العدالة في الرعاية الصحية بين حقوق المريض والمسؤولية الطبية
24-06-2026 06:49 PM
يمثل الحق في الصحة أحد الحقوق الأساسية اللصيقة بالإنسان وهو حق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الحياة وسلامة الجسد والكرامة الإنسانية. وقد أدركت التشريعات الحديثة أهمية هذا الحق فسعت إلى بناء منظومة قانونية متوازنة تنظم العلاقة بين المريض ومقدم الخدمة الصحية بما يكفل حماية حقوق المريض من جهة ويوفر للممارس الصحي الضمانات القانونية اللازمة لممارسة مهنته في بيئة مستقرة وآمنة من جهة أخرى.
ولم تعد العلاقة الطبية في العصر الحديث قائمة على الثقة الشخصية أو الاعتبارات الأخلاقية وحدها وإنما أصبحت علاقة قانونية ذات طبيعة خاصة تحكمها قواعد مهنية وتشريعية دقيقة. فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه الأنظمة الصحية لا يتمثل في تغليب مصلحة المريض على الطبيب أو العكس وإنما في إيجاد معادلة تحقق العدالة الصحية القائمة على احترام حقوق الإنسان وضمان جودة الرعاية الطبية مع عدم تحميل الممارس الصحي مسؤولية لا تتفق مع طبيعة عمله.
وتستند العلاقة الطبية في جوهرها إلى التزام مهني يقوم على بذل العناية اللازمة وفق الأصول العلمية والفنية المستقرة وليس إلى التزام بتحقيق نتيجة محددة فالأصل أن الطبيب لا يضمن شفاء المريض وإنما يلتزم ببذل الجهد الذي يبذله الطبيب المعتاد في ذات الظروف ذلك أن جسم الإنسان يتسم بخصوصية بيولوجية تجعل الاستجابة للعلاج متفاوتة من شخص إلى آخر كما أن التدخل الطبي يظل محاطاً باحتمالات ومخاطر لا يمكن السيطرة عليها بصورة مطلقة مهما بلغ التقدم العلمي. ومن ثم فإن معيار المسؤولية الطبية لا يقاس بمجرد تحقق الضرر أو عدم تحقق الشفاء وإنما بمدى التزام مقدم الخدمة بالأصول المهنية والعلمية وبمستوى العناية المفروض قانوناً ومهنياً.
وقد شهدت العقود الأخيرة تطوراً كبيراً في مفهوم حقوق المريض فلم يعد المريض مجرد متلقٍ للخدمة الصحية وإنما أصبح شريكاً أساسياً في القرار الطبي يتمتع بمجموعة من الحقوق القانونية التي يتعين احترامها وصونها ويأتي في مقدمة هذه الحقوق حق المريض في المعرفة والموافقة المستنيرة والذي يعد من أبرز تجليات احترام الإرادة الإنسانية. فلا يكتسب التدخل الطبي مشروعيته القانونية الكاملة إلا إذا استند إلى رضا حر ومستنير يصدر عن المريض بعد اطلاعه بصورة واضحة ومفهومة على طبيعة الإجراء الطبي والمخاطر المحتملة والبدائل العلاجية المتاحة والنتائج المتوقعة لكل خيار علاجي.
وقد كرس المشرع الأردني هذا المبدأ بصورة واضحة حيث حظرت المادة (8/أ) من قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 معالجة متلقي الخدمة دون رضاه واستثنت من ذلك الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً طارئاً ويتعذر فيها الحصول على الموافقة لأي سبب من الأسباب أو إذا كان المرض معدياً أو مهدداً للصحة أو السلامة العامة وفق التشريعات النافذة. كما أكدت المادة (8/ك) حظر القيام بإجراءات طبية أو عمليات جراحية غير ضرورية دون الحصول على الموافقة المستنيرة من متلقي الخدمة الأمر الذي يجعل من رضا المريض المستنير ركناً أساسياً من أركان مشروعية العمل الطبي.
كما يندرج ضمن الحقوق الجوهرية للمريض حقه في الاطلاع على ملفه الطبي والحصول على التقارير والفحوصات والوثائق المتعلقة بحالته الصحية باعتبار أن هذه المعلومات تمثل جزءاً من شخصيته القانونية وحقه في تقرير مصيره العلاجي. ويكتسب هذا الحق أهمية خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات الصحية إذ إن تمكين المريض من الوصول إلى المعلومات الطبية الخاصة به يعزز الثقة بين أطراف العملية العلاجية ويحد من النزاعات الناشئة عن سوء الفهم أو غياب التواصل الفعال.
