أشياء لا ينبغي للإنسان أن يخسرها

أشياء لا ينبغي للإنسان أن يخسرها

20-08-2026 02:40 PM

ثمة رجال مهما كبروا، ومهما ابتعدوا، ومهما عبروا من مطارات وحدود وبحار، يعودون أطفالاً في اللحظة التي تفتح لهم أمهاتهم أذرعهن.
وصل من أمريكا إلى نابلس. لم يصل سائحاً يحمل حقيبة وكاميرا، ولم يأت ليقضي إجازة في المدينة التي تنام على كتف جبلين. جاء لأن في بيت هناك أمّاً تنتظر، وعائلة يحاصر المستوطنون منزلها منذ تسعة أيام.
تسعة أيام! في حساب الزمن ليست أكثر من أسبوعٍ ويومين، أما في حساب الخوف، فقد تكون عمراً كاملاً. تسع ليال يصغي فيها أهل البيت إلى كل صوت في الخارج، ويتساءلون إن كان القادم خبراً أم حجراً، نجاة أم اعتداء جديداً. تسع ليال يصبح فيها الباب أكثر من باب، والنافذة أكثر من نافذة، ويغدو البيت وطناً صغيراً عليه أن يدافع عن حقه البسيط في أن يبقى بيتاً. وحين وصل الابن، لم يقل شيئاً. انحنى فقط. هكذا ألقى رأسه في حضن أمه، كأن الطريق الطويل من أمريكا إلى فلسطين انتهى هناك بالضبط، فوق صدر امرأة فلسطينية ترتدي ثوبها المطرز وتربت على ظهر ابنها. يا الله، كم تختصر يد الأم من جغرافيا!
كان رجلاً بالغاً، لكن أمه راحت تمسح على ظهره بالطريقة نفسها التي ربما فعلتها قبل عشرات السنين، حين كان طفلاً يعود إليها باكياً من جرحٍ صغير في ركبته.
في تلك اللحظة لم تعد أمريكا بعيدة، ولم تعد نابلس مدينة في نشرة أخبار. اختفت السياسة كلها خلف ذلك العناق، وبقي شيء واحد لا يحتاج إلى محللين ولا خرائط. بقي إنسان يريد أن يصل إلى أهله حين يخاف عليهم.
لكن المشهد موجع لسبب آخر. لأننا اعتدنا أن نسأل الفلسطيني أسئلة لا نسألها لأحد: لماذا بقيت؟ لماذا عدت؟ لماذا تتمسك بهذا البيت؟ لماذا لا ترحل؟
وكأن البيت قطعة إسمنت يمكن استبدالها بقطعة إسمنت أخرى.
لكن كيف يشرح المرء أن في زاوية من ذلك البيت ضحكة أبيه؟ وأن على عتبته خطت أمه آلاف المرات؟ وأن شجرة في الحديقة تعرف أسماء الأطفال واحداً واحداً؟ كيف يشرح أن الوطن ليس مساحة على الخريطة، بل ذاكرة تمشي على قدمين؟ ربما لهذا عاد الرجل من أمريكا. لأن المسافة تستطيع أن تغيّر عنوان الإنسان، لكنها لا تستطيع دائماً أن تغيّر المكان الذي يخفق فيه قلبه. ظلّت الأم تضمّه. لم نكن نحتاج أن نعرف ما قالته له. كان رأسه على صدرها، وكانت يدها على ظهره، وخلفهما بيت محاصر منذ تسعة أيام.
وفي تلك الصورة وحدها، بدت فلسطين كلّها كأنها أم عجوز تحتضن أبناءها العائدين إليها من آخر الأرض، وهي تهمس لهم: تأخّرتم كثيراً يا أولادي، لكنكم عدتم.

