاستقرار الشرق الأوسط.

اقتصاديًا، يترقب العالم نتائج هذه المفاوضات باهتمام بالغ. فاستقرار المنطقة يعني استقرارًا أكبر في أسواق الطاقة، وتراجعًا في مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد، وتحسنًا في حركة التجارة الدولية. كما أنه يمنح المستثمرين قدرًا أكبر من الثقة، وهو ما تحتاج إليه الاقتصادات العالمية بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تكفي الدبلوماسية وحدها لإنهاء حالة عدم الاستقرار؟

الإجابة ليست سهلة، لأن نجاح أي اتفاق لا يقاس بما يُوقع من وثائق، وإنما بمدى الالتزام بتنفيذها، وبقدرة الأطراف المختلفة على بناء الثقة، وتغليب منطق المصالح المشتركة على حسابات الصراع المستمر. فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الاتفاقات انهارت لأنها عالجت النتائج، ولم تعالج الأسباب.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس لقدرة الدبلوماسية على إنهاء أزمة بعينها، بل لقدرتها على فتح صفحة جديدة تُعلي من قيمة الحوار على حساب المواجهة، والتنمية على حساب الصراع، والتعاون على حساب الاستقطاب.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج اليوم إلى منتصر جديد، بقدر ما يحتاج إلى رؤية جديدة. رؤية تؤمن بأن استقرار الأوطان لا يُبنى بإطالة أمد الصراعات، بل بإعلاء قيمة الحوار، واحترام القانون الدولي، وتغليب مصالح الشعوب على حسابات المواجهة. فبعد أن صمتت المدافع… يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الدبلوماسية في أن تكتب ما عجزت الحرب عن تحقيقه؟

magy-news@hotmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

البرلمان العربي يدين تفجيرًا إرهابيًا استهدف حافلة ركاب بريف دمشق

واشنطن تضغط على إسرائيل لإقرار هدنة في غزة

إسبانيا تفرض قيودًا على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا

الحكومة التركية تنفي أي تعارض بين اتفاقية الدفاع والتزامات الناتو

مسؤول أميركي: تقدم في محادثات عُمان وإيران حول مضيق هرمز

تنفيذ حزمة مشاريع تنموية بالكرك لدعم البيئة الاستثمارية

انطلاق منافسات بطولة الحسن الدولية العاشرة للتايكواندو

مجلس الشيوخ الأميركي يتبنى عقوبات جديدة على روسيا

الحوثيون يتبنون هجومًا على معسكر للقوات الحكومية في مأرب

عقوبات أميركية تستهدف منصات عملات رقمية مرتبطة بتمويل الحرس الثوري

البناء الوطني: المباني غير المعزولة تزيد استهلاك الكهرباء في موجات الحر

انطلاق رحلات برنامج أردننا جنة في الكرك

عون: تقدم إيجابي في مفاوضات روما حول الحدود والأسرى

سامو زين يفاجئ جمهوره ويعلن ارتباطه بفنانة مصرية

أوبن إيه آي تتيح محادثات غير محدودة لمستخدمي ChatGPT المجانيين

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق

النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين

فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته

نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟

احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين

قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها

هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة

لديك مخالفات سير؟ تعرّف من يشمله خصم الـ30% وكيف يُحتسب المبلغ

تفسير رؤية الخنزير في المنام

تعديلات قانون الجامعات الأردنية تدخل حيز التنفيذ

إيران تحدد أهدافاً عربية إذا هاجمت أمريكا منشآت الطاقة

كم دقيقة يستطيع الإنسان تحمل الشمس عند 38 أو 40 درجة مئوية؟

شاهد .. ضحية الكريستال: المخدر شيطان دمّر حياتي

15 حالة إصابة بتسمم غذائي في الهاشمية والزرقاء تغلق مطعماً احترازياً