عاجل

الحكومة تصرح بشأن صلاة الجمعة والإغلاق الشامل .. تفاصيل

نداء أبوظبي: حتى لا تغرق السفينة!

الكاتب : محمد الرميحي

 تجمد المشهد في القاعة الكبيرة دون حراك، عندما قال متدخل من العراق، في عبارة موجزة وموجعة، إن بغداد غرقت من المطر في أربع ساعات، وهي الساعات الأربع التي استغرقها تنظيم داعش للاستيلاء على الموصل!كانت تلك المفارقة معبرة ولافتة ومحزنة في آن واحد.

أما العبارة الأخرى التي قالها المتحدث نفسه، فهي أن «داعش» هو نتيجة طبيعية للتهميش المذل للمكون السني في العراق!! قيلت العبارتان وغيرهما لقرع جرس الإنذار في إطار ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثاني الذي عقد الأسبوع الماضي على مدى يومين.

كان الحضور تقريًبا من القارات الخمس، وكثير منهم كانوا أصحاب تجربة ورؤية ورسالة في الحياة العامة يريدون أن ينقلوها للجمهور الذي ضمه ذلك اللقاء الموسع، كما أراد بعضهم تمرير رسائل للجمهور العربي. اللافت أن أزيز الرصاص المحتدم في الجوار الخليجي اسُتبدل به خليجًيا أزيز الكلمات والحوارات المحتدمة الساخنة، ليس في أبوظبي وحدها ولكن تزامن ذلك أيًضا مع حوار المنامة الذي شهد حواًرا كأزيز الرصاص.

أن تقام مثل تلك الحوارات وتطرح قضايا في ملتقى أبوظبي مثل «الخليج في العالم الجديد» أو «التحولات الداخلية في دول الربيع العربي» أو «تجاذب وتنافر القوى الإقليمية في الشرق الأوسط» و«القوة في العصر الرقمي»، من بين مجموع العناوين الأخرى الساخنة التي طرحت للنقاش، فهذا يعني في مجمله أن كثيرين يتطلعون إلى السماء لعل بصيًصا من أمل يمكن أن ينير طريق هذه المنطقة التي تعصف بها الحروب والصراعات والتنكيل بالآمنين وتهجير الملايين، ويفر أبناؤها من الموت إلى الموت، ولربما يظهر من ينقذها من مصير سماه أحد المتداخلين في الحوار بـ«النفق المظلم»!! لم تعد أرض، ولا مجتمع، في الجوار العربي لدول الخليج إلا وتشهد صراًعا إما مرتفع أو منخفض الوتيرة، لكنه صراع يستنزف الموارد وُيسّيل الدماء ويعطل التنمية، لا استثناء من ذلك.

لهذا فإن هاجس الخليجيين، وربما الإماراتيين الذين دعوا ونظموا هذا اللقاء الواسع والمهم، هو: أين المفر؟ على خلفية تعملق الجماعات العابرة للحدود التي أصبحت تقض مضاجع الدولة الوطنية من جهة، وتوقعات شعبية مرتفعة وخيبات كبيرة من جهة أخرى. لم تقتصر الحوارات على طرح من فوق المنصة الكثيفة في الوجوه من الرجال والنساء في لقاء اليومين، بل تناثرت وتعمقت وربما احتدمت في الاستراحات بين الجلسات في بهو ذلك الفندق المنيف المطل على بحر أبوظبي، والذي يتطابق مبناه مع اسمه «قصر الإمارات».

 

أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات، افتتح الملتقى برسالة واضحة ومثيرة أيًضا: قال إن الإمارات لديها رؤية للعمل العربي، بالتعاون مع السعودية ومصر. وأردف: «هي ليست على غرار فكرة (القومية العربية في الخمسينات)».. فهدف تلك الرؤية، كما أكمل الوزير قرقاش: «وضع أجندة الاعتدال العربي»!! جمل قصيرة لكنها لافتة ومحملة أيًضا بالمضامين، بسبب الوضع القائم والقاتم الذي يعيشه عرب الاعتدال القليلون والذين يقلون مع الزمن في الحجم وتختلف عند بعضهم الأولويات، حتى بعيًدا عن عرب الاحتراب.
 
أمامنا زمن قد يطول، كما قال أحد المتحدثين، فالحروب الأهلية تستمر في المتوسط بين ست وتسع سنوات، وبعضها أكثر من ذلك، خاصة في العصر الرقمي الذي نشهده والذي تستفيد منه أكثر القوى الُعنفية العابرة للأوطان، فعصرنا يمكن أن يرى فيه كل الناس كل شيء في وقت واحد!! حيرة معظم الجانب العربي في ملتقى أبوظبي، وهو جانب في الغالب يراقب الساحة الساخنة بحيرة وينظر إلى انكماش ساحة الاعتدال بقلق (إن كان لنا أن نقول إن هناك جانًبا عربًيا موحًدا يسعى إلى «الاعتدال»)، أن أمامه مشروعين واضحين كليهما يحمل العنف كطريق لفرض أجندته؛ الأول هو مشروع «الخلافة»، وهو يمتد متدرًجا من «داعش» وإخوته إلى معظم تيارات الإسلام السياسي.
 
يحمل هذا المشروع فكًرا مبنًيا على مقولة: «إن ما نعيشه مرفوض، وتجاربنا السابقة فاشلة، والحل في إقامة (الخلافة) لإقامة (العدل) المطلوب». طبًعا لدينا حتى الآن أكثر من تصور لنوع وطريقة تطبيق تلك الخلافة: الخلافة القاعدية، والخلافة الداعشية، مع غيرهما من تصورات الخلافة! أما المشروع الثاني، ويتبنى وسيلة العنف طريًقا لفرض أجندته، فهو مشروع «الإمامة»، ويتمثل في «إمامة ولاية الفقيه»، التي تتخلل العصب الرئيسي للكثافة العربية المشرقية، وتمتد إلى ما بعدها. والمشروع قادم من طهران مروًرا بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتنتهي بعض شعيرات المشروع العصبية في البحرين بل ومصر أيًضا وما بعدها! في مقابل ذلك، لا وجود على الأرض أو في الفكر لمشروع واضح وصريح له معالم تنفيذية يقف سًدا أمام هذين المشروعين السابقين. البعض لديهم أول جسر لمشروع نقيض للمشروعين السابقين، وهو إقامة الدولة الوطنية المدنية الحديثة العادلة المعتدلة، وتحالفها مع بعضها بعًضا، وهو مشروع جنيني في أذهان البعض، يحتاج إلى مناقشة وتفصيل وتخطي عقبات ما زالت مزروعة بين الأعضاء المرشحين لدخوله، وفي داخلهم. أمام هذه الحيرة طرح بعض المتداخلين في لقاء أبوظبي من غير العرب مقولة: «لماذا لا تدخلون في مفاوضات مع إيران؟ لقد كان بيننا وبينها الكثير من الخلاف، ومع ذلك كان الطريق إلى تخفيف حدة الخلاف هو التفاوض».
 
زايد على ذلك الطرح بعض الإيرانيين الموجودين في الملتقى، حيث قالوا: «عليكم أن تمتنعوا عن التدخل في بعض الدول العربية، كي تمتنع إيران عن التدخل هناك»!! جاءت الإجابة سريعة: «نحن لسنا ضد الحوار، إلا أن المشروع الإيراني التدخلي يرغب في فرض تدخله دون أخذ ولو معقول للمصالح الحيوية لنا نحن عرب المشرق عامة، وعرب الخليج خاصة. هو يرغب في الهيمنة، وحواركم الغربي طهران. كما لا يجوز عقلاً مساواة تدخل العرب في شؤون بعضهم بعًضا بتدخل غير العرب». يقع بعض معه يحمل أجندة مختلفة تماًما عن إمكانية حوار عربي، ضمن أول متطلباته كف الأذى البادي من جيوب الغربيين وبعض الإيرانيين هنا في خطأ «نقل النموذج»، فالنماذج لاُتنقل حرفًيا بسب اختلاف بعض عناصرها الداخلة في تركيبتها، سواء من حيث المفاوضات أو من حيث التدخل!! قيلت في المنتدى وجهتا نظر مختلفتان من زاوية الاهتمام الغربي خاصة الأميركي بما يدور من عنف غير مسبوق في المنطقة. قال البعض: «لا تراهنوا على أن يتغير الموقف الأميركي تجاه قضاياكم من خلال تغيير في الإدارة القادمة (2016) في الولايات المتحدة.
 
عليكم ترتيب أنفسكم على أن السياسة نفسها سوف تستمر، باختلاف الأشخاص». قال أحدهم في لقاء جانبي في الفندق: «أي سياسي أميركي ينادي بالتدخل العسكري في مسرح الشرق الأوسط علينا أن نأخذه إلى الطبيب لفحص قواه العقلية»! أما آخر فقال من على المنصة: «نحن لا نثق بكم (يا عرب) في حرب (داعش)»!! تلك بعض الحوارات المهمة التي تتسع لها مساحة المقال، لكنها كانت حوارات غنية صريحة تشير إلى المخاطر الكامنة في مرحلة تحول عميق وغير مسبوق. آخر الكلام: ما يحدث في المنطقة هو الطريق القسري لإقامة الدولة الوطنية المدنية العادلة، لأن كل ما حولنا من فوضى هو إرث الأنظمة الاستبدادية!
 
صحيفة  "الشرق الأوسط"