أشياء لا ينبغي لطفل أن يتعلّمها

ثمة أشياء كثيرة ينبغي للطفل أن يتعلمها. أن يربط حذاءه وحده، أن يكتب اسمه من دون أن يقلب بعض الحروف، أن يعد حتى المئة، أن يعرف أن البحر أزرق وأن الشمس أكبر من الأرض، وأن يميز بين اليمين واليسار ويحفظ الطريق من الصف إلى ساحة المدرسة.
ينبغي له أن يتعلم كيف يقود دراجة، وكيف ينفخ شموع عيد ميلاده دفعة واحدة، وكيف يخبئ قطعة شوكولا في جيبه عن أخيه الأصغر. لكن ثمة أشياء لا ينبغي لطفل أن يتعلمها أبداً.
لا ينبغي له أن يعرف، مثلاً، أي أكياس قمامة يمكن أن تخبّئ بقايا طعام، ولا أن تصبح أصابعه الصغيرة خبيرة في تقليب ما رماه الآخرون بحثاً عن شيء يصلح للأكل.
في غزة، يظهر أطفال بين أكوام النفايات يجمعون حبات عشب. أتوقف طويلاً أمام الجملة: يجمعون حبات عشب!
ثمة جمل لا تحتاج إلى بلاغة، ومحاولة تجميلها خيانة لها. طفل ينحني فوق القمامة باحثاً عن عشب يؤكل! هي، وحدها، جملة كاملة تعبر عن هذا العالم.
ربما استيقظ ذلك الصباح جائعاً. وربما لم تقل له أمه إن الطعام نفد، فالأمهات بارعات في اختراع الأكاذيب الصغيرة حين يعجزن عن تغيير الحقيقة. قد تقول له: «بعد قليل نطبخ»، ثم تنشغل بترتيب شيء لا يحتاج إلى ترتيب، كي لا يقرأ في عينيها أنها لا تعرف ماذا ستطبخ.
وربما خرج وحده. مشى حتى وصل إلى تلك البقعة الممتلئة بالأكياس السوداء والبلاستيك والتراب وبقايا الأشياء، ثم جلس إلى جانب أطفال آخرين وبدأ يبحث.
أي درس تلقّاه قبل أن يصل إلى هناك؟ من أخبره أن هذه النبتة يمكن أكلها وتلك لا؟ من علمه أن يزيح البلاستيك بيده، وأن ينظر جيداً تحت الركام، وأن يلتقط ما يمكن حمله إلى البيت؟
وأي عمر يحتاجه الإنسان كي يصبح خبيراً بالجوع؟
نحن نعرف الأطفال من حقائبهم: حقيبة مدرسية صغيرة تتدلّى من كتف، علبة طعام، زجاجة ماء عليها صورة شخصية كرتونية، أقلام ملوّنة ضاعت أغطيتها، ودفتر كتبت المعلّمة في آخر صفحاته: أحسنت.
الإنسان يستطيع، على نحو مخيف، أن يعتاد كل شيء. يعتاد صوت الانفجار، والنوم على الأرض، وحمل الماء مسافات طويلة، والوقوف في الطوابير، وأن يصبح الحصول على رغيف خبز حدثاً يستحق الانتظار.
والطفل أيضاً يعتاد. وهذه ربما إحدى أبشع المآسي التي لا تظهر في أرقام الضحايا. أن ينجو الطفل بجسده، بينما تتغيّر في داخله تعريفات الأشياء كلها. أن تصبح كلمة «طبيعي» شيئاً مختلفاً. أن يرى كيس طحين فيفرح بالطريقة التي يفرح بها طفل آخر بلعبة. أن يعرف أصوات الطائرات قبل أن يعرف أسماء العصافير. وأن تصبح القمامة مكاناً للبحث عن العشاء، لا شيئاً يمر بجانبه مسرعاً وهو يسد أنفه.
نحن الذين نعيش بعيداً نملك رفاهية غريبة. نفتح الثلاجة ونقول: «لا يوجد شيء نأكله»، بينما نقف أمام رفوف ممتلئة. نرمي طرف الرغيف لأنه يبس قليلاً، ونترك نصف الطبق في المطعم، ونشتري الخضار ثم ننساها حتى تذبل، فنلقيها في سلة المهملات من دون أن نفكر في الأمر أكثر من ثانيتين. وفي مكان آخر من هذا الكوكب نفسه، قد تكون هناك يد صغيرة تبحث عن نبتة بين الأشياء التي رماها الناس.
ليست المسافة بين العالمين آلاف الكيلومترات. المسافة أحياناً هي معنى الطعام نفسه. بالنسبة إلى أحدنا، الطعام اختيار: ماذا أشتهي اليوم؟ وبالنسبة إلى طفل آخر، الطعام احتمال: هل سنجد شيئاً اليوم؟
وبين «ماذا نأكل؟» و«هل نأكل؟» تختبئ هوّة أخلاقية كاملة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأمن العام يطلق أسبوعاً توعوياً في الجامعات لتعزيز الوعي الأمني والمجتمعي

إرادة ملكية بتعيين كمال الصمادي قاضيا للقضاة

قبل انطلاق الدورة الثالثة .. أرقام تكشف حصيلة عمل مجلس النواب

احتفالات الهالوين تفجر غضب الأردنيين .. ماذا قال ناشطون؟

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء