حربٌ إسرائيليّةٌ بلا صخب: تهويد الضفة الغربية

حربٌ إسرائيليّةٌ بلا صخب: تهويد الضفة الغربية

03-07-2026 03:41 AM

في الضفة الغربية تجري حرب خافتة، بطيئة، مواظبة، تتقدم كماكينة بيروقراطية معقدة تبتلع الأرض العربيّة، أكثر منها جبهة عسكرية مشتعلة. حربٌ تغفل عنها معظم نشرات الأخبار، ويضيع صوتها وراء دخان إبادة غزة، وخلف ضجيج صراعات الإقليم المفتوحة في لبنان وجنوب سوريا وإيران، وتحت سقف اللغة الدبلوماسية للمؤسسات الحقوقية والأمميّة التي تحوّل كارثة تتمدد لحظياً إلى رطانة لغوية لا تشغل بال أحد. هناك، في التلال الممتدة بين نابلس ورام الله والخليل وبيت لحم والأغوار، يمضي مشروع الاحتلال الصهيوني قدماً، ساعة بساعة في هندسة واقع جديد، دونماً بعد دونم، وطريقاً بعد طريق، وتلةً بعد تلة، حتى لكأن الخريطة غربي نهر الأردن جسد أضحية يتعرض لتقطيع مكتوم، ليُعاد تقديمه للعالم واقعاً إدارياً معقداً لا يمكن الرجوع عنه.

حرب بأدوات كثيرة

الحرب الإسرائيلية لتهويد الضفة الغربية تملك قاموساً بارداً متعدد المداخل. فهناك تسجيل أراضٍ، وتصنيف مناطقٍ، وتراخيص بناءٍ، وأوامر هدمٍ، ومخططات هيكلية، ومناطق عسكرية مغلقة، وبؤر رعويّة، وممرات أمنية، ومواقع أثرية. غير أن هذه المفردات التقنية تخفي وراءها صراعاً وجودياً على غرفة المعيشة، والبيت، والبئر، والزيتونة، والمدرسة، والطريق إلى الحقل، والحق في أن يستيقظ الإنسان بذات المكان نفسه الذي نام فيه.
تتمظهر السيطرة الإسرائيلية على الضفة ومنذ عقود إلى معادلة مزدوجة: توسيع الحضور الاستيطاني وتمكينه من جهة، وخنق المجال الفلسطيني من جهة أخرى. فتتلقى المستوطنات خدمات مد الطرق والماء والكهرباء والحماية والسند القانوني والميزانيات للأشغال العامة، فيما تحصل القرى الفلسطينية على أوامر وقف البناء، أو إخطارات الهدم، أو توضع على مداخلها بوابات حديدية، أو تغلق حولها الطرق، أو تستملك أراضيها الزراعية لتوسيع شبكة الممرات الالتفافية، أو يجتاحها مستوطنون متوحشون مسلحون يروعون الناس ويحرقون المحاصيل ويعبثون بالممتلكات. هذا التمييز العنصري اليومي بشكليه البيروقراطي والمتوحش يشكل بناء سياسياً كاملاً يربط القيمة الإنسانية بالهوية الدينية.
أخطر ما يحدث في الضفة الغربية اليوم أن عملية ضم الأراضي العربية المحتلة تتحرك كماكينة حصاد هادرة لا يقف في وجهها أحد.
ومع أن إسرائيل لم تعلن رسمياً سيادتها على تلك الأراضي، إلا أن ممارساتها عبر السيطرة على الأرض والقانون والمعابر والتخطيط والسجل العقاري بمثابة سيادة عملية تامة. وقد نقلت الحكومة الإسرائيلية قبل أشهر قليلة صلاحيات تسجيل الأراضي والمسح والإدارة إلى مؤسسات الدولة المدنية، وفتحت سجلات الأرض على نحو يخدم الأنشطة الاستيطانية، في الوقت الذي يصير فيه الفلسطيني مطالباً بإثبات ملكية ورثها عن آبائه وأجداده ضمن شروط شبه مستحيلة لتغادر المسألة خانة الإجراء الإداري وتدخل في صميم الضمّ الفعلي. فكأن الفلسطيني، صاحب الأرض، صار متهماً، وعليه أن يثبت براءته بحجج ووثائق تاريخية تعود إلى العصر العثماني وأيام الإدارة الأردنية.
تمثل المنطقة «ج» كما حددتها اتفاقيات أوسلو قلب هذه الحرب. إنها المساحة المفتوحة التي تشمل معظم احتياطي الأرض الفلسطينية، ومجال الرعي والزراعة والامتداد العمراني الطبيعي للقرى والمدن ولذلك يتعاظم الجشع الإسرائيلي لوضع اليد عليها، وبالتالي امتلاك مستقبل الضفة، وإنهاء إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل بما لا يدع مجالاً للشك.
يتجسد الجشع الإسرائيلي تجاه هذه المناطق سياسة مكانية واعية طويلة المدى، تفرض وجودها على الجغرافيا بوصفها أدوات سلطة. فالطرق الالتفافية تفصل بين المناطق، والحواجز تعيد ترتيب زمن سكانها خارج زمن العالم، والبؤر الاستيطانية تستمر بالتورم كسرطان محليّ يتوسع في محيط أوسع من مساحتها، بينما تتحول القرى الفلسطينية إلى جيوب معزولة تتحكم بها نقاط تفتيش وبوابات حديدية، وتغلق مساحات شاسعة حولها بحجة الأمن على نحو يجعل من الحقول أراض محرمة على أصحابها. وهكذا يترجم الاحتلال من وجود عسكري مؤقت – وفق القانون الدولي – إلى منظومة شاملة تتداخل مع تفاصيل الحياة اليومية: في رخصة البناء، وحق الوصول إلى الماء، كما ساعات عبور العمال، ومواسم قطاف الزيتون، وحتى في احتمال أن يعود الراعي مع قطيعه عند المغيب.

بين مطرقة البيروقراطية وسندان المستوطنين

في الأغوار والقرى الرعويّة تتخذ الحرب شكلاً أكثر خشونة، رغم خفوت صورتها في الفضاءات الإعلامية. إذ تعيش التجمعات البدويّة والرعويّة تحت ضغط التهديد اللحظي، حيث تهاجمهم، دون مقدمات، عصابات مستوطنين يهود مسلحين، يعتدون على خيامهم وبيوتهم، ويسرقون مواشيهم، ويمنعونهم من الوصول إلى الماء تحت سمع وبصر القوى الأمنية الإسرائيلية التي تنفذ بدورها اقتحامات ليلية، وتفتش المنازل بلا مبررات، وتصدر أوامر إخلاء، وتوفر الحماية لتلك العصابات المتفلتة على نحو يجعل الخوف جزءاً من نظام المكان.
تراكم الرعب والحرمان هذا يدفع كثيراً من الفلسطينيين إلى الرحيل، وهو ما تصنفه السلطات الرسمية الإسرائيلية كخيار طوعي أو نتيجة احتكاك محلي. بهذه الطريقة تترجم جريمة المستوطنين الغوغاء سلسلة إجراءات تكون نتيجتها النهائية واقعاً جديداً على الأرض لا يمكن عكسه.
مدينة الخليل العربية تقدم نموذجاً مكثفاً لهذه الهندسة. في قلب المدينة الفلسطينية العريقة مشروع استيطاني مسلح يحتمي بالجيش الإسرائيلي، ويمتد أثره إلى الأسواق والبيوت والحارات والحرم الإبراهيمي. حواجز الاحتلال تعمل كأدوات لإعادة تشكيل الحضور الفلسطيني، وتحوّل المدينة إلى مناطق منفصلة حدودها القوة والخوف. في بيت لحم والقدس ومحيطهما أيضاً، تشتغل الآلية نفسها عبر دوائر المقدس والآثار والتراث، حيث يتحول التاريخ إلى ذريعة للسيطرة وممراً نحو استملاك الفضاء العام.

إيقاع الشاشات الخافت

الحرب الخافتة في الضفة لا شكّ تنتفعُ من انشغال غالبية الشاشات بحروب إسرائيل الأعلى صوتاً. فالصورة التلفزيونية تطارد الانفجار، وأجواء التدمير العنيف، وتقبض على اللحظة الدّامية المفاجئة. أما الضفة فتقدم للعالم مأساة تُقطّر على إيقاع بطيء: من بيت يهدم هنا، إلى طريق يغلق هناك، ومن حقل يصادر بوضع اليد أو بثرثرة قانونية، إلى عائلة تفر من بيتها ليلاً لتظهر مكانها بؤرة استيطانية تتوسع نحو تلٍّ قريب. إيقاع يخدم الجريمة، لأنه يجعلها أقل قابلية للالتقاط، وأكثر قدرة على التحول إلى اليومي والمعتاد. ومع الاعتياد، تخسر الصورة حساسيتها، ويغدو تهويد الأرض محض إجراء إداري عابر.
ومن شأن تراكم التحولات الكميّة هذه نفي فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ضمن حل مزعوم لدولتين، وتحويلها إلى شبه مستحيل. فالضم المتدحرج يقطع أوصال الضفة، ويعزل القدس، ويخنق بيت لحم، ويطوق رام الله، ويفتت الأغوار، ويسقط القرى في مزاج حياة دفاعية مستمرة لتنتهي التجمعات السكانية العربية جزراً محاطة بطرق ومستوطنات ومناطق عسكرية تجعل من فكرة الدولة مفهوماً نظرياً محروماً من الإمكانية الجغرافية.

الوجود كمقاومة

ومع تفرّق الشاشات، وتخاذل المجتمع العربي والدولي، يبقى وجود الفلسطيني في أرضه المقاومة الأفعل في مواجهة مشروع التهويد. مجرد استمرار عيشه في المدينة أو القرية مقاومة، وذهابه إلى الحقل مقاومة، والتحاقه بالمدرسة مقاومة، واحتفاظه بوثائق ملكية الأرض مقاومة، ومزاولته لعمله أو مهنته مقاومة. إنها جميعها أفعال سياسية بليغة ضد الزوال، وصيغ يومية للدفاع عن معنى فلسطين.
إن تهويد الضفة الغربية واقتلاع سكانها العرب ليس تفصيلاً جانبياً في حروب إسرائيل الدائمة، بل وجه آخر للمشروع التوسعي الإسرائيلي ذاته: دولة يهودية كبرى شرق المتوسط، بدأت من فلسطين، وطموحها الآثم أن تستلقي بين فرات العرب ونيلهم. وتبدو الضفة الغربية بناسها آخر جدار وازن يمكن أن يؤخر تلك الكارثة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

حربٌ إسرائيليّةٌ بلا صخب: تهويد الضفة الغربية

نكون أو نصمت إلى الأبد

بين أوسلو وواشنطن: هل يعيد لبنان انتاج الخطأ الفلسطيني

العراق والفساد: زراعة أمريكية واستنبات إيراني

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

المغرب وكندا .. كيف تحولت مواجهة كأس العالم إلى حديث الشارع المغربي؟

صفية العمري ومهرجان جرش يتصدران المشهد .. أبرز 5 قصص فنية أشعلت الترند العربي

صفية العمري تتصدر الترند .. كواليس صادمة من "ليالي الحلمية" وشائعة الوفاة تعيدها إلى الواجهة

كيف فقد العادي قيمته في عصر الكمال

محاربة الفساد أم إعادة تشكيل موازين النفوذ في العراق

إسبانيا تتأهل بثلاثية نظيفة أمام النمسا وتواصل سلسلة اللاهزيمة

صدور التعليمات المعدلة لمعادلة الشهادات غير الأردنية لسنة 2026

لاغارد تلمّح إلى احتمال خوضها الانتخابات الرئاسية الفرنسية

مي كمال الدين تعلن انفصالها مجدداً عن أحمد مكي

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

رحيل بطل مسرحية 'شاهد ما شفش حاجة'

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

السجن خمس سنوات لمحاسب في الجمعية العلمية الملكية بتهمة الاختلاس

غرامات تصل 3000 دينار لمخالفي تعليمات إخفاء السجائر