الاميرة الشاعرة الاندلسية ولادة بنت المستكفي

 الاميرة الشاعرة الاندلسية ولادة بنت المستكفي
الكاتب : د. أحمد عويدي العبادي
(ولدت في 994 – وتوفيت في مارس 26, 1091) 
 
غدت الاميرة ولادة أسطورة في قرطبة أكثر منها تاريخًا 
وهي صاحبة القول الشهير ان صحت الرواية حيث تختزلها في بيتين هما: 
أنا واللَه أصلح للمعالي              وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها
َأمكنُ عاشقي من صحن خدّي            وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها
وقالت عن نفسها 
وقالت هي عن نفسها:
إني وإن نظر الأنام لبهجتي       كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام فواحشا     ويصدهن عن الخنا الإسلام
  ولدت ولادة في عام 994، إبان العصر الذهبي للعرب في الأندلس. وكانت قرطبة، مسقط رأسها، عاصمة الأمويين تضم جامعة وقصورا فخيمة وحدائق غناء وعشرات الحمامات العامة. تزخر شوارعها بدكاكين الوراقين، والانارة بالليل وقلما تلقى فيها شخصا أميا. وكان الدارسون من مختلف البلدان الأوروبية يفدون إليها منبهرين بثراء المدينة وجمالها. وقد زارتها الشاعرة الألمانية هروسويثا في القرن العاشر فوصفتها بأنها «حلية العالم".
   نشأت الاميرة ولادة في أحضان العز والنعيم ولكن سنين مراهقتها شهدت أحداثا جساما. فقد ضرب الطاعون مدينة قرطبة في عام 1011. والدها هو أبو عبد الرحمن محمد المستكفي بالله (366 هـ - 416 هـ) الخليفة الحادي عشر للأندلس والحاكم الخامس عشر لها من سلالة الأمويين) (ولاّه أهل قرطبة الخلافة بعد مقتل المستظهر بالله في 3 ذي القعدة 414 , وظل خليفة لنحو عام ونصف أمضاها في إرضاء شهواته، إلى أن بلغته أنباء زحف جيش يحيى المعتلي بالله على قرطبة، حيث فقد العرش بعد ثورة عنيفة على يد المعتلي  في عام 1025فغادرها متخفيًا في زي امرأة في 25 ربيع الأول 416 هـ، ثم قتله بعض مرافقيه في رحلة فراره في 12 ربيع الآخر 416 هـ ظنًا منهم أنه يحمل مالاً) . 
    اما مؤرخ الأندلس ابن بسام (توفي عام 1147، صنف ابن بسام كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" والذي يعد من أهم المراجع الأدبية والحضارية في بلاد الأندلس.  وكان ذلك في سنة 502 هـ في أشبيليه حيث استقر وتفرغ للتأليف معتمدا في كسب عيشه على قلمه يكيل المديح لمن يجزيه عنه بالمال. وله عدة مصنفات اخرى منها: كتاب في شعر المعتمد بن عباد وكتاب في شعر ابن وهبون ورسالة عنوانها سلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر ومجموعة مختارة من شعر ابي بكر بن عمار (المصدر موسوعة إعلام الفكر الاسلامي)، 
  فيقول (ابن بسام) ان صالونها كان مفتوح الأبواب دائما لعلية القوم وصفوة الأدباء. وكما يقول المؤرخ ابن بشكوال (وهو القاسم خلف الأنصاري الخزرجي بن عبد الملك الأندلسي القرطبي قاضي ومؤرخ أندلسي ولد في 1101م وتوفي في 1183م/ 578هـ. عاش في قرطبة وتوفى فيها. له أكثر من خمسين مؤلفاً من أشهرها كتاب الصلة الذي جمع فيه تراجم لأعيان الأندلس مرتباً أسمائهم ترتيباً أبجدياً.) – اصطخبت الحياة السياسية من حولها الاميرة ولادة في قرطبة، ودخلت الاميرة في مباريات أدبية مع أدباء كثيرين وتفوقت عليهم.
   يقول لسان الدين بن الخطيب» (ويكنى أبا عبد الله، هو شاعر وكاتب وفقيه مالكي ومؤرخ وفيلسوف وطبيب وسياسي من الأندلس (ولد في لوشة، 25 رجب 713 هـ/1313م -فاس، 776 هـ/ 1374م)) وهو شاعر الأندلس ومؤرخها في كتابه الجامع «اللمحة البدرية في الأخبار النصرية»: 
«.. والأندلسيات جميلات فاتنات، موصوفات باعتدال السِّمن وتنعم الجسوم، واسترسال الشعور، ونقاء الثغور، وطيب الشذا، وخفة الحركات، ونبل الكلام، وحسن المجاورة، وقد بلغن من التفنن في الزينة، والتظاهر بين المصبغات، والتنافس في الذهبيات والديباجات، والتماجن في أشكال الحلى. إلى غاية بعيدة. فتبصرهن أيام الجمع كأنهن الأزهار المتفتحة في البطاح الكريمة تحت الأهوية المعتدلة!».
   وسبب ذلك أن حكام العرب والبربر شغفهم جمال فتيات أوروبا، وكان ملوك غرناطة يتزوجون بجاريات شقراوات، ذوات عيون زرقاوات، يتنافسن في اجتذاب رجال الفكر والسياسة والشعراء والفنانين، فكانت أمهات معظم أولئك الملوك من أصل أوروبي، ونالت المرأة هذه المكانة لأن القادة والمشاهير من أهل الأندلس كانوا يبالغون في كرمهن وتدليلهن ويسبغون عليهن كل صنوف الرعاية والعناية.
 وكانت الجاريات يتمتعن بثقافة واسعة بجانب الجمال والجاذبية، وهي ميزات بنات الأمراء والمشاهير وعلية القوم. وكانت «ولادة» من أشهرهن، الأميرة بنت الخليفة الأموي الأندلسي «محمد بن عبد الرحمن»، الملقب بـ «المستكفي بالله»، أحد أضعف حكام الأندلس في فترة انهيار العصر الأموي الذي قام على أنقاضه عصر الطوائف. ولدت «ولادة» عام 1001 للميلاد، وعاشت في غرناطة ثراء وبذخ الأميرات، وحباها الله بموهبة شعرية فذة،
كانت ولادة ابنة لمحمد الثالث وهو واحد من آخر الخلفاء الامويين في قرطبة. وقصة غرامها مع ابن زيدون تحتل في الأدب العربي مكانة كتلك التي تمثلها مسرحية شكسبير «روميو وجوليت» في الأدب الإنجليزي ((بالإنجليزية: Romeo and Juliet) من أعظم أعمال الكاتب الإنجليزي وليام شكسبير وتعتبر من الكلاسيكيات العالمية التي مثلت كثيراً في مسرحيات وأفلام قديماً وحديثاً وظهرت مترجمة في الكثير من لغات العالم، حتى أصبح أي شخص عاطفي أو مغرم يشار إليه باسم روميو وكذلك الحال بالنسبة لجولييت.) (شكسبير (تاريخ الميلاد غير معروف) تم تعميده 26 أبريل 1564, توفي في 23 أبريل 1616.
    امتازت الاميرة الشاعرة الاموية الاندلسية ولادة بالبلاغة والفصاحة، ومع ذلك لم يصلنا من آثارها سوى بضعة أبيات شعرية، ورسائل إلى ابن زيدون. لقد كانت من رواد الحركة النسوية في التاريخ قبل أن يشيع استخدام هذا الاسم. ويروى انها كانت تطرز أبياتا شعرية في ثيابها
أنا واللَه أصلح للمعالي وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها
َأمكنُ عاشقي من صحن خدّي وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها
   وفي عددها الصادر في مارس 2015، نشرت المجلة الشهرية البريطانية «التاريخ ال يومHistory Today» مقالا بقلم المؤرخة لي كوين Leigh Cuen عنوانها «شاعرة الحب» عن الشاعرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي محبوبة ابن زيدون وملهمته، وترد قصتهما في تاريخ الأدب العربي والاوروبي وفي رواية الكاتب المصري علي الجارم (توف عام 1949.)  «هاتف من الأندلس» ومسرحية الشاعر فاروق جويدة «الوزير العاشق» وغيرهما.
كانت ولادة التي عاشت في القرن الحادي عشر الميلادي – صاحبة صالون أدبي وسياسي، سبقت به بسبعة قرون تلك الصالونات التي كانت أديبات فرنسا وكواكبها الاجتماعية اللامعة يقمنها في القرن الثامن عشر وبعده.
 تقول المؤرخة لي كوين Leigh Cuen هي أن ولادة أثرت في الشعر الأوروبي خلال العصور الوسطى، خصوصا فيما يعرف بالحب الرفيع الذي شاع في بلاط الملوك والأمراء العرب   Courtly Love. ، وكان صالونها في قرطبة عاصمة الخلافة الأندلسية، وكانت تجتذب اليه الادباء والساسة– وكان منهم من يتنافسون على حبها ومحاولة امتلاك قلبها. وكانت تجمع بين صفات الشاعرة والأميرة وراعية الفنون والعاشقة والسلطانة.  
وتقول الصحافية الإسبانية ماتيلدا كابيلو: «لقد غدت ولادة أسطورة في قرطبة، أسطورة أكثر منها تاريخا. لقد سمعت بها من أبي في طفولتي، ولكني لم أعرف أنها كانت شخصا حقيقيا».
 وقد ذهب عدد من المؤرخين العرب والأجانب  إلى أن بعض آثار العصور الوسطى وعصر النهضة مثل قصة «تريستان وأيزولت»( رواية قصيرة من تأليف الألماني توماس مان، نُشرت للمرة الأولى في عام 1903)  و«حكايات كانتربري» (هي مجموعة قصص شعرية من تأليف جيفري تشوسر وبدأها (1387) ووافته المنية دون أن يتمها ) للشاعر الإنجليزي تشوسر(عاش في الـقرن 14 ما بين أعوام (1343 – 25 أكتوبر 1400) شاعر إنجليزي يُعدّ أبرز الشعراء الإنجليز في العصور الوسطى، قبل عهد شكسبير، ) ، و«الكوميديا الإلهية» لدانتي(Divina Commedia) وهي شعر ملحمي ألفه دانتي أليغييري ما بين 1308 حتى وفاته عام 1321. تعد الكوميديا الإلهية العمل الرئيس لدانتي وهي من أهم وأبرز الملحمات الشعرية في الأدب الإيطالي،) وأغلب أساطير الملك آرثر وبلاطه وفرسان المائدة المستديرة (الملك آرثر (بالإنجليزية: King Arthur) أحد أهم الرموز الميثولوجية/ أي الأساطير الشعبية، في بريطانيا العظمى حيث يمثل الملكية العادلة في الحرب والسلم، ويشكل الشخصية المحورية في دائرة الأساطير المعروفة باسم الحالة البريطانية)، إنما تدين هذه الروايات كلها لأديبات أندلسيات مثل الشاعرة المبدعة العاشقة الرقيقة ولادة بنت المستكفي. 
وفي (1977) ذهب جيمز مانسفيلد نيكولز إلى أن ولادة «وأخواتها من الشواعر» يمثلن الحلقة المفقودة بين الشعر العربي القديم وقصائد الرومانسيات الأوربية التي ظهرت في العصور الوسطى. غير أن المؤسسات الثقافية الأوروبية في القرون التالية قد جنحت إلى تجاهل تأثير كتابات النساء، خاصة النساء المسلمات.
    وكانت النساء – من مختلف طبقات المجتمع – يفدن على صالون الاميرة ولادة كي يتعلمن فنون القراءة والكتابة والموسيقى. وممن ربطتها بهم أواصر الصداقة ابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الأندلسي القرطبي [3] (30 رمضان 384 هـ / 7 نوفمبر 994م. قرطبة -28 شعبان 456 هـ / 15 اغسطس 1064م ولبة)، يعد من أكبر علماء الأندلس ومن أكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري،) وهو مؤلف كتاب «طوق الحمامة»، وكان معجبا بعقلها وأدبها، نصيرا للأمويين وإن كان يكره أباها – الخليفة القتيل – ويصفه بالسكير. وكتابات ابن حزم في فلسفة الحب و«الرقيب» و«الواشي» كلها قد دخلت في نسيج الأدب الإسباني والفرنسي فيما بعد كما دخلت اشعار وادبيات الاميرة ولادة بنت المستكفي.
