عاجل

كليلة ودمنه بالعربي – الحلقة الثالثة


الكاتب : د. عمر جعوان

وهكذا اصبح الثعلب المزور الجبان سيدا في غابة بها اسود ...


نجح الثعلب في اقناع الجميع برأية في وجوب ان يكون هو حاكم الغابة ، وتسيد الموقف من خلال ان اصطف معه مجموعة من الانتهازيين مثل بعض الحمير الوحشية التي كانت تتمنى ان يساعدها احد في الاستحواذ على مراعي مسموح لها الرعي فيها دون ان تمتلكها ، ووقف معه ايضا حصان مر بالصدفة من الغابة بينما هو متنقل في غابات اخرى ولكنه يدعي انه كان مولودا في هذه الغابة فافتى له الثعلب بان  من حقه ان يدلي بدلوه في المشروع الديمقراطي المطروح ، وكان ذلك الحصان وسيما ويصهل بلكنة جاذبة لباقي الخيل في الغابة خصوصا الافراس فاقتعت بعضها بالوقوف خلفه ، ووقف ايضا معه كركدن ضخم المظهر يتباهي بالقرن ْالذي يحمله على راسه بدون سبب ولا معنى ولا مضمون لانه لا يستعمله ابدا ، الا انه يسعى لان يكون على يمين او يسار الحاكم اي كان ، اسد كان ام ثعلب وحتى لوكان ضبع وهذا وحده هو سبب دعمه للثعلب ووقوفه معه ، ووقف معه كبير الخنازير نكاية بالاسود الذين ان حكموا فاول ما سيفعلوه اقفال ملاهي الخنازير الليلية التي يبرعوا في ادارتها ويستخدموها في كسر عيون الحيوانات ذات الكرامة لتغيير مواقفها عند اللزوم .

الا ان الادهى والامر ان كثيرا من حيوانات الغابة سارت خلفة ، فبمجرد ان طلب الثعلب دعم باقي الحيوانات في الغابة ليسود عليهم وقف خلفة كثيرون، وقف خلفه عدد لا يستهان به من الخراف يحفزها التمرد على كلب الحراسة الذي يجبرها على الاصطفاف والرعي بعقلانية ، هي لا تريد ذلك تريد ان تصول وتجول في المرعى من غير رقيب ولا حسيب ، تاكل برسيمها وبرسيم غيرها غير ابهة ان عاش ذلك الغير او نفق ، وسار خلفة عدد لا يستهان به من من الحمر الوحشية تيمنا بكبيرهم الذي وقف على مرتفع الخطابة في الغابة ورفع الثعلب على ظهرة ليخاطب الحيوانات وهو يبدو امامهم بالجلد الذي ارتداه كانه اسد فعلا . اضف الى ان كل الثعالب والذئاب وبعض الفئران والارانب وقفت ايضا خلفه كل لما في نفسها من اسباب بعضها معلن وبعضها خفي.

لكن الامر الاخطر في الموضوع هو الذي اقنع الاسود بالصمت على تصرفه هذا، قال لهم انا خدامكم ، لكم مني كل ما تشتهون من حيوانات للافطار والغداء والعشاء من دون جهد ولا مضيعة للوقت ، وان ذلك سيعطيكم الفرصة لفترة اطول من الاسترخاء والتزاوج ، وان كنت انا سيد هؤلاء وانتم اسيادي فانكم بالبديهة سادة الغابة بلا منازع ، كما اني ساخدمكم في منع الاعتداء على اشبالكم في الغابة المجاورة ، وانا اعلم ان بعض الافيال في وضع متهيء دائما لمنع اشبالكم من التدرب على السيادة التي يمارسوها في غابتنا من خلال ملاحقتهم وقتلهم بعض الغزلان عندنا , بل انهم يفكرون احيانا بالتسلل الى الغابة المجاورة لضرب اشبالكم وقد فعلوها اكثر من مرة ، وانا اعلم ان هذا اقلق اشبالكم وجعلهم لا يستمعون لنصائحكم وجعلهم يتصرفون على غير ما تريدون بالرغم من وجودكم في مواقع الحماية لهم دائما ، وهم لاسباب خفية يشككون احيانا في مواقفكم النبيلة ويحاولوا ان يتصرفوا بمفردهم وهذا فيه ضرر لكم حيث يحفز حيوانات الغابة للتكاتف ضدهم اي ضدكم ومنعهم من الحصول على الغذاء والماء وحتى الحطب من غابتنا.

لسبب مجهول وافقت الاسود على حكم الغابة من خلال الثعلب ، وهذا ليس من سمات القوة والعنفوان لديهم ، ثم من الذي اقنعهم  بالموقف ... الثعلب ؟ وبطريقة معلنة ايضا ؟ هذا ليس من شيم الاسد ولا بد ان وراء الاكمة ما ورائها وان هناك سبب خفي.

وانقسمت الغابة على نفسها، بعض الحيوانات واقفة بوضوح مع وخلف الثعلب ، وبعضهم متجمهر امام عرين الاسد يضرب حافرا بحافر ، مشدوه ومحتار لتصرفات الاسد ، والبعض ترك المشهد وعاد يبحث في الارض عن بقايا تبن يلتهمه او بعض برسيم يقضمه ، وكثير من الحيوانات قال قبل ان يترك موقع الاجتماع ما يقوله الكثير من ابناء ادم " لا ناقة لي في الامر ولا بعير لا سابقا ولا لاحقا فليفعلوا ما يريدون ".

وفي مكان غير بعيد عن موقع الاجتماع ولكن على اغصان صنوبرة عالية , تجمعت بعض الطيور تتحدث فيما حدث وتحاول ان تفهم ، خصوصا ان الحمائم اظهرت خيفة واضحة لانه لا مانع عند الثعالب ان تقتل وتاكل الحمام بينما لا يمكن ان يفعل ذلك اسد ، وبينما هم في خضم البرجمة والنقاش جاء من السماء ذلك الطائر المبارك ، ضاحكا ومهللا بل شاديا ، انه الهدهد ... قال وهو ما زال يرفرف فوق الجمع " كما اطلعت سابقا على ملك سليمان فقد سبرت غور المسألة واستمعت لحوار الاسود حول ما جرى وجئتكم بالخبر اليقين.

سمعت كبير الاسود يقول ، ان تلك البهائم في الغابة غير جديرة بحكمنا ، ان فيهم الكثير من الشيع والاحزاب التي تربت على اساس من الانتماء للنوع وليس على اساس المخاوف والمصالح المشتركة في الرعي والشرب والتزاوج المنطقي، وبالرغم من ذلك الانتماء الذي لا حكمة فيه الا انها قد كثرت بينهم البغال وانتم تعلمون كيف تاتي البغال !  ذلك يعني انهم يبطنون غير الذي يعلنون ، ولا يكون ذلك الا عن جهل وسوء تقدير وقلة حيلة وشعور بعدم الامان والا فكيف تترك الخيل الاصيلة نفسها نهبا ومطية للحمير ، وبالتالي فلنتركهم لحالهم برهة من الوقت علهم يرجعوا للصح ويعرفوا الصواب وحدهم.

علق الاسد الحكيم بشيء من التهكم .... يرجعوا للحق وحدهم في ظل حكم الثعلب ؟ لن يسمح لهم الثعلب حتى لو ارادوا ، لانه يعلم علم اليقين ان الرجوع للحق يعني القبول بل المطالبة بحكم الاسد ، وبالتالي فهو سيشغلهم بحالهم واحوالهم ، واول شيء سيفعله سيجمع الطعام من مخابئهم ويضعها في مخزن وهمي اختار ان يكون امام موقع الاشعال في الغابه ويحرق المخزن ، ثم سيعتدي على مجموعات الفيلة ليستفزها وهو يعلم انها ان هاجت وهاجمت الغابة فانها لا تضرب الثعالب وانما تضرب الكبار الذين يهدد وجودهم الثعالب اصلا. ولذلك فانا اتفهم ان نتركهم في حكم الثعلب ولكن لفترة وجيزة وتحت سمعنا وبصرنا حتى لا يبيعهم للمفترسات في الغابة المجاورة بثمن بخس.

ثم تابع الاسد الحكيم ، نحن معشر الاسود خلقنا لنسود ، وان امكننا ان نسود على كل الغابات وليس على غابتنا هذه فقط فهذا افضل ، فلنترك الثعلب يحكم مؤقتا وسنبقي اعيننا واذاننا مفتوحة عليه وعلى تصرفاته ، ولكننا سنتفرغ في نفس الوقت لتدجين باقي الحيوانات في باقي الغابات للقبول بنا ، وقد علمت ان في الغابة الشرقية نمر داهية له اتباع ، يحاول ان يمتد في ما حوله من غابات ، وهو نمر شرس ومخادع ، يدعي الطهر والصلاح وهو في الحقيقة امكر من ثعلب ، قد نجح في ممارسة الخداع لدرجة ان بعض الجيوانات في غاباتنا اصبحت تسمي ابنائها باسمه وهذا امر جلل لا بد من التعامل معه بحكمة وقوة..

فلندع الثعلب يمارس هواياته في الحكم .. والاسود تعمل على اعادة ترتيب الاوراق بعد ان لخبططتها الفئران والارانب .. وان غد لناظره قريب.

يتبع .. في حلقة قادمة