الاقتصاد الأردني: تعزيز الإيرادات الضريبية مقابل خسارة أكبر.

الاقتصاد الأردني: تعزيز الإيرادات الضريبية مقابل خسارة أكبر.
الكاتب : د. حسين البناء

من الممكن أن يتفهم المرء ذلك الاستعجال في تطبيق خطة "الإصلاح" الاقتصادي الأخيرة من طرف الحكومة الأردنية تحت ذريعة (الإلحاح) وضرورة التسريع في مراحل التنفيذ تماشيا مع توصيات (البنك الدولي) وذلك نظرا للمستويات الخطيرة التي وصلت لها المؤشرات العامة للاقتصاد الأردني و من أبرزها حجم ونسبة الدين العام، و قيمة العجز المتراكم للموازنة العامة.

 
تمر الخطة الإصلاحية للاقتصاد في ثلاث مراحل على ثلاث سنوات، المرحلة الأولى تمت في عام 2017 والثانية هذا العام و نهاية الخطة مع بدايات العام القادم 2019، حيث يؤمل تعزيز الإيرادات الضريبية بما قيمته (نصف المليار دينار) في كل عام؛ بحيث يعمل ذلك على وقف تراكم عجز الموازنة العامة والذي كان يتم تغطيته بالاقتراض سنة بعد سنة، مم أدى لنمو مضطرد لحجم الدين العام لمستويات قياسية خطرة من شأنها التأثير على القدرة على السداد وبالتالي (التصنيف الائتماني) للدولة و زيادة المخاطرة التي سوف تنعكس على سعر الفائدة على الإقراض للدول متدنية التصنيف.
 
إذا نظرنا لعملية الإصلاح الاقتصادي تلك على أنها ذات توجه (قريب الأجل) فمن الممكن الحكم عليها بالنجاح؛ لكن على المدى المتوسط فإنه من باب المؤكد بأن جملة التبعات السلبية على الاقتصاد سوف تؤكد فشل تلك الخطة، حيث أن الحكومة تكون قد تورطت في (تعزيز ضريبي) وليس (إصلاح اقتصادي).
 
لا بد لنا من فهم كيف أن (رفع النسب الضريبية) و (توسيع شريحة المكلفين) و (توسيع مضلة السلع والخدمات المشمولة بالضرائب بدلا عن الإعفاءات) كل ذلك من شأنه التأثير سلبا على الأداء الاقتصادي وحتى الضريبي فيما بعد، كالآتي:-
 
أولا: الاستثمار: في ضوء ثبات العوامل الأخرى التي بدورها لا تحفز على استقطاب الاستثمار؛ فإن عاملا حاسما سلبيا دخل على الخط ومن شأنه تقليل مدى جاذبية الاستثمار، ألا وهو (الضريبة) حيث يعلم الجميع بأن الضريبة هي كلفة على الاستثمار لأنها تقتطع من الدخل الخاضع، وكلما زادت الضرائب قلت نسبة وقيمة الدخل الصافي للشركات، مم يعني ربحا أقل وجاذبية أقل للاستثمار مقارنة بإعفاءات ضريبية كحوافز استثمار.
 
ثانيا: القوة الشرائية: من الطبيعي أن تتآكل القوى الشرائية للمستهلكين نظرا لأن جزءا من دخولهم قد توجهت لدفع كلف جديدة ركبت على الأسعار للسلع والخدمات على هيئة ضرائب، أي أن المستهلك سوف يشتري سلة أقل من السلع والخدمات مقارنة مع الحال قبل رفع الضرائب، وبالتالي فإن حجم مبيعات الشركات من السلع والخدمات سوف تتراجع، مم يعني تراجع أرباح الشركات، مم يؤدي لتراجع مقدار ضريبة الدخل و ضريبة المبيعات معا.
أما من زاوية الطلب ففي ظل رفع الأسعار بسبب تحملها للضرائب؛ فإن قانون الطلب ينص على تراجع الطلب العام، مم يعني ركودا اقتصاديا بكامل تبعاته السلبية على الاستثمار و العوائد الضريبية للدولة و كذلك حجم النشاط الاقتصادي و تحقيق أرباح للشركات.
 
ثالثا: التضخم و الأسعار: عندما يتم فرض أي ضريبة يقوم رجل الأعمال بحساب نسبة تحمله من العبء الضريبي و محاولة ترحيل الجزء الأكبر من العبء على المستهلك على شكل رفع الأسعار. سلسلة رفع الأسعار لسلة السلع والخدمات هي التضخم بذاته، والتضخم بدوره يأكل قيمة المال، و من شأنه التأثير على حساب (سعر الفائدة الحقيقي) الأمر الذي يربك القطاع المالي والمصرفي نظرا لتسجيل خسائر في ظل نسبة تضخم تفوق نسبة الفائدة على القروض. كما أن النمو للدخل القومي سيتضخم شكليا لحين احتسابه بالأسعار الثابتة بعيدا عن الانتفاخ الشكلي من التضخم السعري.
 
 
خلاصة القول، أن الحكومة ربما نجحت في تحصيل عوائد ضريبية مجزية للموازنة العامة كمحاولة لسد العجز ووقف الاقتراض، هذا الإجراء صحيح على المدى القريب؛ لكن الدولة سوف تفقد ما يساوي أو يفوق تلك العوائد الضريبية على المدى البعيد بسبب التداعيات السلبية المذكورة لذلك الإجراء.
 
كان حري بالحكومة أن تضع سياسة جادة و فاعلة و حقيقية لتحفيز النمو عبر الاستثمار و رفع الطلب، وليس فرض ضرائب كابحة للنمو الاقتصادي.
 
بدون ثبات السياسات الاقتصادية، و مكافحة الفساد، وجدية الإصلاحات السياسية، وتعزيز الشفافية و المساءلة، فإن أي خطوة لن تؤتي ثمارها كاملة وبشكل حقيقي.
 
لقد أضاعت الدولة فرصة أن يتم تحويل (صندوق الاستثمار للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي مثلا) من مؤسسة تقاعدية ليكون أشبه بصندوق استثمار سيادي، لو تم إدارته بكفاءة و رؤية و شفافية بعيدا عن تدخلات ضارة طوال تلك العقود التي لم يكن يدفع فيها لأي متقاعد دينارا واحدا،كما فعلت اليابان مثلا، عوضا عن تحويله (لمجمع حل مشاكل) من هنا و هناك، ومحاولة ترقيع النتائج المتواضعة عن طريق تعديلات للأنظمة و القانون بهدف تعزيز إيراداته، ويجب أن يتنبه الجميع بأن (المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي) بحكم دورها و خطورة آثارها، هي الجدار الأخير لمضلة الأمن الاجتماعي والاقتصادي.