تفكيك المجتمعات العربية‎

تفكيك المجتمعات العربية‎
الكاتب : صابر العبادي

 لن أكتب من وجهة نظر مجموعة انتصرت في الانتخابات حديثا، بما تحمل من رضى لأنها أخذت ما تريد، ولن أكتب كذلك من وجهة نظر مجموعة لم تستطع الانتصار في الانتخابات بما تحمل من خيبة، وحنق على كل شيء وأولها النظام الذي اختار هذا المسار.

كما قلت في أكثر من مناسبة وخاصة في الانتخابات الأخيرة، إن الناجحين في أي انتخابات لا يمثلون الغالبية، لاعتبارات كثيرة أولها أعداد المترشحين الكبيرة، حتى أني أحصيت نسبة الناجحين والراسبين في الانتخابات الأخيرة فكانت 9.9 نسبة الناجحين، و 90.1% عدد الراسبين على مستوى المملكة، وهذا يعني أن الذين قرروا هم 10% من مجموع الذين يحق لهم التصويت، على افتراض أنهم جميعا شاركوا في العملية الانتخابية، والواقع حسب الهيئة المستقلة أن الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات 7ر31  يعني أقل من الثلث، يعني 10% من عدد المصوتين يساوي تقريبا 3% فقط.. المعنى ما دام أن هناك فئة كبيرة في المجتمع تتعدى الثلاثة أرباع غير مهتمة بالانتخابات، والباقي مقصور عليها قصرا بحكم عدم تفعيل القانون وشعور بعض الفئات في المجتمع بالظلم، مما يجعلهم فريسة لأصحاب الطموح لشراء المناصب، واستخدام حق الشعب في خدمات مؤسساته، للتسيد عليهم وامتهانهم وحرمانهم من حقوقهم أحيانا!!.
 
هذا من ناحية، أما الناحية الأخطر، هي أن المجتمعات العربية، من حيث تكوينها لا تقبل بسهولة أن تُغلب من فئة قريبة منها، وخاصة إذا كانت قريبة كثيرا، ثم هي ترفض التسيد عليها رغما عنها، وأعتقد أن الإنجليز فهموا ذلك منها، وجعلوا التمزق والتسيد عليهم وامتهانهم هو خيارهم وليس خيار الإنجليز بطريقة الانجليز المعهودة، وعندما اطمأنت الى قبولهم بكل ذلك التشرذم الذي أوهموا أنهم هم الذين اختاروه، أدخلت عليهم الدولة الانتخابات فتلقفها مغامرو المناصب، وجرّوا وراءهم مجتمعاتهم، إن بالتجييش أو باستخدام حاجات الناس المهملة من الدولة، أضف اليها المصالح، فساطوها سوط ابليس حتى تفككت وعادت متفرقة لا ينظر أحدها الى الآخر الا بعين الريبة والحقد، ولا تنظر فئات المجتمع الى بعضها، إلا كعدو يسعى للانقضاض على كينونتها ويستهدف بقاءها.
 
ما أريد أن أقوله أن البيئة العربية الحالية مع وجود أنظمة غير ديمقراطية، لا تصلح لهذا النمط من الحكم، لأن أي نظام مُجتزأ لا يصلح! ولأن استخدام الديموقراطية على الفئات الدنيا ومنع استخدامها على الفئات العليا التي هي فعليا من يحكم ويتصرف بأمور الناس، يجعل الانتخابات في هذا الواقع شكلية وليست حقيقية، تستهدف الدولة منها تفكيك المجتمعات وإشغالها ببعضها، ويبقى التخلف، ويتسيد الاستبداد، وهذا ليس في صالح المجتمات، إذا كانت تسعى لبناء دولة قوية خالية من الفساد، تنهض بهم وتضعهم على السكة، بدل التمرغ في التراب الذي يتكرس يوما بعد يوم.