بين أوسلو وواشنطن: هل يعيد لبنان انتاج الخطأ الفلسطيني

بين أوسلو وواشنطن: هل يعيد لبنان انتاج الخطأ الفلسطيني

03-07-2026 03:40 AM

«أراد أن يكحلها ففقأ عينها»، هذا ما قام به الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن العاصمة. أراد لبنان الرسمي أن يقطع الطريق على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، وما جاء فيها في البند الأول من وقف إطلاق النار في لبنان وانسحاب إسرائيل والإقرار بسيادة لبنان على كل أراضيه، فقدم لإسرائيل ما لم تحلم به حتى في خيالها: لا انسحاب من لبنان ولا إقرارَ واضحا بالسيادة على كل الأرض اللبنانية، إلا بعد القضاء تماما على المقاومة وتفكيك خلاياها وتدمير أسلحتها واجتثاث نواياها في محاربة الكيان الصهيوني، ولا إعمار في الجنوب ولا عودة للأهالي إلا بعد تفكيك المقاومة. وارفعوا نخب اتفاقكم العظيم هذا مع الكيان الصهيوني، الذي لم يشر حتى إلى مسؤوليته الأخلاقية عن دمار قرى الجنوب ومنع لبنان من التوجه للمحاكم الدولية حول جرائم الحرب في قتل المدنيين.
لقد صادرت الحكومة التي تدعي الشرعية حق الغالبية من شعب لبنان، الذي لا يريد سلاما ذليلا مع إسرائيل واكتوى بحروب متواصلة منذ إنشاء الكيان واحتلال عدد من القرى اللبنانية وتهجير أهلها عام 1948 واحتلال أجزاء جديدة من لبنان عام 1967 (قرية الغجر ومزارع شبعا) وإطلاقه حملات عسكرية تدميرية متواصلة ضد لبنان، بل إنه أنشأ جيشا عميلا في الجنوب ليحمي سكان الشمال من المقاومة. إنه الكيان الذي وصل العاصمة بيروت بتواطؤ سافر من هؤلاء الذين يتحدثون عن السيادة اللبنانية، وفرضوا اتفاقية 17 أيار 1983 التي أسقطها اللبنانيون الشرفاء وأسقطوا من وقعها. والغريب أن الحكومة اللبنانية التي تدعي الشرعية تجاهلت شرعية الدستور اللبناني الذي ينص على أن مثل هذه الاتفاقيات الخطيرة يجب أن تعتمد من البرلمان، حسب البند 52. الذي ينص على: «أما المعاهادات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات.. لا يمكن إبرامها الا بعد موافقة مجلس النواب». فهل أخذ الرئيسان، عون وسلام، موافقة مجلس النواب؟
وكما فعلت ثلة صغيرة من قيادة منظمة التحرير بتوقيع اتفاقية أوسلو في غياب ممثلي الشعب الفلسطيني وفصائله وأحزابه، قام الثنائي عون- سلام بتوقيع اتفاقية الإطار هذه في غياب الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني. ونسأل بكل براءة: هل يحق للقوات وحزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار وهم قلة لا تزيد نسبتها ربما عن خمس السكان، مصادرة حق الغالبية التي تمثلها حركة أمل وحزب الله والتقدمي الاشتراكي والقومي السوري والمردة والحزب الشيوعي والتيارات الإسلامية العديدة مثل، حزب التوحيد وهيئة علماء المسلمين والتنظيم الناصري وأحزاب أخرى كثيرة يمكن مراجعة بياناتها المنتشرة على صفحات المنصات الرقمية؟

غزة وأريحا اللبنانية

إن قراءة متأنية للاتفاق الإطاري ينبئ عن فخ كبير أشبه بفخ أوسلو، الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية عندما سوقت الاتفاق على أنه سيوصل حتما إلى دولة فلسطينية، وسيوقف الاستيطان ويطلق الأسرى ويعم الخير والازدهار، ويعيش بعد خمس سنوات الفلسطينيون والإسرائيليون بخير وأمان، على مرّ الزمان. وكم كان ذاك الاتفاق مجحفا بحق الفلسطينيين. وعندما سألنا أين النص الذي يتحدث، أو يذكر، أو يشير ولو من بعيد للدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية «شاء من شاء وأبى من أبى»، قيل لنا، إن الأمريكيين أعطونا تعهدا بذلك. وكأن الأمريكيين سيدخلون في حرب مع إسرائيل إذا لم تلتزم بالاتفاق وهو ما حصل فعلا منذ اليوم الأول. وحتى عندما أفشل إيهود باراك ومعه الرئيس كلينتون محادثات كامب ديفيد صيف عام 2000 التي استمرت أياما، لأنهما أصرا على وضع السيادة على القدس في يد إسرائيل، ورفض ذلك ياسر عرفات قائلا لكلينتون ستمشي في جنازتي، كما مشى سلفك في جنازة السادات، وكما مشيت أنت في جنازة رابين، وضع اللوم على الفلسطينيين وبرئت إسرائيل من المسؤولية. لم يتعلم الثنائي عون- سلام من أخطاء من سبقوهم وحاولوا الاستذكاء على الكيان الصهيوني، والنتيجة ستكون دمارا شاملا في لبنان أو صراعات داخلية، كما أدت اتفاقيات أوسلو إلى دمار شامل في فلسطين وحولت السلطة إلى حارس لأمن العدو. لقد بدأ اتفاق أوسلو بمعادلة «غزة وأريحا أولا»، ثم ألغى باراك هذا التدرج وقال، إما نتفق على كل شيء أو لا شيء. هذه المرة تتكرر معادلة «التدرج» بشكل أكثر ضبابية. جاء في الاتفاق: «يتضمن الاتفاق إنشاء مناطق تجريبية لبدء المرحلة الانتقالية، مع ربط إعادة الإعمار وعودة المدنيين بالتقدم في تفكيك حزب الله وبنيته العسكرية، وترسيخ السيطرة الأمنية للدولة، على أن تتولى الولايات المتحدة متابعة التنفيذ وضمان الالتزام ببنود هذه الاتفاقية». ومن يتغطى بالأمريكان فهو عريان، كما قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. وانظروا يا جماعة السيادة اللبنانية، إلى اتفاقية غزة ومجلس السلام الذي أنشاه ترامب: إطلاق يد إسرائيل وتقييد المقاومة والضغط نحو التهجير وتقطير المساعدات وإغلاق شبه دائم للمعابر. المسار المتبادل والمتدرج لن يتم تحقيقه والالتزام به إلا: «بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح لقوات الدفاع الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجيا إلى خارج الأراضي اللبنانية»، كما جاء في النص. ومن معرفتنا جميعا أن إسرائيل ستجد ألف مبرر لعدم الإنسحاب، حتى لو تم تفكيك حزب الله وهو أمر مستبعد، ولو استدعى الأمر أن تطلق رصاصة طائشة على نفسها لتقول» أنظر خلايا الحزب ما زالت ناشطة ولذلك لن ننسحب»، سيناريو غزة الآن.
وماذا عن عودة المهجرين اللبنانيين من الجنوب؟ إقرأ ما جاء في الاتفاق: «عند التحقق من نجاح عملية نزع سلاح الجماعات المسلحة، غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق، تتولى القوات المسلحة اللبنانية المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة فيها، وتبدأ جهود إعادة الإعمار بدعم دولي، ويتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة الآمنة إلى تلك المناطق، تحت السيطرة الحصرية للسلطات الشرعية اللبنانية. وتعتزم الولايات المتحدة الأمريكية العمل بصورة وثيقة مع البلدين للتحقق من تنفيذ هذه العملية ودعمها». أعتقد أن على المهجرين الانتظار عشرين سنة أخرى إلى أن يتم تفكيك المقاومة، وتمكين الجيش، أي بعد انتهاء حرب أهلية مدعومة من إسرائيل وهزيمة المقاومة بشكل كامل. وهو ما عجزت عنه إسرائيل نفسها، فهل سينجح عون- سلام بإنجاز هذه المهمة؟ وكيف سيتم إنجاز هذه المهمة؟ الاتفاق يجيب: «وبموجب هذا الإطار، تطلب حكومة الجمهورية اللبنانية دعم الشركاء الدوليين، ولاسيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق هذه الغاية». إذن سيقوم العرب والجيش اللبناني والولايات المتحدة بمهمة تفكيبك المقاومة تماما مرة وإلى الأبد.
أعتقد أن هذا الاتفاق الإطاري صيغة لحرب أهلية في لبنان، خاصة أن الذين وقعوه في غياب الشعب اللبناني، لا يستطيعون الدفاع عنه لا دستوريا ولا شعبيا إلا بحماية من الخارج. وقد يثير بعض اللبنانيين سؤالا «وما دخلكم أنتم أيها الفلسطينيون في ما نقوم به نحن؟». والجواب أن كل من يوقع معاهدة سلام، أو استسلام مع الكيان الصهيوني يزيده قوة وعنجهية ويؤكد عقيدته، أن القوة والمزيد من القوة هو الذي يؤتي أكلا في التعامل مع العرب وسيؤدي إلى مزيد من المجازر في فلسطين المحتلة، والإسراع في ضم الضفة الغربية. ثم هل يجوز لبعض اللبنانيين من المتحمسين للاتفاق أن يرتكبوا مجازر ضد الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا ولا يحق للفلسطينيين أن يبدوا رأيهم في اتفاق يمس جوهر قضيتهم؟ فإذا كانت القيادة الفلسطينية تنتشي بتعميم نموذج الاستسلام في أوسلو، فكيف لنا أن نصمت في الدفاع عن حق الشعبين الفلسطيني واللبناني في إنهاء الاحتلال ونيل الحرية والسيادة والاستقلال والوحدة؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

حربٌ إسرائيليّةٌ بلا صخب: تهويد الضفة الغربية

نكون أو نصمت إلى الأبد

بين أوسلو وواشنطن: هل يعيد لبنان انتاج الخطأ الفلسطيني

العراق والفساد: زراعة أمريكية واستنبات إيراني

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

المغرب وكندا .. كيف تحولت مواجهة كأس العالم إلى حديث الشارع المغربي؟

صفية العمري ومهرجان جرش يتصدران المشهد .. أبرز 5 قصص فنية أشعلت الترند العربي

صفية العمري تتصدر الترند .. كواليس صادمة من "ليالي الحلمية" وشائعة الوفاة تعيدها إلى الواجهة

كيف فقد العادي قيمته في عصر الكمال

محاربة الفساد أم إعادة تشكيل موازين النفوذ في العراق

إسبانيا تتأهل بثلاثية نظيفة أمام النمسا وتواصل سلسلة اللاهزيمة

صدور التعليمات المعدلة لمعادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

لاغارد تلمّح إلى احتمال خوضها الانتخابات الرئاسية الفرنسية

مي كمال الدين تعلن انفصالها مجدداً عن أحمد مكي

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر