كيف فقد العادي قيمته في عصر الكمال

كيف فقد العادي قيمته في عصر الكمال

03-07-2026 01:06 AM

في هذا الزمن السريع، الذي كثر فيه الصخب، ورسخت فيه مواقع التواصل هوس البحث عن المثالية، أصبح الإنسان يعيش بحثا عن كبريات الإنجازات والكمال في كل شيء، في الأجسام والأقوال و النتائج.. غير منتبه لتفاصيله العابرة العادية الصادقة والتي لم تعد ملاحظة وباتت بلا تقدير، بل أمست عاديته عيبا عند البعض منهم .
إن مفهوم الكمال حسب ابن منظور في لسان العرب نجده التمام الذي لا يتجزأ، واصطلاحا: هو التناسق في أجزاء الشيء وخصائصه التي يجب أن تتصف بعدم النقص، وكلها صفات لله وحده ولا يمكن أن يشاركه فيها أحد، فلماذا إذن يتطلع الإنسان إلى الكمال؟
ربما لأن الإنسان العادي دائما لم يكن بطلا في الادب والفن. فلعصور طويلة انشغل الأدب بالملوك والفرسان و الشخصيات الاستثنائية و الملاحم التي خلدها التاريخ، ثم جاءت الواقعية لتوجه أنظارها إلى الإنسان العادي: الطفل و الأم والعامل و الخباز.. وإلى تفاصيل لم تكن من قبل ذات قيمة، كأن الفن نفسه احتاج إلى قرون ليكتشف أن العادي جدير بأن يروى .
لكن بعض الناس يرفضون هذا الاكتشاف ، ويعتبرون أن الدفاع عن العادي دعوة إلى الكسل أو الرضا بالمتوسط، غير أن الأمر ليس كذلك ، فالإنسان مطالب بالسعي إلى الأفضل لا السعي إلى الكمال. أن تكون لك قدرة على التقاط وتقبل التفاصيل العادية اليومية الصغيرة، فلا بأس أن تتلعثم أثناء الحديث، أو تنسى اسما أو موعدا أو يخطئ لسانك نطق الكلمة، او ترتدي ملابس بسيطة مكررة، أو تظهر عليك علامات التعب أو تقول لا أعرف وتطلب المساعدة أو ترتبك، لا بأس أن تبدو عاديا .
لكن كيف يمكن للإنسان أن يتصالح مع العادي وهو قد اعتاد على أن ينظر إليه بوصفه نقصا ، لقد ترسخ في وعيينا أن كلمة "عادي " تقال على سبيل الانتقاص، وأن الحياة العادية ليس لها قيمة، لذلك يسعى العامل ويجتهد في وظيفته العادية بحثا عن الترقية والتميز، ليصل إلى حياة يظنها أكثر قيمة .
هل الحياة حقا تقاس بهذه اللحظات؟ إن ما نسميه إنجازا من نجاح أو زواج أو تخرج أو ترقية لا يحدث إلا مرات في العمر ،أما بقية الأيام فهي ما نسميه ظلما "أيام عادية"، وهي في الحقيقة حياة الإنسان نفسها .فلو حذفنا هذه الايام ، لما بقي من العمر إلا لحظات قليلة.
ولعل نجاح السير الذاتية يكشف أمرا مذهلا، فهي لا تعجبنا بسبب لحظات المجد والبطولة، بل بسبب تفاصيل حياتهم اليومية العادية التي تحفل بها، نقرأ مخاوفهم وأخطاءهم الصغيرة وشكهم و لحظاتهم المملة، وعاداتهم، فنشعر أنها مألوفة، وكأننا نرى قيمة العادي عندما يخص الآخرين، بينما نعجز عن رؤيته عندما يخصنا نحن، فالإنسان لا يبحث في السيرة الذاتية عن الكمال، بل عن إنسان يشبهه.
كما أن صفحة الإهداء في بداية الكتب، تثبت أثر الأشخاص العاديين الذين لا يعرفهم أحد، أم، زوج، صديق، جار.. أشخاص جعلوا الكتاب ممكنا رغم عاديتهم، فالإهداء إذن يأتي ليذكرنا بان ما يصنع الإنسان ليس دائما أحداثا كبرى.
إن الكثير من المشاعر الإنسانية لا تولد إلا في ظل العادية، فالامتنان لا يكون إلا لمن أحس بالحاجة، والرحمة لا تظهر إلا في الضعف، والغفران لا يكون إلا بعد الخطأ، والأمل لا يولد إلا من نقص نتطلع على كماله.

*كاتبة من المغرب، أستاذة ، وطالبة بجامعة القاضي عياض بمراكش، هتمة بالفكر التربوي والكتابة التأملية .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

الاقتصاد النيابية تقر مشروع قانون إلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف

تحديد بديل الرياطي في مجلس النواب