ترامب في متاهة الشرق الأوسط

ترامب في متاهة الشرق الأوسط

20-09-2026 11:44 PM

دخل دونالد ترامب البيت الأبيض وهو يحمل إلى السياسة الدولية عقلية رجل الصفقات، ويقدم نفسه بوصفه الرئيس القادر على إنهاء الحروب، وإخضاع الخصوم، وإجبار الحلفاء على تحمل نصيب أكبر من الأعباء، وتحقيق ما عجز عنه أسلافه. وفي خطابه، بدت السياسة الخارجية أقرب إلى طاولة مفاوضات تجارية: ارفع سقف المطالب، لوّح بالقوة، ضاعف الضغط، ثم انتظر الطرف الآخر حتى يأتي إلى الطاولة، وبعدها يمكن إعلان «الصفقة التاريخية».

لكن الشرق الأوسط، على ما يبدو، لم يقرأ كتاب فن الصفقة، ولم يبدِ استعداداً لأن يتحول إلى مشروع عقاري يمكن إعادة هيكلته بقرار سريع من مجلس الإدارة.

هذه المفارقة أعادتها إلى الواجهة مجلة The Economist في مقالها اللافت: «مع تعثّر رئاسته، أصبح ترامب أكثر خطورة من أي وقت مضى». فالمجلة تقدم قراءة نقدية ترى أن تراجع قوة الرئيس السياسية في الداخل لا يعني بالضرورة تراجع قدرته على الحركة في الخارج، بل قد يدفعه إلى استخدام ما بقي تحت يده من أدوات القوة، خصوصاً أن السياسة الخارجية والأمن القومي يمنحان الرئيس الأميركي مجالاً واسعاً للمناورة.

وفي الشرق الأوسط تحديداً، تبدو المسألة أكثر تعقيداً. فالسؤال لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام القوة؟ الإجابة معروفة سلفاً. الولايات المتحدة تملك أكبر ترسانة من أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والمالية والدبلوماسية في العالم. السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث في اليوم التالي لاستخدام هذه القوة؟

في المواجهة مع إيران، استخدمت إدارة ترامب أدوات ضغط عسكرية واقتصادية واسعة، وقدمت الإدارة ما تحقق باعتباره دليلاً على نجاح استراتيجيتها. وفي ملف مضيق هرمز، أعلنت واشنطن أنها نجحت في تأمين حركة الملاحة وفرض مستوى مرتفع من السيطرة على الممر البحري، وقدمت أرقاماً عن السفن وكميات النفط التي عبرت تحت الحماية الأميركية. وهذه معطيات تشكل جزءاً من الرواية الرسمية للإدارة عن نتائج سياستها.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من لغة العمليات العسكرية إلى لغة السياسة.

فالمشهد تحرك خلال فترة قصيرة بين وقف لإطلاق النار، ومفاوضات، وتفاهمات، ثم اتهامات متبادلة وتصعيد وضربات وتهديدات جديدة. وبذلك أصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت التسوية تحتاج في كل مرة إلى جولة أخرى من القوة حتى تبقى على قيد الحياة، فهل نحن أمام سلام مستدام، أم مجرد استراحة بين أزمتين؟

وهنا يظهر الفارق الكبير بين الانتصار العسكري والنجاح الاستراتيجي.

يمكن للطائرات أن تدمر منشأة، ويمكن للصواريخ أن تعطل قاعدة، ويمكن للأساطيل أن تحمي ناقلات النفط، ويمكن للعقوبات أن ترهق اقتصاد دولة سنوات طويلة. لكن لا الطائرات ولا حاملات الطائرات تستطيع وحدها بناء نظام إقليمي مستقر. فالاستراتيجية تبدأ بالقوة أحياناً، لكنها لا تنتهي بها.

وهذه ربما تكون العقدة الأكثر وضوحاً في سياسة ترامب الشرق أوسطية: وفرة غير مسبوقة في أدوات الضغط، مقابل صعوبة مستمرة في تحويل الضغط إلى ترتيبات سياسية مستقرة وقابلة للاستمرار.

ومضيق هرمز يقدم نموذجاً بالغ الدلالة. فإذا احتاج أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى انتشار عسكري دائم، وحماية للسفن، ومراقبة مستمرة، وتهديد متبادل، فإن ذلك قد يثبت قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمة، لكنه لا يثبت بالضرورة أن جذورها قد اختفت.

فالسيطرة على البحر شيء، وإزالة الأسباب السياسية والأمنية التي تجعل تلك السيطرة ضرورية شيء آخر تماماً.

وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات تجربة ترامب إثارة للاهتمام. فقد جاء إلى الحكم منتقداً انغماس الولايات المتحدة الطويل في أزمات الشرق الأوسط، ومتحدثاً عن ضرورة تقليل تكاليف الالتزامات الأميركية الخارجية. لكن واشنطن وجدت نفسها مجدداً في قلب الخليج: تراقب إيران، وتحمي الملاحة، وتطمئن الحلفاء، وتضغط اقتصادياً، وتحشد عسكرياً، وتلوّح بمزيد من القوة.

أراد ترامب تقليص حضور بلاده في الشرق الأوسط، فإذا بالشرق الأوسط يعيد حجز مقعد دائم للولايات المتحدة في الصف الأول.

وليست المشكلة أن منطق الصفقة عديم الفائدة في العلاقات الدولية. على العكس، فالتفاوض والمساومة وتبادل المصالح جوهر أساسي في السياسة الدولية. لكن الخطأ يبدأ عندما يُختزل الشرق الأوسط كله في ميزان أرباح وخسائر سريع.

فالمنطقة ليست شركة متعثرة تنتظر مديراً تنفيذياً جديداً. وفي حساباتها تدخل عناصر لا تظهر عادة في دفاتر الشركات: التاريخ، والهوية، والدين، والحدود، والأمن، والنفط، والمياه، والبرنامج النووي، والصراعات الطائفية والقومية، وحروب الوكالة، والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

إيران ليست مشروعاً عقارياً في مانهاتن، ومضيق هرمز ليس ممراً في برج ترامب يمكن تغيير شركة الحراسة فيه، والسلام في الشرق الأوسط ليس عقداً تجارياً يكفي توقيعه أمام الكاميرات حتى تختفي أسباب الصراع في صباح اليوم التالي.

وللإنصاف، فإن أنصار ترامب يستطيعون تقديم حجج مضادة مهمة. فهم يشيرون إلى أن الضغط الأميركي أضعف قدرات إيران، وأن الردع الأميركي أصبح أكثر وضوحاً، وأن واشنطن أظهرت استعداداً لاستخدام قوتها عندما اعتبرت مصالحها أو الملاحة الدولية مهددة. وهذه عناصر لا يجوز تجاهلها عند تقييم الاستراتيجية.

لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأكبر: ما الذي أنتجته القوة سياسياً؟

فالتاريخ لا يقيس نجاح الدول بعدد الطائرات التي أقلعت، ولا بعدد الصواريخ التي أصابت أهدافها، ولا بعدد السفن التي رافقتها المدمرات. النجاح الاستراتيجي يقاس بما يبقى بعد توقف إطلاق النار: هل أصبح احتمال الحرب التالية أقل؟ هل نشأ توازن أكثر استقراراً؟ هل وُجدت آليات تمنع عودة الأزمة؟ وهل أصبحت المنطقة أكثر أمناً مما كانت عليه قبل المواجهة؟

إذا استطاعت إدارة ترامب تحويل الضغط على إيران إلى تسوية مستدامة تمنع الانتشار النووي، وتحافظ على حرية الملاحة، وتطمئن دول الخليج، وتقلل احتمالات المواجهة العسكرية، فسيكون لأنصار استراتيجيته أساس واقعي للدفاع عنها.

أما إذا استمرت المنطقة في الدوران داخل الحلقة نفسها ــ ضربة تعقبها هدنة، وهدنة تعقبها مفاوضات، ومفاوضات تتبعها أزمة، ثم تعود الطائرات والبوارج إلى نقطة البداية ــ فإن «فن الصفقة» يكون قد تحول عملياً إلى فن إدارة المأزق.

وهذا هو التحدي الذي تواجهه السياسة الأميركية اليوم. فالولايات المتحدة لا تعاني نقصاً في القوة، وترامب لا يعاني نقصاً في الرغبة في استخدامها أو التلويح بها. ما ينقص الاستراتيجية هو القدرة على تحويل القوة إلى تسوية، والتسوية إلى ترتيبات أمنية، والترتيبات الأمنية إلى استقرار طويل الأمد.

لقد أراد ترامب أن يقنع العالم بأن مشكلات الشرق الأوسط يمكن حلها بطريقة مختلفة: ضغط أقصى، عقوبات قاسية، قوة عسكرية عند الضرورة، ثم مفاوضات تنتهي بصفقة كبرى.

لكن الشرق الأوسط، بخبرته الطويلة مع القوى العظمى ومشروعاتها، يملك عادة سيئة للغاية: إنه لا يتصرف وفق السيناريو المكتوب له في واشنطن.

وربما لهذا السبب، كلما أعلن أحدهم أن الأزمة انتهت، خرجت أزمة أخرى من الباب المجاور.

فمرحباً بك في الشرق الأوسط يا سيد ترامب… هنا قد تبدأ الصفقة الحقيقية في اللحظة التي تعتقد فيها أنك أنهيتها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

استهداف جديد في مطار الرياض .. حريق في صالة المسافرين

أسس جديدة لخدمة المناطق غير المخدومة والحد من النقل مقابل أجر

التربية ترعى حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتغذية المدرسية

مدير الأمن العام يفتتح المبنى الجديد لمركز تدريب مكافحة المخدرات

اليوم .. الأردن على موعد مع أمطار غزيرة .. والأرصاد تحذر من السيول

الصناعة والتجارة تؤهل 280 منشأة صناعية ميكروية وصغيرة للتدريب والإرشاد الفني

توغل إسرائيلي في سوريا ينتهي باختطاف 3 رعاة أغنام

الهميسات يسأل عن نتائج برامج «جيدكو» وآليات الرقابة على المنح والتمويل

الصفدي: الأردن يقف مع السعودية في كل ما تتخذه لمواجهة العدوان الحوثي

الكرك حارسة الذاكرة .. تعليله تراثية كركية على الرصيف

تركيا وباكستان بدل الكيان .. !

هجوم مطار الرياض يفتح فصلا جديدا من التصعيد الإقليمي

قبل ساعات من انطلاقها .. تأجيل مواجهة أبها والفيصلي في الدوري السعودي

وفاة شخص وإصابة اثنين بانفجار جسم مجهول داخل منزل في عمان

الأمن العام يكشف حقيقة سائق اتهم رقيب سير بظلمه

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

الأردنيون متفائلون .. ما القصة

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم