الصدمة

 الصدمة
الكاتب : د. منصور محمد هزايمه
(1)
 
يحكى أن رجلا كان يصعد جبلا، وكانت تطيرأمامه فراشة، وكلما صعد خطوة سبقته بخطوتين، وعندما وصل إلى أعلى الجبل، تخلّت الفراشة عن صحبته، ودخلت القصر،ثم هبطت على خدِ طفلٍ صغيرٍ، ومن شدة صدمة الطفل الذي لم يحصل معه مثل ذلك من قبل، فقد النطقومات، ولمّا كان الطفل هو الأمير الصغير ولي العهد، فقد انتقلت ولاية العهد من فرعٍ في العائلة الحاكمة إلى فرعٍ أخر، وآلت ولاية العهد إلى أميرة عجوز في أرذلالعمر.
(2)
جاءه الخبر أن أولاده الستة ماتوا، وأن النار جاءت على كل مصانعه، وأن تجارته قد توقفت،ذهل لهول الصدمة، ولشدة حزنه فقد النطق والحركة، لامس الهلاك الّا قليلا، وبعد أيام جاءته الأخبار، أن أولاده لم يموتوا،لأنهم قرروا السفر قبل أيام، وأن الأخبار كانت كاذبة، وأن مصانعه لم تصب بأذى، وأن تجارته كما هي لم تتضرر، فكانت الصدمة أشدّ هذه المرة فمات.
 
 
(3)
شكا الأدباء والكتاب من الرقابة المسلطة على أقلامهم ورقابهم،فاجتمعوا وأجمعواإيصال همومهم إلى الزعيم،مهما حصل، قابلواأحد مستشاريه، كلمّوه عما يواجهوا من متاعب، فاستمع اليهم، ووعدهم بأنهسوف ينقل رسالتهم إلى الزعيم،وأنه واثق من تفهمه،لأنهمن محبي الحرية والديمقراطية،فكانت الصدمةأولاًبموافقة الزعيم سريعا على اللقاء، وفيه طرحوا ما عندهم من أن الرقابة أرهقتهم، وكثيرا ما شوّهت عملهم، خاصة أن الرقيب من العسكر الذي لا يفقهون شيئا بعملهم،ابتسم الزعيم وقال: هل حقاتريدون حذف الرقابة ؟حسناً نتركها لتقديركم! ما رأيكم؟ سكتوا وتبادلوا النظرات،أحسّوا أنهم أمام فخ منصوب لهم بإحكام،ونشقوا رائحة الغدر تفوح من كلمات الزعيم،والخبث يغلف ابتسامته،فالرقابة الذاتية تعني أنه سيكون هناك في كل يوم ضحية؛مفصولٌ أو مسجون،كم كانت صدمة المستشار كبيرة!،هاهم يرجون الزعيم أن يتفضل عليهم بسيف الرقابة، وفي صباح اليوم التالي صدرت الصحف كلهابالبنط العريضتشيد بديمقراطية الزعيم.
 
(4)
مسكينة تلك الفتاة،كانت تثير الشفقة حقا،فكلما قرأت له شيئا طلع لها من بين السطور والكلمات،كلماته ليس كالكلمات،تتخيلهمن عالم أخر، مختلفا عن كل البشر في لبسه أو أكله أو كلامه،ولأنها تعيش معه في نفس المدينة، كانت تذهب أحيانا وتجلس طويلا قرب بيته، تتصور حياته مبهرةمثلما يرص حروفه، فلا تحس بأحد من حولها، لا تريد أن ترى غيره، سمعت الزوجة بقصة الفتاة،وأشفقت عليها،فاستدعتها إلى البيت ،سألت الفتاة عن حياة الكاتب الكبير، أجابتها الزوجة عن كل شيءبالتفصيل، قالت لها أنه صارم جدا في مواعيده، وفي كل ما يقوم به، ولا يحب الضوضاء،ويأتي الحلاق يوميا ليرتب شعره، ويهذب لحيته، ويشرب قهوته في نفس الموعد، وبعد ساعة يتناول افطاره،ويكتبفي ظل موسيقى تملأ المكان،ثم عرضت الزوجة عليها أن تشاركهما يوما في حياة الكاتب الكبير،فوافقت بفرح شديد، فقالت لها وحتى لا نلفت الانتباه ستقومين بدور الخادمة الجديدة، واتفقتا أن يبدأ كل شيء في صباح اليوم التالي، كانت في المطبخ تتأمل الأشياء التي يستخدمها كاتبها،وتسرح بعيدا وتحضّر نفسها لأوللقاءبه، بعد قليل لمحته خارجاً من غرفة النوم،شعره منكوش، وملابسه بائسة، ويصرخ بأعلى صوت وأقذعالألفاظ على الخادمة، ويصيح على أبناءه بأقبح الصفات، والزوجة تهرع اليه بالمنشفة والصابون، وقد اعتادت على كل شيء، والفتاة المسكينة حضّرت القهوةوالإفطار،ثم جاءت تقدم له قهوته على استحياء، ليصيح بها من انتِ؟ومن قال لكِ أنني اطفح الأن؟ما هذا؟هل أنا أكل هذه الأشياء؟ صحيت الفتاة منالصدمة في المستشفى وإلى جانبها الزوجة، سألتها: ما رأيك بحياة كاتبنا؟ردت: أعانكم الله، وأقسمت بأن لا تقرأ له بعد اليوم.
 
 
(5)
كان العريف أحمد يعمل سائقا مع القائد، وكان الكثير من أبناء قريته يغبطونه على عمله، فكثيرا ما طلبوا منه أن يتوسط لهم في كثير من الأمور، لكنّأحمد خجوليعدهم ولا يفيبوعده لهم، فهو يدرك تماما مشاغل القائد، امّااليوم في ظل الحرب(أي حرب؛ يا للغباء!) فقد سيطر على الناس في القرية همٌّ واحدٌ: متى تنتهي هذه الحرب يا عريف احمد؟ وعندما يجيبهم بأنه لا يعرف يلومونه،فهو سائق القائد، وشجّعوه على سؤال قائده، وفي أحد الأيام طلب منه القائد التوجه الى الشاطئ، وسرعان ما تمدد على الرمل، يأخذ قسطا من الراحة، عندها تذكر العريف أحمد سؤال أبناء قريته، تقدم ببطء نحو القائد، وقبل أن يهم بالسؤال،أحس القائد بخطواتِ تقترب منه، رفع رأسه فجأة ليسأل:متى تنتهي هذه الحرب المجنونة يا عريف أحمد؟ شعر أحمد بالصدمة وقال: سيدي كنت أنوي أن أوجّه لك السؤال نفسه حالاًفأنت القائد لا أنا؟ رد القائد:في الحرب يا أحمد لا فرق بيني وبينك فالسياسيون يشعلون الحروب والعسكريون يصطلون بنارها!!!
الدوحة - قطر