العراق يعاني أزمة حلّها في «هرمز»!

العراق يعاني أزمة حلّها في «هرمز»!

20-08-2026 02:45 PM

تواجه الحكومة العراقية واحدة من أصعب الأزمات المالية في السنوات الأخيرة، ليس بسبب انخفاض أسعار النفط هذه المرة، بل بسبب صعوبة إخراج النفط العراقي إلى الأسواق العالمية. فالحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز أديا إلى تراجع حاد في صادرات العراق، وبدأت النتائج تظهر مباشرة في حياة ملايين العراقيين، مع تأخّر رواتب الموظفين وظهور احتجاجات محدودة ومخاوف من اتساع الأزمة إذا استمرت الحرب.

المشكلة الأساسية أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط. فنحو 85 إلى 90 في المائة من ميزانية الدولة يأتي من عائدات تصديره. وفي المقابل، تدير الحكومة قطاعاً عاماً ضخماً، يعتمد عليه قسم كبير من السكان في الحصول على الرواتب أو التقاعد أو المساعدات الاجتماعية. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثُلثي العراقيين في سن العمل يعتمدون، بصورة أو بأخرى، على الدولة في معيشتهم.

ولهذا تحتاج الحكومة كل شهر إلى ما بين 6.5 و8.2 مليار دولار لتغطية الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية. وكان تأمين هذه الأموال ممكناً ما دامت صادرات النفط مستمرة بصورة طبيعية. لكن الحرب قلبت هذه المعادلة.

منذ بدء الحرب في أواخر فبراير (شباط) الماضي وإغلاق إيران مضيق هرمز، وجد العراق نفسه في وضع شديد الصعوبة، لأن ما بين 80 و90 في المائة من نفطه كان يخرج عبر هذا الممر البحري. وعلى خلاف بعض دول الخليج، لا يملك العراق حتى الآن طرقاً بديلة كافية لنقل ملايين البراميل التي ينتجها يومياً.

والنتيجة كانت قاسية. فقد انخفضت صادرات النفط العراقية بنحو 83 في المائة خلال مارس (آذار) الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ثم تراجعت الصادرات البحرية في مايو (أيار) الماضي بنسبة وصلت إلى 97 في المائة. ومع توقف الجزء الأكبر من تدفق النفط إلى الخارج، تراجعت أيضاً الأموال الداخلة إلى خزينة الدولة.

وتشير تقديرات حكومية إلى أن إيرادات العراق الشهرية خلال مايو ويونيو (حزيران) الماضيين تراوحت بين مليارَي دولار و2.3 مليار دولار فقط، في حين تحتاج الدولة إلى أضعاف عدة من هذا المبلغ لتغطية التزاماتها. وهذا هو السبب المباشر وراء تأخّر رواتب بعض الموظفين أكثر من 10 أيام، وظهور إشاعات تحدثت عن احتمال دفع الرواتب كل 45 يوماً بدلاً من كل شهر.

الحكومة نفت هذه الإشاعات، وحاولت طمأنة العراقيين بالقول إن لديها احتياطيات تبلغ نحو 83 مليار دولار، بالإضافة إلى الذهب وإيرادات أخرى غير نفطية، وإن هذه الموارد تسمح باستمرار دفع الرواتب لمدة تتراوح بين 10 و11 شهراً.

لكن المشكلة لا تتعلق بالرواتب وحدها. فإذا استخدمت الدولة احتياطياتها باستمرار لتغطية النفقات اليومية، فإن قدرتها على تمويل المشاريع والاستثمارات والخدمات ستتراجع. وقد بدأت علامات ذلك تظهر بالفعل. ففي مايو انخفض الإنفاق الحكومي بنحو الربع مقارنة بالعام الماضي، وذهبت 99 في المائة من النفقات التشغيلية تقريباً إلى الرواتب والتقاعد والضمان الاجتماعي، مما ترك مبالغ محدودة جداً لبقية احتياجات الدولة.

كما امتدت الأزمة إلى القطاع الخاص. فضعف السيولة يعني تراجع الإنفاق والاستهلاك، وبالتالي انخفاض مبيعات الشركات والمتاجر. من المؤشرات اللافتة أن مبيعات السيارات الجديدة انخفضت 28.6 في المائة خلال النصف الأول من السنة. كما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين بسبب المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في المنطقة.

الخطر الأكبر هو أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية وسياسية. فقد شهد العراق في بداية أغسطس (آب) احتجاجات محدودة بسبب تأخر الرواتب، شارك فيها موظفون في جامعات ووزارة الكهرباء. وحتى الآن لا تبدو هذه التحركات قريبة من احتجاجات تشرين الواسعة التي شهدها العراق بين عامَي 2019 و2021، لكن استمرار الأزمة قد يغيّر الصورة.

فإذا اجتمع تأخر الرواتب مع ارتفاع الأسعار ونقص الكهرباء وتراجع الخدمات، يمكن أن تتحول الاحتجاجات القطاعية المنفصلة إلى حركة أوسع. وعندها ستواجه حالة الاستقرار النسبي التي عاشها العراق في السنوات الأخيرة اختباراً جدياً، خصوصاً أن الضغوط الاقتصادية تمس شريحة واسعة جداً من المجتمع.

تحاول بغداد البحث عن مخارج. فهناك كمية محدودة من النفط تُصدّر عبر تركيا. كما جرى نقل النفط بالشاحنات إلى موانئ سورية، وأعلنت الحكومة خططاً لإحياء خط أنابيب قديم باتجاه لبنان. كذلك طلبت بغداد من طهران السماح بمرور النفط العراقي عبر مضيق هرمز نظراً إلى العلاقة بين البلدين. لكن هذه البدائل لا تستطيع في الوقت الحالي تعويض الكميات الضخمة التي كانت تمر عبر المضيق.

الأزمة تكشف في النهاية عن مشكلة أعمق عمرها عقود: اعتماد العراق المفرط على النفط، وتضخم القطاع العام، وضعف القطاع الخاص، وانتشار الفساد، وعدم بناء مصادر دخل بديلة.

وقد دفعت أزمات مالية سابقة الحكومات العراقية إلى الحديث عن الإصلاح وتنويع الاقتصاد وزيادة الإيرادات غير النفطية، لكن هذه الخطط كانت تتراجع كلما عادت أسعار النفط أو الصادرات إلى الارتفاع.

لهذا قد تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإجراء إصلاحات طال انتظارها، لكنها في الوقت نفسه تحمل خطراً كبيراً. فإذا طال إغلاق مضيق هرمز واستمرت عائدات النفط عند مستوياتها المنخفضة فلن تكون المسألة مجرد تأخر في الرواتب. فالعراق قد يجد نفسه أمام أزمة مالية تمتد إلى الخدمات والاستثمار وفرص العمل والأسعار، وقد تتحول في مرحلة لاحقة إلى أزمة سياسية واجتماعية تهدد الاستقرار الذي حاول العراقيون بصعوبة استعادته خلال السنوات الماضية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب

في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

صدور قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

مصرع زوج فنانة لبنانية بصعقة كهربائية أثناء الاستحمام

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

مهم من الحكومة بشأن الخدمات المقدمة للمواطن

والدة رونالدو تغيب عن زفافه واتفاقية قبل الزواج بشأن الثروة .. تفاصيل صادمة

تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي