عود على إقامة مناطق آمنة في سوريا

عود على إقامة مناطق آمنة في سوريا
الكاتب : محمد حطيني

يتعين قبل الخوض في كل التفاصيل المتعلقة بالمناطق الآمنة ومتطلباتها واحتياجاتها، بيان ماهية هذه المناطق والفئات التي يمكن لها العيش فيها؟  المنطقة الآمنة، هي المنطقة العصية على دخول طرف عدو إليها بغية الإقامة فيها أو الهجوم عليها أو اعتقال أي ممن يقيموا فيها، وهي اختصارا المنطقة الخارجة عن سيطرة نظام أو جماعة أو جيش أو فئة وتتحكم فيها قواعد وقوى دولية، وتحتاج إلى كثير من العناصر التي يجب أخذها في الاعتبار قبل الشروع في إقامتها وأولها المكان المناسب في طبيعته للإقامة لأنه لن يكون بالدرجة الأولى مخيما أو مدينة وإنما بين هذا وذاك، وتتوفر فيه كافة الخدمات التي يحتاجها المقيمون فيها من تعليم وصحة وعمل وغير ذلك مما يلح من الأمور.  وتبرز هنا الحالة السورية التي استند إليها الرئيس الأمريكي في الدعوة إلى إقامة مناطق آمنة للسوريين الذين تشردوا من بيوتهم نتيجة الحرب الدائرة هناك وتشارك فيها قوات وأطياف وطوائف متعددة من جنسيات مختلفة ودول عديدة أيضا.

 
المنطقة الآمنة في حالة إقامتها لا بد كما ذكرنا من توفر العناصر اللازمة التي يستند إليها في إقامة هذه المناطق، وأولها طبيعة المكان الذي ينبغي أن يكون صالحة للسكن والإقامة والتنقل، وإقامة بنية تحتية ينطلق منها في توفير الاحتياجات الخدمية التي يحتاجها الإنسان من سكن، وصحة، وتعليم، وصرف صحي، وعمل، وغير ذلك.
 
العامل الأمني من أكثر العوامل أهمية في إقامة المناطق الآمنة، وإلا لما سميت بهذا الاسم حتى يأمن المقيم في المنطقة على نفسه وأهله وماله.  الحالة السورية حالة معقدة، ذلك أن اختيار الأشخاص الذين سيقيمون في هذه المناطق بالرغم من أنه سيخضع بالتأكيد لمسح أمني صارم تقوم به القوى المشرفة على المنطقة، إلا أن ذلك ربما لن يحول دون اختراقها من قبل عناصر تنتمي إلى واحدة من القوى المختلفة اللاعبة على الساحة السورية، بما فيها قوات النظام، وداعش والمعارضة نفسها، والنصرة وغيرها، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث هجمات أو تفجيرات ربما تقلب رأسا على عقب الغرض الذي وجدت من أجله هذه المناطق، ما يتعين على القوى التي ستشرف عليها توفير معايير أمنية صارمة حفاظا على حياة المقيمين في هذه المناطق.
 
نقول ذلك بالرغم من أن التقنية العسكرية الحديثة أوجدت القدرة على القيام بأعمال هجومية على هدف معين من مسافات بعيدة باستخدام الصواريخ مثلا أو مدافع الهاون أو الطائرات الحربية، ما يحتم توفير مراقبة جوية دائمة للمناطق المحيطة بالمناطق الآمنة، وتوفير قوات حماية دائمة لها من جميع الجهات درئا لأية هجمات عليها والتي لن تقوم بها الأطراف المعارضة لها إلا للعمل على هدمها وتقويضها، وإظهار عجز القائمين عليها من حمايتها، مما قد يؤدي بالتالي إلى هجرة متجددة من هذه المناطق لمن قد يقوم أقام فيها لفترة من الزمن.
 
المناطق الآمنة، فكر إيجابي سليم، فمن خلالها يعود من تشرد من الشعب إلى وطنه، انتظارا لحل دائم، يتمكن من خلاله من العودة من جديد إلى حيثمدينته أو قريته أو أرضهومنزله لينفض عنه غبار التشردباحثا عن الأمن والاستقرار الذي افتقده وعائلته ليحيا بما تبقى له من عمر في أمن وأمان وسلام.  هذه المناطق في حالة تنفيذها، ستؤدي بالتأكيد إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية والأمنية  التي تحملتها الدول المجاورة للدولة السورية مثل الأردن ولبنان، وعلى البنية التحتية فيها، بما في ذلك السكن، وارتفاع الأسعار، والصحة والتعليم، وفرص العمل.
 
لكن إقامة المناطق الآمنة المشار إليها يحتاج إلى موارد مالية وميزانيات ضخمة ومصاريف شهرية كبيرة، وهو ما يطرح السؤال عن الجهة التي ستتحمل تكاليف إنشاء هذه المناطق، والمصاريف المترتبة على إنشائها من حيث الخدمات التي تمت الإشارة إليها، ثم من هي الجهة التي ستكون مسئولة مسئولية مباشرة عنها في ظل التداخل في القوى على الأرض السورية؟ هل صاحبة الفكرة، أمريكا هي من سيتولى ذلك؟  هل توافق روسيا على هذا الدور الأمريكي الجديد بعد كل ما قدمته للنظام من أسباب البقاء، ومنع سقوطه ومساعدته في السيطرة من جديد على مدينة حلب، ثم ماذا عن إيران وماذا عن تركيا، ثم أين ستتم إقامة المناطق الآمنة، في الشمال السوري أم الجنوب السوري؟
 
أسئلة كثيرة تطرح في سياق إقامة هذه المناطق، ولكن الحل، يكون في توافق دولي عليها، يوفر للشعب السوري الذي عانى ويعاني الويلات أسباب العودة إلى حضن وطنه، ولم شمله، وتوفير الإمكانات اللازمة له ليبني وطنه وأرضه من جديد في ظل حل سياسي يُفَصل على قدر التضحيات التي قدمها خلال السنوات الستة الماضية لينعم بالحرية والحياة الكريمة التي ينشد.