. وفي قصر ولادة كان يلتقي النبلاء والإماء، المسلمون والمسيحيون واليهود، الرجال والنساء، دون تفرقة. وأغلب الظن أن ابن زيدون قد تعرف عليها حين بدأ يرتاد صالونها وكان وقتها شاعرا ناشئا لم تستطر شهرته بعد. وقد ألهمته ولادة أجمل قصائده مثل «إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا». وغيرها.
 وكما هو الشأن في قصة «روميو وجوليت» المأسوية، فقد كان ابن زيدون وولادة ينتميان إلى أسرتين متعاديتين. كان ابن زيدون قد ناصر أعداء الأمويين قبل مقتل أبي ولادة، ومن ثم اضطر الحبيبان إلى التلاقي سرا، تحت جنح الليل، وإلي تبادل الرسائل حين يكون ابن زيدون موفدا في مهام دبلوماسية بعيدا عن حبيبته. وكانت رسائلها إليه تشتمل على قصائد حب طويلة تردد صداها فيما بعد في شعر عصر النهضة.
قارنها بعض مؤرخي الأدب بالشاعرة الإغريقية سافو (صافو (باليونانية: Σαπφώ) شاعرة إغريقية ولدت في جزيرة لسبوس في بحر إيجة باليونان بين عامي 630 و612 قبل الميلاد وتوفيت عام 570 قبل الميلاد). وقد تغزل بها ابن زيدون قائلا إنها صيغت من مسك بينما سائر الناس من حمأ مسنون. وقصائده حافلة بالضراعة إليها والشكوى – شأن المحبين في كل زمان ومكان – من قسوتها عليه. ويقال إنه عشق جارية سوداء لها، مما ساءها وأنهى العلاقة بينهما. بل إنها وجهت إليه قصائد هجاء ساخرة ومهينة له.
ومع تصاعد الحركة النسوية أصدرت الشاعرة الإسبانية مجدالينا لاسلا في 2003 رواية عن ولادة. وأعدت الشاعرة السورية مرام المصري ديوانا شعريا ثنائي اللغة (بالعربية والفرنسية) عنوانه «عودة ولادة». واليوم يقوم في أحد أحياء قرطبة عمل نحتي، يمثل يدين تتلامسان في محبة ورفق، تكريما لذكرى ولادة وابن زيدون، عاشقي قرطبة اللذين غدت قصتهما أسطورة، وقد وقفت عنده في عام 2014 ومعي ابني د البشر وابنتي المهندسة عرين وزوجي ام البشر 
وكان لابن زيدون منافس خطير في حب ولادة هو ابن عبدوس وزير الخليفة (ابن زيدون هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي المعروف بـابن زيدون ولد في عام (394هـ/1003م في قرطبة – وتوفي في أول رجب 463 هـ/5 أبريل 1071 م)، وهو وزير وكاتب وشاعر أندلسي، عُرف بحبه لولادة بنت المستكفي. وحين بدأ ابن عبدوس يختلف إلى صالون ولادة، وازداد منها اقترابا، ثارت غيرة ابن زيدون، وكتب رسالة في ذم الوزير ابن عبدوس فرمى به هذا الأخير في السجن، خصوصا بعد أن زعم ابن زيدون أنه كان يتلهى بولادة ثم مجها حين ملها. وتمكن ابن زيدون فيما بعد من الفرار من سجنه ومغادرة قرطبة. وفي هذه الفترة كتب خير شعره الذي ينضح شوقا إلى محبوبته، وشكوى من الأقدار التي فصلت بينهما، وفي طليعته قصيدته النونية التي دخلت ديوان الشعر العربي.
عاشت ولادة حتى سن المائة تقريبا، ولم تتزوج قط. توفيت في عام 1091 في نفس اليوم الذي غزا فيه الموحدون قرطبة. وكان موتها إيذانا بغروب شمس الأدب في تلك المدينة الزاهرة.
توارى اسم ولادة في التاريخ الأدبي على حين علا نجم ابن زيدون. ولكن مجموعة من الشواعر الإسبانيات في ثمانينات القرن العشرين الميلادي شرعن ينشرن قصائدهن في مجلة اسمها «ولادة». وبذلك عادت إلى الأذهان ذكرى المرأة التي سحرت أدباء عصرها وساسته.
   كان قصر «ولاَّدة» قبلة الأدباء والشعراء والكتاب، تستقبلهم كل ليلة ويلتفون حولها كدرّة متألقة، وتشارك في المساجلات الشعرية والمناقشات، ويجمع هذا اللقاء الرقص والموسيقى والغناء، وكانت أيضا تجيد الغناء، وتستمتع بسيطرتها العاطفية على الجميع، ما دفع بعض المتطرفين إلى تصويرها وكأنها إحدى فتيات الهوى والمتعة ودسُّوا عليها بعض النصوص التي تثار حول الفاتنات الغانيات عبر التاريخ، 
    غير أن عديد من الباحثين وصفوها بالعفة والطهارة، وصانوها عن الإسفاف والتبذل، فقال المؤرخ الأندلسي «ابن بسام» أحد من ترجموا لها في كتابه «الذخيرة» : «كانت في نساء أهل زمانها، واحدة من أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، كانت درة يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وسهولة حجّابها، وكثرة منتابها، يخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها ــ سمح الله لها، وتغمد زللها ــ أطرحت التحصيل وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاراتها بلذاتها»
وكتب عنها «المقري التلمساني» (المقري التلمساني (1578م ـ 1631م) اسمه الكامل شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن محمد ابن أحمد ابن يحيى القرشي هو مؤرخ مسلم ولد في تلمسان سنة 1578م، وتوفي سنة 1631م بالقاهرة، من أشهر كتبه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب الذي يعد أحد أبرز المراجع العربية المكتوبة حول تاريخ الأندلس.)  في سفره «نفح الطِّيب من غصن الأندلس الرطيب» قائلا عن ولادة رحمها الله وغفر لها: 
«.. وكانت واحدة زمانها المشار إليها في أوانها حسنة المحاضرة، مشكورة المذاكرة». واقترن اسمها بالعديد ممن حولها؛ فصاحبتها «مُهجة القُرطُبية»، وهي شاعرة لا تقل عنها جمالا، ولُقِّبَت بـ «مهجة صاحبة ولادة»، والوزير «ابن زيدون» الشاعر الذي اُشتهر بـ «ذي الوزارتين» لُقِّب أيضا بـ «صاحب ولادة»، حتى أبوها «المستكفي بالله»، بالرغم من أنه الخليفة إلا أنه اشتهر ولُقِّب بـ «والد ولادة».
وقالت هي عن نفسها:
إني وإن نظر الأنام لبهجتي كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام فواحشا ويصدهن عن الخنا الإسلام
وكان الوزير العاشق «أحمد بن زيدون المخزومي» الشهير بـ «ابن زيدون» يحظى بمكانة مرموقة في المجتمع، وسيماً وذكياً ومرهف القلب، وحباه الله بموهبة شعرية فذة وقدره أدبية متميزة، يحضر مجلسها، ونشأ بينهما حب جارف عبر لقاءات في مجلسها، فاشتعلت قريحته بأشعار ملتهبة، ومساجلات رائعة، كانت مفاجأة لرواد المجلس، وأضفى سجالهما الشعري بعدا جديدا على حركة الإبداع الأندلسي في نهاية العصر الأموي، وبداية عصر الطوائف، ووصل الحب الجارف بينهما حد أنها كانت تطلب اللقاء وتتعجله تحت جنح الظلام
 ونظمت أبياتاً من الشعر في علاقتها مع ابن زيدون:  
ترقب إذا جن الظلام زيارتي        فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح     وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر
ويصف «ابن زيدون» حرصه على سرها، وصونه لها وحنانه عليها بقوله:
أصونك من لحظات الظنون     وأعليك من خطرات الفكر
وأحذر من لحظات الرقيب      وقد يستدام الهوى بالحذر
وكان لـ «ابن زيدون» غلام يدعى «علي» فداعبته فيه «ولادة» بقولها:
ان ابن زيدون على فضله     يفتأ بي ظلما ولا ذنب لي
ولاحظت «ولادة» لاحظت ميل «ابن زيدون» إلى جارية سوداء لديها، فغارت منها لكنها أعلنت ثقتها بنفسها فكتبت إليه تقول:
لو كنت تنصف في الهوى       ما بيننا لم تهـو جاريتي ولم تتخـير
وتركت غصنا مثمـرا بجمـاله      وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما       لكن ولعت لشقوتي بالمشتري
وتقول رحمها الله وغفر لها
ألا هل لنا من بعد هذا التفرُّقِ      سبيلٌ فيشكو كلُّ صبٍّ بما لقي 
تمرّ الليالي لا أرى البين ينقضي      ولا الصبر من ورقِّ التَّشوُّقِ معتقي
ومن شعرها هذه المقطوعة الاندلسية الجميلة المشهورة 
ودّع الصبرَ محبّ ودّعك       ذائع مِن سرّه ما اِستودَعك
يقرع السنّ على أَن لم يكن    زادَ في تلك الخطى إذ شيّعك
يا أَخا البدرِ سناء وسنى    حفظ اللَه زماناً أطلَعك
إن يطُل بعدك ليلي فلكم   بتّ أشكو قصرَ الليل مَعك
وبعدما كان الإخلاص والثقة المتبادلة أساس الحب بينهما، عكر صفوه عاشق آخر وقع في حبها، هو الوزير «أبو عامر ابن عبدوس»، فغضبت ولادة على ابن زيدون وهجته بأبيات مقذعة جدا يتعذر نشلاها اخترنا نها مقطع قصير، وهو: 
ولقّبت المسدّس وهو نعت    تفارقك الحياة ولا يفارق
فَلوطيّ ومأبون وزانٍ       وديّوث وقرنان وسارق
وسعى «ابن عبدوس» لدسّ المكائد لمنافسه «ابن زيدون» صاحب الحظوة لدى «ولادة» ليقصيه عن طريقه إليها، وأقصاه بالفعل عن الوزارة عندما أوقع به عند الملك «أبي الحزم بن جهور»، أول ملوك الطوائف في حكم الأندلس، ولم يكتف «ابن عبدوس»، بل ظل يلاحق «ابن زيدون» حتى أودى إلى السجن وعانى خلاله القهر الذي رقق وجدانه وصقل نفسه وأحَس فيه بالأسى.
   وخلا له الجو للاستئثار بفاتنته ولادة، وتقول كتب التراث: «. ومرت ولادة بالوزير «أبي عامر بن عبدوس»، وأمام داره بركة تتولد عن كثير الأمطار، وربما استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار، وقد نشر أبو عامر كميَّه، ونظر فى عاطفية، وحشر أعوانه إلىّ، فقالت له: «أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا، فكلاكما بحر!». وعلى الجانب الآخر كان «ابن زيدون» يفكر في الهرب من السجن بعد أحداث متتالية في قرطبة ليتمكن من الهرب لاجئاً إلى أشبيلية ليعمل مع المعتضد بن عباد ملك الاندلس ووالد المعتمد بن عباد» الذي أحاط ابن زيدون برعايته وقربه إليه وزاد في كرمه، وظل «ابن زيدون» على حبِّه لـ «ولادة» التي صرفت الأنظار عنه، وجفَّت عواطفها نحوه، فبعث بقصيدته الشهيرة من أشبيلية إليها في قرطبة يقول فيها مناجياً متحسراً، وشاكياً معاتباً مستعطفا فى قصيدته النونية الشهيرة والتي تعتبر من غرر الشعر العربي:
أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا   ونـاب عن طيب لقيـانا تجافينـا
عمّرت ولادة طويلا وبلغت قرابة الثمانين عاما ولم تتزوج، وتوفيت فى شهر صفر من عام 480 هجرية وقيل عام 484.
رحمها الله وغفر لها