ومن الحقوق الأساسية كذلك الحق في السرية الطبية إذ يلتزم الطبيب وكافة العاملين في القطاع الصحي بالمحافظة على المعلومات المتعلقة بالمريض وعدم إفشائها إلا في الأحوال التي يجيزها القانون. وقد جاءت المادة (8/هـ) من قانون المسؤولية الطبية والصحية لتؤكد هذا الالتزام فحظرت إفشاء أسرار متلقي الخدمة التي يطلع عليها مقدم الخدمة أثناء مزاولة المهنة أو بسببها مع تحديد حالات استثنائية حصراً منها موافقة المريض الخطية أو إذا اقتضت المصلحة العامة أو منع وقوع جريمة أو إذا كان الإفشاء تنفيذاً لواجب قانوني أو أمام اللجنة الفنية العليا.
وتشمل حقوق المريض أيضاً حقه في الحصول على الرعاية الصحية دون تمييز وحقه في اختيار الطبيب التي يرغب في تلقي العلاج لديها وحقه في المعاملة الكريمة واحترام خصوصيته وحقه في تقديم الشكاوى والتظلمات والحصول على آليات فعالة للنظر فيها. كما برز في السنوات الأخيرة حق المريض في السلامة الطبية بوصفه أحد المفاهيم الحديثة المرتبطة بجودة الرعاية الصحية وإدارة المخاطر السريرية حيث أصبحت المؤسسات الصحية مطالبة بتوفير بيئة علاجية آمنة واتخاذ التدابير اللازمة للحد من الأخطاء الطبية وتقليل احتمالية وقوعها.
في مقابل اتساع نطاق حقوق المرضى لا ينبغي أن يقود ذلك إلى التوسع غير المبرر في مساءلة الأطباء ومقدمي الرعاية الصحية ذلك أن العمل الطبي بطبيعته ينطوي على قدر من المخاطر والمضاعفات التي قد تتحقق رغم الالتزام الكامل بالأصول المهنية.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المضاعفات الطبية المقبولة قانوناً وبين الخطأ الطبي الموجب للمسؤولية. فالمضاعفات تمثل نتائج سلبية محتملة ومعروفة علمياً قد تحدث رغم اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة أما الخطأ الطبي فيقوم عندما يثبت وجود انحراف عن القواعد العلمية أو إخلال بواجبات الحيطة والحذر أو تقصير في مستوى العناية المفروض قانوناً ومهنياً.
وقد حرص المشرع الأردني على تحديد مجموعة من الالتزامات التي يشكل الإخلال بها مخالفة قانونية صريحة فنصت المادة (8) على حظر امتناع مقدم الخدمة عن تقديم العلاج في الحالات الطارئة أو الانقطاع عن تقديمه إلا لأسباب مشروعة كما حظرت استعمال وسائل تشخيصية أو علاجية أو أدوية غير مجازة أو وصف العلاج قبل إجراء الكشف اللازم على متلقي الخدمة.
كما حظرت المادة ذاتها الكشف السريري على متلقي الخدمة من غير جنس مقدم الخدمة دون حضور طرف ثالث إلا في الحالات الطارئة وأوجبت إيواء المرضى في الأماكن المخصصة لذلك وحظرت إجراء الأبحاث أو التجارب الطبية على الإنسان إلا بعد الحصول على موافقته الخطية والتصاريح اللازمة وفق التشريعات النافذة.
وتشكل هذه الأحكام منظومة متكاملة من الضمانات القانونية التي لا تهدف فقط إلى حماية المريض وإنما إلى وضع معايير واضحة للممارسة الطبية السليمة بما يحقق الأمن القانوني للطبيب والمؤسسة الصحية على حد سواء.
و في المقابل تعد مسألة إثبات الخطأ الطبي من أبرز الإشكاليات التي تثيرها دعاوى المسؤولية الطبية إذ يواجه المريض في كثير من الأحيان صعوبة عملية في إثبات الخطأ بسبب الطبيعة الفنية المعقدة للعمل الطبي وما يتمتع به مقدم الخدمة الصحية من تفوق معرفي وتقني.
ولهذا السبب اتجهت العديد من الأنظمة القانونية الحديثة إلى تبني حلول أكثر توازناً من خلال تخفيف عبء الإثبات عن المريض أو الأخذ ببعض القرائن القضائية التي تسمح بافتراض الخطأ في حالات معينة ولا سيما عند وقوع ضرر غير معتاد أو عند الإخلال بالالتزامات الأساسية المتعلقة بالتوثيق الطبي أو الإفصاح عن المعلومات.
كما برزت اللجان الفنية والخبرات الطبية المتخصصة باعتبارها إحدى أهم الآليات القانونية لحسم النزاعات الطبية حيث تمثل المرجع الفني الذي تستعين به الجهات القضائية لتحديد مدى مطابقة السلوك الطبي للأصول العلمية المعتمدة الأمر الذي يسهم في توحيد المعايير الفنية وتقليل التباين في تقدير الأخطاء الطبية ويعزز ثقة المجتمع بمنظومة العدالة الصحية.
ومن التطورات المهمة في التشريع الأردني استحداث نظام صندوق التأمين ضد أخطاء المسؤولية الطبية والصحية رقم (103) لسنة 2019 والذي يمثل إحدى أهم الآليات الحديثة لتحقيق التوازن بين حقوق المرضى ومصالح الممارسين الصحيين.
فالتأمين يضمن توفير مصدر مالي لتعويض المتضررين من الأخطاء الطبية دون أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بالمركز المالي للطبيب أو المؤسسة الصحية بصورة تهدد استمرارية تقديم الخدمة كما يسهم في نشر ثقافة إدارة المخاطر وتحسين جودة الأداء مع التأكيد على أن التأمين لا يلغي المسؤولية التأديبية أو الجزائية متى توافرت أركانها القانونية وإنما يقتصر على معالجة الآثار المالية المترتبة على الضرر.
وفي الوقت ذاته تفرض التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي الطبي والطب الرقمي والملفات الصحية الإلكترونية والعلاج عن بعد تحديات قانونية جديدة تستدعي إعادة النظر بصورة مستمرة في مفاهيم المسؤولية الطبية التقليدية ولا سيما فيما يتعلق بتحديد حدود مسؤولية الطبيب والمؤسسة الصحية ومطوري الأنظمة التقنية بما يضمن مواكبة التطور العلمي دون المساس بالمبادئ الأساسية لحماية حقوق الإنسان.
إن حقوق المريض والمسؤولية الطبية يمثلان وجهين متكاملين لمنظومة العدالة الصحية فلا يمكن تحقيق أحدهما على حساب الآخر. فالمريض يحتاج إلى ضمانات قانونية تكفل له العلاج وتحميه من الأخطاء المهنية كما يحتاج الطبيب إلى إطار قانوني عادل يحميه من المساءلة غير المبررة ويمنحه الثقة اللازمة لممارسة مهنته وفق مقتضيات العلم والضمير.
ومن ثم فإن بناء منظومة صحية عادلة وفعالة يقتضي ترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة وتعزيز دور الخبرة الفنية المتخصصة وتطوير التشريعات بصورة مستمرة لمواكبة المستجدات الطبية والتقنية بما يضمن بقاء الإنسان ـ مريضاً كان أم طبيباً ـ محوراً أساسياً للحماية القانونية وغاية نهائية لكل نظام صحي حديث
وزير الاستثمار يبحث استقطاب الاستثمارات الصينية إلى الأردن
الأمن المصري يلقي القبض على فنان شاب بتهمة النصب والاحتيال
موجة الحر في فرنسا تتسبب في انقطاع الكهرباء عن 68 ألف أسرة
الطاقة النيابية تبحث مديونية شركة الكهرباء الوطنية
غياب إدوارد ميندي عن مباراة السنغال الحاسمة أمام العراق
الجغبير: الصناعة الأردنية توسّع صادراتها وتخفض العجز التجاري
علان: الوقت مناسب للمقبلين على الزواج لشراء الذهب قبل أي ارتفاع جديد
العدالة في الرعاية الصحية بين حقوق المريض والمسؤولية الطبية
تنشيط السياحة تنظم ورشة لتدريب الشركاء في القطاع على منصة أهلاً بالأردن
النشمي: لقاء الملك بمنال الظاهر رسالة إنسانية تؤكد احتضان الأردنيين في الغربة
إسرائيل تخطر بوقف بناء 15 منزلا لفلسطينيين في بلدة جنوبي الضفة
القاضي يدعو للالتزام بمبادئ حسن الجوار كأساس لاستقرار المنطقة
وزير الأشغال يتفقد سير العمل في عدد من المشاريع الحيوية بالكرك
الذهب يتراجع بأكثر من 3% ويهبط دون مستوى 4 آلاف دولار للأوقية
الهلال الأحمر: تقديم خدمات علاجية متقدمة لأطفال غزة في مستشفاه
تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق
تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة
انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس
موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل
على نفقته الخاصة .. الملك يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة
المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر
الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية
تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية
فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم
الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026
موعد التقديم للعمل على حساب التعليم الإضافي بالتربية
خبر طلاق نسرين طافش يتصدر المواقع
وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

