مع باحثة واهمة

 مع باحثة واهمة
الكاتب : شريف الترباني
لقد قرأت رسالة لباحثة جاء فيها بعض أقوال من نعى على أهل عصره تفشي العامية واللحن والألفاظ النابية والساقطة ؛ منهم الأديب الأندلسي ابن شهيد والأبشيهي ، ثم عقبت الباحثة بقولها : 
 
( وهذا الأمر ينم عن عصبية وتزمت للأدب العربي ... ولكن المتأمل في الموروث الشعري العربي يجد من الإسفاف والألفاظ النابية والعامية مالا حصر له ؛ ويكفي الإطلاع على هجائيات جرير في ديوانه ) .
 
فإن لفظة ( تزمت ) لها في المعجم معنى صحيح وهو ( الحليم الساكن ) ، ويأتي في بعض المعاجم الحديثة ( التشدد ) ؛ ولكن الذي ترسخ في أذهان المثقفين -  ومنهم هذه الباحثة - أن لفظة ( تزمت ) تنبئ عن قبيح من المعنى ، وفيه شيء من التشنج ... ونستبعد  المعنى المعجمي من ذهن الباحثة ؛ لأن سياق ولحاق الكلام يؤيد قولنا .
 
فإن اختيار الألفاظ الحسنة في موطن غيرة الأفذاذ على تراثهم هو الأولى والأجدر خاصة إن كانت الباحثة ممن يروج إلى شيوع الملاطفة والملاينة عند البحث والرد !
 
وأيضا استعملت الباحثة ألفاظا فضفاضة لا تليق في بحث علمي يرجى أن يطلع عليه ثلة من أهل الإختصاص ؛ فقالت :
 
( مالا حصر له ، ويكفي الإطلاع على هجائيات جرير في ديوانه ... )
 
فإن إحالتنا من قبل الباحثة على هجائيات جرير في رصد هذا الكم الهائل الذي لا حصر له من الألفاظ النابية والاسفاف ... كلام فيه هظم وجور ؛ فإننا لا ننكر ألفاظا نابية في هجائيات جرير لدواعي العصبية بينه وبين خصومه الكثيرين ، ولكن ليس بهذا التهويل الذي رسمته الباحثة ، فألفاظ جرير في هذا الباب تكاد تكون معدودة ؛ وهي في الغالب مكررة ومعادة .
 
وابن شهيد والأبشيهي لما نعيا على أهل زمانهما لم يكونا في معزل عن الاطلاع على موروثنا الأدبي ، وعلى هجائيات جرير و الفرزدق والراعي ... الخ ، فنعيهما صحيح ليس فيه ( تزمت ) ولا ( عصبية ) بل غيرة محمودة .
 
والعامية تكاد لا تذكر في موروثنا القديم ، فإن النقدة كانوا لها بالمناقيش .
 
فقد تجافلوا عن فن الموشح في أول ظهوره لأسباب منها : خروجه عن أعاريض الشعر العربي   ولاحتوائه على ألفاظ ملحونة وعامية ، وما ذاك إلا غيرة على الفصحى والحفاظ عليها .
 
وقد زبرت الباحثة ألفاظا وعبارات ركية كنا نرجو أن تتعالى عنها في بحثها ؛ منها :
 
1 - ( ... كمصطفى الشكعة ... كمحمد عبدالمنعم خفاجي ) !
فإن استعمال ( كاف التشبيه ) هنا خطأ ؛ وهذا لا يخفى على من مارس العربية وعرفها .
 
2 - ( لاعتماده في نظمه على ألفاظ سوقية ماجنة تعافها الأنفس ، وتنبو عنها الأسماع ) !
فالعرب الفصحاء تستعمل الفعل ( تنبو ) مع السيف والبصر والمكان والفراش ، أما السمع فيستعملون معه الفعل ( تمجه ) الأسماع .
 
ثم تكلمت الباحثة عن نشأة الموشحات ، ونقلت أقوال بعض من ذهب إلى مشرقية الموشح  مثل ؛ مصطفى الشكعة الذي ذهب إلى دمشقيته ، ومحمد عبدالمنعم خفاجي الذي ذهب إلى حجازيته في جزيرة العرب ...
 
ثم قالت : ( ونحن ننادي بأردنيته ؛ بناء على ما جاء في كتاب " أغانينا الشعبية في الأردن " ) !
 
وذكرت أدلتها على ما ذهبت إليه ، ومن هذه الأدلة : 
 
1 - غناء ( الهجيني ) الذي هو من خاصة البدو .
 
2 - الموال الذي هو من خاصة أهل الحضر والقرى .
 
3 - وأشياء أخرى على غرار ما ذكر .
 
فنقول لهذه الباحثة : الهجيني هو زاد كل بدوي في كل أقطار المشرق العربي ولا يختص بمنطقة دون منطقة ؛ فهو في الجزيرة العربية وبوادي الشام و صحراء سيناء ... الخ .
 
فلا يجوز أن يكون دليلا تتكئين عليه لإثبات ما توهمتيه !
 
أما ( الموال ) فأسيادة وأساطينه شمال فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ... الخ ، فهو ليس حكرا على شمال الأردن بل شمال الأردن تبع لمن ذكرت .
 
فيتبين لنا من هذا المرور السريع على أدلة الباحثة ، أنها أدلة واهية ومنافية للنزاهية العلمية التي يجب أن تكون مبنية على البراهين والأدلة الصحيحة .
 
وكما قال الأول : 
 
أوردها سعد ؛ وسعد مشتمل
...... ما هكذا يا سعد تورد الإبل .