محاربة الفساد أم إعادة تشكيل موازين النفوذ في العراق

محاربة الفساد أم إعادة تشكيل موازين النفوذ في العراق

03-07-2026 12:45 AM

لقد افشى دونالد ترامب قبل عام بالسر عن العراق: لديه الكثير من النفط ولا يعرف كيف يتصرف بتلك الثروة الكبيرة. أنا لا أحب ان يكون أحد لديه أموال كثيرة ولا يعرف كيف يديره.

إن ما يجري اليوم في العراق بالتوازي مع التطبيل الدعائي والإعلامي تحت عنوان "محاربة الفساد" لا يمكن قراءته بوصفه حملة قانونية أو إدارية معزولة عن السياق السياسي الأوسع. فالحملة، في جوهرها، هي جزءاً من عملية إعادة صياغة المعادلة السياسية في المنطقة، ويعتبر العراق جزء محوريا في هذه المعادلة، تهدف إلى نقل مركز الثقل السياسي من النفوذ الإيراني إلى النفوذ الأمريكي، بما ينسجم مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة على المستويين السياسي والاقتصادي.

للوهلة الأولى، تثير حملة الاعتقالات التي دشنتها حكومة الزيدي بعنوان محاربة الفساد ضد عدد من شخصيات برلمانية وسياسية وحزبية ومدراء عامين، وبإشراف مباشر من مجلس القضاء الأعلى، شعوراً بالارتياح و التشفي والشماتة وتنفس الصعداء لدى الغالبية العظمى المحرومة في المجتمع. فبعد سنوات طويلة من النهب المنظم للثروات الجماهير وتفشي الفساد الإداري والسياسي والمالي في مختلف مفاصل الدولة، يبدو مشهد ملاحقة بعض المسؤولين والسياسيين وكأنه بداية لاستعادة شيء من العدالة المفقودة.

إلا أنه، بعد التدقيق قليلاً، تجد أن قائمة الأسماء التي يقال إنها تضم نحو ألف اسم، والتي سُلّمت من قبل توم براك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمسؤول الجديد عن الملف العراقي، تدفع إلى طرح أسئلة عديدة: وهي لماذا الآن؟ ولماذا لم يتحرك مجلس القضاء الأعلى قبل هذه الفترة بوقت طويل، علماً أن جميع الحكومات التي تعاقبت على العراق على الأقل خلال خمس السنوات الأخيرة كانت تضع في مقدمة منهاجها تشكيل لجان لمحاربة الفساد؟، ولماذا من يسلم قائمة الأسماء المتورطة بالفساد هو توم براك الى حكومة الزيدي ومجلس القضاء الأعلى، وكأن الإدارة الأمريكية اكثر حرصا على ثروات جماهير العراق التي سحقها الفقر والعوز والبطالة ونقص الخدمات، وهي أي الإدارة الامريكية من نصبت هذه الحفنة من اللصوص والفاسدين على سدة السلطة بعد غزو العراق واحتلاله وتدميره ؟

حملة الاعتقالات الواسعة في صفوف شخصيات التي الى الآن من الدرجة الثانية والثالثة في العملية السياسية بتهم الفساد، لم تطل حتى الآن عرّابي هذه العملية والمتورطين الرئيسيين في نهب ثروات العراق وتجريد جماهيره من مدخراتها وقوتها اليومي، تثير الكثير من التساؤلات. واليوم تحاول حكومة الزيدي، التي يصفق لها الجميع في خضم الضجيج الإعلامي والدعائي حول حربه الوطنية على الفساد، استكمال ما تبقى من سياسات سابقة، مثل خصخصة التعليم والصحة والطاقة، وتخفيض القيمة الحقيقية للرواتب والمعاشات عبر تخفيض قيمة العملة، وتصفية كل ما له علاقة بالقطاع العام، وتحميل المجتمع بمختلف فئاته الاجتماعية الكادحة أعباء الإنفاق لسد ما جرى نهبه من قبل عرّابي العملية السياسية وأتباعهم وشركاتهم.

صحيح أن الحملة دُشنت ضد عدد من الكتل والشخصيات السياسية المصنفة سنية، إلا أن غالبية المعتقلين لديهم ارتباطات مباشرة بالمليشيات الموالية لإيران، ومتورطين في غسل الأموال وتهريب النفط. ان توم براك، الذي يمثل دونالد ترامب بشكل مباشر، لا يواجه مشكلة مع الفاسدين الأصليين ما دامت أيديهم بعيدة عن تمويل المليشيات وتعزيز النفوذ الإيراني على الصعيدين الأمني والعسكري والمالي. وطالما من الممكن مساومتها أو إخراسها أو كسب تأييدها لحملة ما يسمى ب"الحرب على الفساد" لأنها ما زالت تؤدي أدواراً سياسية واجتماعية مفيدة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وعليه، فإن القضية الأساسية تتمثل في مسألتين: الأولى إيقاف مصادر الدعم المالي للمليشيات، والتي كانت هذه الشخصيات متورطة فيها؛ والثانية الاستحواذ على الأموال الموجودة بحوزتها لسد جزء من العجز المالي، في وقت تجاوزت فيه ديون العراق 150 مليار دولار، كتحصيل حاصل تحجيم غول الفساد الى حد لا يكن عائقا امام ربط سوق العراق بشكل آمن بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وان يكون بيئة امنة للاستثمار وعودة الشركات الامريكية التي هربت من العراق خلال الحرب ٣٩ يوم بين أمريكا وإيران على اثر مهاجمة المليشيات لها.

إن ما يتم تسويقه للحرب على الفساد يتم عبر ضبط وإيقاع امريكي من اجل تلميع صورة الزيدي، وهي تشبه إلى حد كبير عملية تسويق أحمد الشرع (الجولاني) سياسياً في سوريا، رغم أن الزيدي كان مرشح الإطار التنسيقي، المظلة السياسية للمليشيات الموالية للنظام الإسلامي في إيران. كما أنه صاحب بنك الجنوب الإسلامي، الذي فرض عليه البنك المركزي العراقي عقوبات، بتوجيه أمريكي، بسبب غسيل الأموال وتهريبها إلى إيران. كذلك يمتلك أسهماً في شركة المهندس التابعة لهيئة الحشد الشعبي، التي تخوض الولايات المتحدة مواجهة سياسية واقتصادية وأمنية معها، وتشبه في بنيتها ودورها شركة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري الإيراني.

إن المسألة في جوهرها أي "الحرب على الفساد" تتعلق بتعبيد الطريق لتغيير اتجاه البوصلة السياسية من إيران إلى الولايات المتحدة. وهذه العملية لا تجري في إطار محلي فحسب، بل تأتي ضمن مساعٍ أوسع لسحب العراق من دائرة الأوراق الاستراتيجية التي تمتلكها إيران، وفي مقدمتها أمن الخليج ومضيق هرمز.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم ما يجري في العراق بمعزل عما يحدث في لبنان وسوريا والمنطقة عموماً. فالسياسة الأمريكية الحالية متجهة نحو فصل المسارات السياسية والأمنية في عدد من دول المنطقة عن التأثير الإيراني، وإعادة بناء توازنات جديدة تضعف قدرة طهران على استخدام أوراقها الإقليمية، سواء في العراق أو لبنان أو الخليج.

وعليه لا تستطيع حكومة الزيدي تحقيق مشاريعها السياسية التي أعلن عنها، وفي مقدمتها تصفية ما سماه "العقلية الاشتراكية"، أي تصفية ما يتعلق بالأمن الصحي والاجتماعي والمعيشي لجماهير العراق، كما أشرنا سابقاً، وإنشاء صندوق سيادي مشترك مع الولايات المتحدة، وتزويدها يومياً بنحو 500 ألف برميل من النفط لسد جزء من النقص في احتياطياتها الاستراتيجية، وتحويل العراق إلى بيئة آمنة للاستثمار الرأسمالي الأمريكي والشركات الأمريكية الأخرى، من دون الاستفادة من ((الصدمة)) التي أحدثتها حملة اعتقالات الفاسدين وتجميد تفكير المجتمع عبر التضليل ولو لفترة معينة من أجل تمرير السياسات التي يطبقها. وهي، في هذا الجانب، تشكل تطبيقاً عملياً لما ورد في كتاب نعومي كلاين «عقيدة الصدمة».

وفي المحصلة، لا شك أن القضاء على الفساد يمثل مطلباً شعبياً عادلاً وإنجازاً حقيقياً إذا ما تحقق بصورة شاملة ومنصفة. غير أن ما يجري اليوم تحت عنوان "محاربة الفساد" هو تضليل متعمد لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية الامريكية في العراق واحلالها دون منافس محل المصالح الإيرانية. الم يفشي ترامب بالسر قبل عام عندما قال في تعليقه ان العراق يمتلك نفط وثروات كبيرة ولكن هناك سوء إدارة.

أي ما نريد ان نقوله في هذا المضمار، من الحماقة والغرق في بحر الأوهام، اذا كانت الجماهير تنتظر ضرب جذور الفساد وقلعه عبر الإطاحة برؤوس والحيتان الحقيقيين التي تدير المشهد السياسي العراقي. لان هذه العملية تعني الإطاحة بالعملية السياسية وهذه لا تخدم مصالح الولايات المتحدة الامريكية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صفية العمري تتصدر الترند .. كواليس صادمة من "ليالي الحلمية" وشائعة الوفاة تعيدها إلى الواجهة

كيف فقد العادي قيمته في عصر الكمال

محاربة الفساد أم إعادة تشكيل موازين النفوذ في العراق

إسبانيا تتأهل بثلاثية نظيفة أمام النمسا وتواصل سلسلة اللاهزيمة

صدور التعليمات المعدلة لمعادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

لاغارد تلمّح إلى احتمال خوضها الانتخابات الرئاسية الفرنسية

مي كمال الدين تعلن انفصالها مجدداً عن أحمد مكي

التبادل التجاري بين تركيا ومصر ارتفع 15 بالمئة في 4 أشهر من 2026

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

المنتخب الوطني للسلة يبلغ الدور الثاني رغم خسارته أمام إيران

محكمة أوروبية تؤيد غرامة قياسية 4.1 مليار يورو على غوغل

إيطاليا .. بركان إتنا في صقلية ينفث رمادا وحمما منذ 7 أيام .. صور

إسرائيل تقرّ إقامة 13 مستوطنة جديدة لعزل القدس عن محيطها الفلسطيني

مونديال 1994 .. بطولة الأرقام القياسية والدراما المأساوية

3 تشرين الأول موعد انتخابات غرف الصناعة والقطاعات الصناعية

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر