مأساة العراق رجل اسمه نوري المالكي!

مأساة العراق رجل اسمه نوري المالكي!
الكاتب : هدى الحسيني

قال الجنرال الأميركي المتقاعد: «إذا برزت دولة سنّية من العراق وسوريا سيكون تنظيم داعش عنصرا أساسيا فيها. تنظيم القاعدة طرد (داعش) من صفوفه، فكيف سنسمح بإقامة دولة من عناصرها الأساسية (داعش)، تشكل خطرا على العالم؟!».
يوم الاثنين الماضي، وفي بغداد، قال جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، إن «داعش» يشكل خطرا على العراق والمنطقة، لذلك على جيران العراق أن يدعموا أمن العراق وأمن دولهم، بدفعهم إلى تشكيل حكومة عراقية تمثل كل العراقيين، وتحترم وحدة أراضي العراق. بعد مغادرة كيري أصدر مكتب نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، بيانا جاء فيه أنه سيعمل حسب الدستور العراقي، وأن رئيس الوزراء تختاره الكتلة الأكبر في البرلمان، أي كتلة المالكي (الوفاق الوطني)، بمعنى أنه لا نية لديه للتخلي عن المنصب، رغم أن هذا ما تجمع عليه كل الدول باستثناء إيران.
قال الجنرال الأميركي المتقاعد: «كان متوقعا أن يحدث هذا في العراق. إنما فوجئنا بالسرعة التي انهارت بها القوات العراقية. بعد عملية سامراء عام 2007 عملنا على مصالحة العراقيين، مددنا يدنا إلى السنة، انقلبوا على (القاعدة). بدأنا في الرمادي، ثم الأنبار، ثم وصلنا إلى أبو غريب حيث المناطق المختلطة. 140 ألف شخص انضموا إلى (الصحوة) بينهم 20 ألفا من الميليشيات الشيعية. كانت مهمتنا إعادة وحدة النسيج الاجتماعي العراقي. أحمد الجلبي رفض التعاون مع السنّة، حكومة العراق لم ترحب بمبادرتنا. لو كان هناك الآن 10 آلاف جندي أميركي في العراق، لا أعتقد أننا كنا سنؤثر على حكومة المالكي». يضيف الجنرال الأميركي المتقاعد: «نسف المالكي الترتيب القيادي للجيش العراقي الذي أسهمنا في إنشائه. حصر كل القرارات العسكرية بمكتب تابع له، وهذا المكتب عاجز عن التنسيق بين الفرق. كان يمكن للقوات العراقية مواجهة مقاتلي (داعش)، لو كانت هناك قيادة لتنسيق العمليات. أبعد المالكي ضباطا أقوياء لأنهم كانوا من السنّة، وجاء بضباط أهميتهم أنهم موالون له شخصيا. هؤلاء قد يكونون أكفاء على نقاط التفتيش، إنما عندما ينهمر الرصاص يهربون».
سيث جونز، مدير «مركز الأمن الدولي والسياسة الدفاعية» في «مؤسسة راند»، وكان شغل منصب ممثل لقائد وحدة العمليات الأميركية الخاصة، ومساعد لوزير الدفاع في أفغانستان، قال: «كان على الولايات المتحدة أن تُبقي على وجود عسكري أميركي في العراق بعد عام 2011 لمواصلة تدريب القوات الأمنية هناك. لكن هل كان هذا سيجنب ما حدث؟ لا أعرف».
لكن المالكي يطلب غارات أميركية على «داعش» في العراق!
يقول جونز: «أهم مساهمة أميركية الآن تكون بالضغط نحو إصلاحات سياسية لمعالجة مظالم السنّة، وبدء العمل مع قوات الأمن العراقية على الأرض. الغارات الجوية تعتمد على العملية السياسية، والاستعداد لاستيعاب السنّة، عندها يمكن القبول بغارات جوية محددة على (داعش)، أما إذا لم تحصل العملية السياسية وتتم معالجة القهر السني، فإننا سنعود إلى هذه الحالة بعد ستة أشهر أو سنة على الأكثر».
جون كيري أكد أنه لا غارات جوية الآن، أما الجنرال الأميركي المتقاعد فقال: «هناك خطران الآن. فحدود سايكس - بيكو معرضة للخطر في سوريا والعراق، مما يعني حربا سنية - شيعية، لذلك علينا أن نكون حذرين، وألا نبدو كطرف مع أحد، أو كسلاح جوي للميليشيات الشيعية.
«نريد رؤية حكومة عراقية تمثل كل أطياف المجتمع، وتوقع عقدا جديدا مع السنّة. يجب أن يكون للسنّة دور في نجاح العراق، وليس فقط في فشله، خصوصا أن السنّة لا يستطيعون الاستمرار وحدهم دون بقية العراق، فالنفط في الجنوب، ويمكن أن يتجاوز «بيجي» محطة التكرير الضخمة ويذهب إلى منطقة كردستان.
«الخطر الآخر «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أي «داعش»، كونه يمثل توجها متطرفا، ويريد أن يكون جيش الإرهاب. لذلك أكرر أن علينا تجنب الوقوف مع طرف ضد آخر في حرب مذهبية، إلا إذا تم تشكيل حكومة وحدة وطنية، عندها نستطيع معالجة «داعش» عبر عمليات سرية. خذوا مثلا تنظيم القاعدة، لم يعد يستطيع تشكيل نفسه في أفغانستان، كما أننا نضغط على «قاعدة شبه الجزيرة العربية»، وعلى «قاعدة شمال أفريقيا».
أسأل سيث جونز، وهو مؤلف كتاب «مطاردة الأشباح»: «هل الأشباح غزت العراق الآن؟».. يجيب: «كلا.. آيديولوجية تنظيم (داعش) مرفوضة. حقق تقدما الآن. إذا عدنا إلى تاريخ (داعش) بما فيه فترة زعامة أبو مصعب الزرقاوي نجد أنه كان للمجموعة ميل إلى الأساليب الوحشية والإجرامية والعنفية، لذلك من الممكن أن يحتفظ (داعش) ببعض هذه الأراضي لأشهر، إنما سيواجه مشاكل في ما بعد. هناك الكثير من القهر لدى سنّة العراق بسبب تعسف حكومة المالكي».
يضيف جونز: «(داعش) ذو هيكلية جيدة وتمويل ضخم، لكن يجب ألا نبالغ في نظرتنا إليه. هناك الكثير من التصدع في أجنحته حتى مع الجهاديين السنة: انقسام مع أيمن الظواهري زعيم (القاعدة)، قتال مع جبهة النصرة، فرع (القاعدة) في سوريا. لا أعتقد أن الأساسيين في سنّة العراق يشاركون (داعش) رؤيته، حتى مجموعة 1920 الثورية لديها تاريخ من القتال مع (داعش) ».
إلى أين يسير الشرق الأوسط بما فيه تركيا وإيران بعد مفاجأة «داعش»؟
يقول جونز: «تركيا في وضع مهزوز. الإسلاميون الجهاديون تدفقوا على المنطقة، خصوصا إلى سوريا، عبر تركيا. إنها عرضة لأنها صارت معروفة بأنها أنبوب ضخ الجهاديين، إضافة إلى أن المنطقة تتعرض لخطر قتال أبعد من مذهبي؛ إذ لاحظنا صراعات سنّية – سنّية، وشيعية - شيعية. هناك احتمال انتشار هذا الخطر إلى لبنان إذا ما تورط (حزب الله) في الذهاب إلى العراق، ومن المؤكد أن الأردن قلق جدا. على الأقل يمكننا القول إنه على المستوى الإقليمي الأوسع فإن تركيا والأردن ولبنان ستظل على الجانب المتلقي للمزيد من اللاجئين».
أما عن إيران، فيرى جونز أنه يمكنها أن تلعب دورا أساسيا لأنها صاحبة التأثير الأول والأقوى على المالكي، وهي تساعد الميليشيات الشيعية. المالكي لا يقدم على أي خطوة من دون إيران، وأي خطوة يقدم عليها يكون القرار فيها لإيران. ثم هي من تحدد تمويل الميليشيات الشيعية. ما يقلق إيران الآن أن حكومة العراق والقوات الأمنية تدمرت ولو جزئيا، مما يعني أن خط المواجهة الأول لـ«داعش» والنقشبندية والسنّة صار الميليشيات الشيعية والبيشمركة، وهذا سيؤثر بشكل أو بآخر على إيران.
أما عن الانفتاح الأميركي على إيران فيرى أن المسألة ليست في البحث مع إيران إنما في ما يمكن أن يحدث لاحقا. هو يرى ضرورة التوصل إلى اتفاق ما بين الأميركيين وإيران ودول الخليج بما فيها المملكة العربية السعودية، وإلى نوع من المشاركة في ترتيب الأوضاع في العراق بحيث تتم معالجة المظالم السنّية وأيضا الكردية، هذا يمكن اعتباره إنجازا جيدا «لا أعرف إذا كان سيحصل لكني آمل ذلك».
أما الجنرال الأميركي المتقاعد فقال: «قاسم سليماني كان وراء تشكيل الحكومات العراقية. أميركا لا تريد أن يكون العراق محافظة إيرانية. إيران أضعفت العراق إلى درجة أنه صار يعتمد عليها في الكهرباء والتجارة. تورط الإيرانيين منتشر في المنطقة كلها: متورطون مع الحوثيين في اليمن، متورطون في البحرين، متورطون في سوريا وفي لبنان، وفي العراق يمولون الميليشيات الشيعية ويحركونها».
يضيف: «التفاوض مع إيران الآن يجب أن يركز على برنامجها النووي والتأكد من التزامها. يجب أن نكون حذرين لأن إيران قد تغير موقفها من النووي إذا أدخلناها في مفاوضات حول العراق».
ويصر على ضرورة الواقعية بالنسبة إلى الأهداف الإيرانية، ويقول: «لن يكون هناك أي اعتدال في النظام الإيراني الحالي. المقاطعة الاقتصادية دفعتهم للتفاوض حول النووي. إذا وسعت إيران تدخلها فإن المنطقة كلها ستكون في حال من القلق. وإذا ما حصل اتفاق حول النووي الإيراني فعلينا أن نتبعه بشروط أخرى تتعلق بـ(فيلق القدس) وبـ(حزب الله) في لبنان. يجب أن نضع هذه الشروط بوضوح». ثم يشير إلى أن القيادة العسكرية الأميركية أعدت مسرحا للعمليات العسكرية ضد إيران في حال توتر الوضع، ويقول «هذا المسرح يجب أن يظل جاهزا، كما يجب توحيد أنظمة الدفاع الصاروخية في دول مجلس التعاون الخليجي».
الجنرال الأميركي المتقاعد ختم حديثه بالقول: «لست متحمسا لتقسيم العراق، لنتخيل ما سيحصل في بغداد حيث هناك مليون سنّي. حتى الأكراد لا يستطيعون تمويل دولتهم من دون 17 في المائة من عائدات النفط العراقي». ويعترف بأنه كان من أخطاء أميركا حل الجيش العراقي، واصفا إياه بـ«المؤسسة الوحيدة التي كانت محترمة». ويقول إن بول بريمر ندم لأنه لم يجر مصالحة عراقية بعد حل حزب البعث.
هل هذا بكاء على الأطلال أم بكاء على مستقبل مجهول قد يكون أسود لفترة طويلة؟

 

الشرق الاوسط