عرارٌ يحكي عن الخرابيش !

عرارٌ يحكي عن الخرابيش !
الكاتب : شريف الترباني

  شاعرُ الاردن ، وهو صاحبُ مدرسةٍ يسيرُ عليها ثُلَّةٌ من شعراء الأردن ، وبيتُهُ مقصدٌ للأدباء والشعراء كُلَّ عام ، كانت حياتُه مليئة بالتناقضات ، وكانت له أفعالٌ قادتْهُ إلى السجن والمنفى ، وكان يُحبُّ الأردنَ – ترابَهُ ، وأعشابَه ،وأنهارَه ، وينابيعَهُ – ولذلك قال متمَنِّيَاً الموتَ في زوايا الوطن :

 
يا أردنيات ؛ إنْ أودَيْتُ مغترباً
...... فانسجْنَها – بأبي – أنتُنَّ أكفاني
 
وَقُلْنَ للصَّحْبِ : واردوا بعضَ أعظُمِهِ
...... في تَلِّ اربدَ أو سفحِ شيحانِ
 
قالوا : قضى ومضى ، وَعَبى لِطَيَّتِهِ
...... تغمَّدَتْ روحَهُ رحماتُ رحمانِ
 
عسى لعلَّ به يوماً مَكْحَلَةً
...... تَمُرُّ تتلو عليه حِزْبَ قرآنِ
 
فكان له ما تَمنَّى فقد نال أُمْنِيَتَهُ من الدَّفْنِ في سهول اربد ؛ مسقطَ رأسِهِ وعلائقَ تمائمِهِ !
 
وقد شاعتْ له قصائدُ كثيرةٌ ، ومما حاز قَصَبَ السَّبْقِ ، قصائِدُه التي تتحدَّثُ عن طبقة ( النَّوَر ) أو ما يُسَمَّى ب ( الغجر ) ، فقد أدمنَ عرارٌ مجالسةَ هذه الطبقة التي تتصفُ بصفاتٍ قد يأباها العربيُّ والمسلمُ من الاستجداء ، والقصف والصَّخَبِ !
 
له قصيدةٌ ؛ ( بين الخرابيش ) يصف ويمدح هذه الطبقة ، ويضفي عليها صفات المدينة الفاضلة !!
 
والخرابيش لها معنىً عامِيٌّ وهو ما قصده عرار ، وهي جمعُ  خَرْبوش  وهو البيت المكون من العيدان والخيش الذي يَدُلُّ على وضاعةِ ساكِنِهِ وفقره المدقع .
 
وهذا المعنى لا تعرفُهُ العربُ ، بل تعرف من الخرابيش أنها جمعُ  خَرْبَشٍ  و  خِرْباش  وهو الاختلاط ، والصَّخَبُ .
 
والفعلُ : خَرْبَشَ خَرْبَشَةً أي : أفسد الكتابَ ، كتابٌ مُخَرْبَشٌ أي : كتابٌ مُفْسَدٌ .
 
وجاء عن  زيد بن أخزم الطائي  قال : سمعتُ ابنَ دواد يقول :  كان كتابُ سفيانَ مخربشا  أي فاسدا ، والخربشةُ الافساد والتشويش ...
 
فهذا معنى الفعل  خربشَ  ومشتقَّاتِهِ لا ما تعرفهُ العوام من البيوت الوضيعة ، وقد نربط المعنى الفصيح بالمعنى العامي ونجدُ هذه الشعرةَ الدقيقة التي تربطُ بين الفصيح ومقصود العوام ، وهي ( عدم الاحكام والاتقان ) فهذا خطٌّ مخربش اي فيه تمويهات وتعرجات لا يستقيم الخطُّ معها ، وكذلك تلك البيوت غير المحكمة في بنائها وساسها ، فهي كحال الخط غير المحكم .
 
وقد أخذ عرارٌ في وصف ما يدور في الخرابيش حيث جعلها مدينةً فاضلةً لا يوجد فيها الفوارقُ الاجتماعية ، ولا يوجد فيها الجرائمُ البشعة من إراقة الدم ...
 
وهذه الخرابيش يسودها الاخاءُ وعدمُ الحرصِ على الدرهم والفلس !!!
 
والذي نعرفُه عن الخرابيش ينافي ما وصفَهُ عرارٌ ، فهي إن خلتْ من الدماء فقد أُهْدِرَ في عرصاتها ما هو أغلى من الدماء ( ؟ ) ، وبين الخرابيش يضربُ الحرصُ جِرانَهُ ولُعابَهُ على الدرهم والفلس ...
 
فلا أدري ما الذي دفعَ بالشاعر عرار الى هذه الحيدة عن الوصف الحقيقي لساكني الخرابيش ؟!