أول فضيحة في البيت الأبيض في عهد ترامب - محمد كريشان

أول فضيحة في البيت الأبيض في عهد ترامب - محمد كريشان

 ها هو»الرجل الناري»، كما يوصف، يشعل أول حريق داخل البيت الأبيض نفسه في عهد ترامب.

 

لم يمض بعد شهر واحد على تولي الإدارة الأمريكية الجديدة مقاليد الأمور حتى اضطر مايكل فلين مستشار الأمن القومي إلى الإستقالة بسبب مضمون مكالمة هاتفية أجراها، قبل تولي منصبه رسميا، مع السفير الروسي في الولايات المتحدة تطرق فيها لعقوبات بلاده على روسيا وترك فيها انطباعا باحتمال رفعها لاحقا لكنه أخفى كل ذلك.
 
في البداية نفى هذا الجنرال المتقاعد أن يكون تطرق إلى هذا الموضوع مع السفير الروسي سيرغي كيسلياك، وهوما تبناه نائب الرئيس مايكل بينس ودافع عنه، ثم قال بعد ذلك إنه لا يذكر تماما إن كان فعل، قبل أن يضطر إلى الاستقالة تجنبا لعزله بعد أن نشرت وسائل إعلام أمريكية عديدة أنه في الحقيقة ضلل قيادييه بزعمه ذاك. فيلن في فضيحته هذه ارتكب خطيئتين، الأولى أن القانون الأمريكي يمنع المواطن العاديين غير المتولين لمناصب رسمية من القيام بمهام في خلافات دبلوماسية لبلادهم مع دول أجنبية، وثانيا أنه تطرق فعلا للعقوبات التي فرضتها إدارة أوباما على موسكو بسبب تدخلها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بل ونصح السفير الروسي بعدم الرد عليها انتظارا لأيام أفضل بقدوم ترامب، وفق ما سربه مسؤولون أمنيون عن مضمون مكالمته التي جرى التنصت عليها طبعا.
 
الرجل اعترف أخيرا، ضمنيا وعلى استحياء، بصحة ما وجه إليه قائلا إنه قدم «معلومات منقوصة» عن المكالمة إياها لنائب الرئيس وكبار المسؤولين الأمنيين، وذلك بعد أن كانت وزارة العدل الأمريكية حذرت البيت الأبيض أواخر الشهر الماضي أن هذه الاتصالات لفلين مع الروس قد تجعله عرضة للابتزاز لاحقا، على أساس أن الروس إذا ما طلبوا منه خدمة ما ولم يؤدها ساوموه بكشف مضمون المكالمة التي حاول هو إخفاءها. زاد من ذلك تصريح ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئاسة الروسية أن المكالمة لم تتطرق إلى هذا الموضوع مع أنه كان الأبرز فيها. كما أن الإعلام لم يتردد في مزيد توجيه اللكمات للرجل من خلال القول إن زيارة له إلى موسكوعام 2015 قد يكون تلقى خلالها أموالا وحظي فيه بالجلوس إلى جانب الرئيس بوتين في مناسبة احتفالية في تجاوز لما درج عليه كبار القادة العسكريين بعد تقاعدهم. 
 
وفي خضم هذه الفضيحة التي تنجلي تفاصيلها باستمرار، بدأت تصريحات لمسؤولين أمنيين كبار تفيد بأن القضية لن تقف عند هذا الحد، فقد نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن بعض هؤلاء أن هذا الملف لن يغلق هكذا، متسائلين إن كان هناك من شخص آخر في البيت الأبيض يمكن أن يشكل حاليا أولاحقا تهديدا للأمن القومي الأمريكي. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد كشفت هذه الفضيحة النقاب عن معضلتين كبيرتين داخل البيت الأبيض وفق ما كتبته الصحف الأمريكية وسلطت عليه الضوء معظم النقاشات التلفزيونية في البرامج الحوارية الكبرى.
 
الأولى حالة الفوضى التي تعم الفريق العامل في البيت الأبيض، فبعد ساعة واحدة فقط من تصريح لمستشارة الرئيس ترامب تقول فيه إن فلين يحظى بـ»الثقة المطلقة» للرئيس خرج المتحدث باسم البيت الأبيض ليقول إن «الرئيس يجري تقييما للوضع» بما فهم منه قرب إعفاء فلين الذي سارع للاستقالة.
 
هذا الوضع جعل صحيفة «واشنطن بوست» تختار هذا العنوان لإحدى مقالات الرأي فيها: الاضطراب هو قاعدة الإجراءات المعمول بها حاليا في البيت الأبيض!!
 
الثانية كفاءة وأهلية الفريق الذي اختاره ترامب ليكون قريبا منه وناصحا في كل كبيرة وصغيرة، إلى درجة أن مايكل غرسون أحد المعلقين في «واشنطن بوست» كتب تحت عنوان «لا أحد مسؤولا في البيت الأبيض» أن «الرئيس يواجه تحديات عجيبة في تعقيداتها لا بد من توجيهها في الوقت المناسب (..) فهل الرئيس قادر على التحرك بسرعة معتمدا على أفضل معلومة وأفضل استشارة؟ صمت؟». 
 
الأكيد أن المستريحين من ذهاب مايكل فلين، الموصوف بالتشدد، ليسوا قلة، لعل أولهم إيران التي سبق أن وصفها الرجل بأنها «أكبر دولة داعمة للإرهاب في العالم» وربما كذلك جماعة «الإخوان المسلمين» الذي كان صاحب كتاب « ساحة القتال، كيف نكسب الحرب العالمية ضد الإسلام الراديكالي وحلفائه» من أشد المتحمسين لإدراجها على لائحة المنظمات الإرهابية. لكن على هؤلاء وغيرهم ألا يغتروا بهذا الرحيل فالأرجح ألا يغير كثيرا من التوجهات الأساسية للإدارة الأمريكية الجديدة. 
 
أقل من شهر واحد واجهت فيه إدارة ترامب هزتين كبيرتين الأولى القرار التنفيذي للرئيس بمنع دخول مواطني سبع دول والذي يعاند فيه الآن القضاء لإعادة فرضه، والثانية هذه الفضيحة داخل البيت الأبيض نفسه وفي مسألة تتعلق بالأمن القومي ومع روسيا تحديدا التي يلف علاقتها بالرئيس نفسه أكثر من سؤال محير. كلاهما ضربا هيبة الرجل المنتفخ خيلاء… ضربتان على الرأس «تدوش».
 
٭ كاتب وإعلامي تونسي