فلسطين بدون الصهاينة


الكاتب : د. عمر جعوان
كلما حاولت التعرف على العلاقة بين الصهيونية العالمية واقامة اسرائيل اتوه بين وجهات نظر لها اول وليس لها اخر ، هي كثيرة ومراجع معلوماتها محدودة ،  الا ان هناك اجماع بين معظم الباحثين حيث يبدأون من عند هيرتزل والمؤتمرالصهيوني الاول في بازل في نهاية القرن التاسع عشر ، والكل يجمع على ان ذلك المؤتمر هو مؤتمر صهيوني وليس مؤتمرا يهوديا، فهدفه كان يهود العالم لاسباب حزبية تنظيمية في ذلك الوقت ولم يكن هدفه اعادة تنشيط العمل بالديانه اليهودية واسترجاع او احياء تعاليم التوراة .
 
والدليل على ان الهدف كان استغلال وضع اليهود في العالم ذلك الوقت لتحقيق مارب محددة هو اسباب انعقاد المؤتمرات الصهيونية المتعاقية خصوصا المؤتمرالثاني بعد عام واحد من انعقاد المؤتمر الصهيوني الاول وفي نفس المكان وتحت نفس الزعامة .. 
انعقد المؤتمر الصهيوني الاول في بازل بسويسرا في أغسطس عام1897برئاسة تيودور هرتزل الذي حدد في خطاب الافتتاح أن هدف المؤتمر هو وضع حجر الأساس لوطن قومي لليهود، دون الحديث ولو بكلمة عن الديانة اليهودية . وكان مزمعاً عقد ذلك المؤتمر في ميونيخ، بيد أن المعارضة الشديدة من قبَل التجمُّع اليهودي هناك والحاخامية في ميونيخ حالت دون ذلك.
 
وقبل ان يقطفوا ثمار ذلك المؤتمر انعقد المؤتمر الثاني بعد عام بالتمام والكمال وفي نفس الموقع وتحت نفس القيادة، وكان ذلك في بازل في أغسطس 1898عام برئاسة تيودور هرتزل ايضا. وكان ذلك لسببين جوهريين : 
 
السبب الاول كان بقصد التركيز على ضرورة تنمية النزعة الصهيونية لدى اليهودبعد ان تاكدوا من ضعفها ... وبالتالي فان انعقاد المؤتمر لهذا السبب  دليل واضح على ان اليهودية شيء والصهيونية شيء اخر ، وان الغرض هو صهينة اليهود اي جعل اليهود صهاينة وليس العكس .. 
 
والسبب الثاني كان ان أعلنت معظم قيادات الجماعات اليهودية في أوربا الغربية عن معارضتهم للحل الصهيوني للمسألة اليهودية ، فكانت أهم أساليب القيادة الصهيونية لمواجهة هذه المعارضة هي التركيز على ظاهرة معاداة اليهود التي ازدادت تاججا في اوروبا ...
 
وقد تمت في ذلك المؤتمر محاولة مستميته للحصول على تاييد اليهود للنزعة الصهيونية من خلال ما اثاره ماكس نوردو في تقريرة أمام المؤتمر عن مسألة دريفوس باعتبارها نموذجاً لظاهرة كراهية اليهود (قضية دريفوس قي قضية صراع اجتماعي وسياسي حدثت في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة في نهاية القرن التاسع عشر حيث اتهم النقيب دريفوس في نهاية 1894 بأنه أرسل ملفات فرنسية سرية إلى ألمانيا. وقد أثبتت بعد ذلك براءة هذا النقيب. وكان المجتمع الفرنسي في ذلك الوقت يكن كراهية للسامية وللامبراطورية الألمانية بعد ضم الزاسولورين إليها عام 1871.
 
حاول ماكس نوردو في كلمته في المؤتمر دعم فكرة الوطن القومي من خلال الربط بين تعرُّض اليهود الدائم للاضطهاد في أوربا الغربية وفي ظل النظم الليبرالية ، وحال المستوطنين الزراعيين الذين انتقلوا للاستيطان في فلسطين ذلك الوقت ، ومن هنا لجأت قيادة المؤتمر إلى تنمية روح التعصب الجماعي والتضامن مع المستوطنين اليهود في فلسطين بالمبالغة في تصوير سوء أحوالهم.
 
ومن الصدف العجيبة ان ظهرت الماركسية الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي وفي نفس توقيتات المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة ، فقد خرج كارل ماركس  بآرائه التي تعد حجر الزاوية في المبادئ الشيوعية، وقد بسطها في كتابه (رأس المال) في تلك الحقبة . وقد شاركه في صياغة أفكاره ونظرياته وتابع ذلك من بعده - صديقه الألماني فريدريك إنجـلز. وقد اندفع الرجلان بقوة لنشر الشيوعية. وفي مطالع القرن العشرين أضاف لينين إلى آراء ماركس تعاليم جديدة، وجمع حوله شباب الروس والعمال الفقراء مكوناً منهم الحزب الشيوعي الروسي.
 
وقد يكون لمعرفة مؤسس الشيوعية الحديثة - كارل ماركس (اثر ولو من بعيد لفهم توجهات الحركة الصهيونية سواء بالاقتباس او الانتماء ، فمؤسس الشيوعية الحديثة، والرجل الأول فيها هو كارل هنريك ماركس، فالعالم يعرفه بأنه أبو الشيوعية، وأنها إليه تنسب، فيقال: الشيوعية الماركسية. 
 
وعلى ذمة بعض المؤرخين فان كارل ماركس كان حبرا يهوديا، جده هو الحاخام اليهودي الكبير (مردخاي)، بل إن أجداده من جهة أمه يهود، كما أنه ولد في حي اليهود المسمى (غيثو). ولقب أسرته الحقيقي (لاوي) أو (ليفي) واللاويون من بني إسرائيل ينتسبون إلى لاوي بن يعقوب - عليه السلام - ؛ فماركس - إذاً - يهودي بالتعاريف التلمودية لليهود.
 
كما يدعي بعض المؤرخين ان قادة الحركة الصهيونية كانوا من الماركسيين ..!
 
 فاذا كان الوضع كذلك جاز الربط بين توجهات الحركة الصهيونية خصوصا في تركيزها على اضطهاد العمال – اليهود - وسلب حقوقهم والافكار الماركسية اللينينية.
 
ان سبب انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني قديما وعزوف الكثير من اليهود هذه الايام عن الالتحاق بالخدمة العسكرية الاسرائيلية كان سببه التباين العقائدي بين الدولة الحالية والدولة التوراتية ، ودعم بعض المتدينين اليهود لحق الفلسطينيين في فلسطين يساهم في تاكيد المفهوم الذي يقول بان دولة اسرائيل الصهيونية هي عدوة للفكر التوراتي حتى لو ادعت بانها تمثله ، ولعل هذا ما يدل عليه استماتة حكام اسرائيل لان يقوم العالم بالاعتراف باسرائيل دولة لليهود مع ان الاجدر هو ان يقنعوا اليهود بان دولة اسرائيل هي دولتهم .
 
يقول بعض الدارسين ان 70% من مواطني دولة اسرائيل يحملون جنسية اخرى بالاضافة الى جنسيتهم وان سوء الاحوال الامنية والمعيشية يجعل من اجيالهم الحديثة كما يقول المثل العامي ( رجل جوه ورجل بره ) اي انهم قد يرحلون طواعية وتصبح فلسطين بدون صهاينه والله اعلم.